بقلم المهندس/ فاروق شرف
استشاري ترميم الاثار
حكاية مسجد المصطفى الذى أعاد روح العمارة الإسلامية فوق ارض سيناء.
- في مدينةٍ خرجت من بين الجبال والصحراء لتصبح واحدة من أهم المدن السياحية في العالم، يقف مسجد المصطفى بمدينة شرم الشيخ وكأنه قطعة من التاريخ الإسلامي أُعيد بعثها بروح معاصرة.
- فليس المسجد مجرد مكان للصلاة، بل تجربة بصرية وروحية وهندسية متكاملة، تُشعرك منذ اللحظة الأولى أنك أمام عمل معماري يحمل رسالة حضارية أكثر من كونه مبنى دينيًا فقط.
- وربما لا يعرف كثير من الناس أن هذا المسجد كان ثمرة رؤية معمارية خاصة للمهندس المصري فؤاد توفيق حافظ، ( رحمة الله عليه )الذي آمن بأن العمارة الإسلامية ليست زخارف وقبابًا فحسب، بل لغة حضارية قادرة على مخاطبة الإنسان أينما كان.
- لماذا يبدو المسجد “أثريًا” رغم حداثة بنائه؟
هذه واحدة من أكثر النقاط إثارة في مسجد المصطفى.
فعلى الرغم من افتتاحه عام 2007م، فإن كثيرًا من الزائرين يظنون لأول وهلة أنهم أمام مسجد تاريخي يعود إلى العصر المملوكي أو الفاطمي.
والسر هنا أن المهندس فؤاد حافظ لم يعتمد على النقل الحرفي للعمارة القديمة، بل استخدم ما يُعرف معماريًا بـ:
“إعادة إحياء الروح المعمارية الإسلامية”
أي استحضار النِّسب، والإيقاع البصري، والظل والنور، وتوازن الكتل، بحيث يشعر الإنسان بروح العمارة التاريخية دون تقليد مباشر لها.
ولهذا نلاحظ:
. المآذن الرفيعة ذات الرشاقة المملوكية.
. القباب المتدرجة القريبة من روح عمارة القاهرة الإسلامية.
. العقود المدببة والزخارف الهندسية ذات الطابع الفاطمي.
. التكوين العام الذي يمنح إحساس “الهيبة الهادئة” وليس الضخامة الصاخبة.
. حوار ذكي بين المسجد والطبيعة من الامور
التي لا ينتبه إليها كثير من الزائرين أن تصميم المسجد راعى طبيعة سيناء الجبلية واللونية بصورة دقيقة جدًا.
فاللون الفاتح للأحجار والرخام لم يكن اختيارًا جماليًا فقط، بل قرارًا بيئيًا ومعماريًا مدروسًا، لأن:
الألوان الفاتحة تعكس حرارة الشمس.
وتعطي انسجامًا بصريًا مع جبال جنوب سيناء.
كما تجعل المسجد يبدو نهارًا وكأنه امتداد طبيعي للبيئة المحيطة.
أما ليلًا، فتتحول المآذن والقباب مع الإضاءة المعمارية إلى مشهد بصري شديد الرهافة، حتى أصبح المسجد من أكثر المواقع التي يلتقط عندها السائحون الصور في شرم الشيخ.
المئذنة… ليست مجرد عنصر زخرفي
ارتفاع مآذن المسجد الذي يصل إلى نحو 71 مترًا لم يكن فقط لإظهار العظمة، بل لتحقيق وظيفة بصرية وروحية معًا.
فالعمارة الإسلامية التقليدية كانت تعتبر.
المئذنة:
نقطة اتصال بين الأرض والسماء وعلامة بصرية تهدي الناس إلى المدينة ورمزًا لعلو الرسالة.
ولهذا حرص المصمم على أن تكون المآذن نحيلة وممشوقة، لا ضخمة وثقيلة، حتى تحتفظ بخفة العمارة الإسلامية الكلاسيكية.
* التفاصيل التي لا يراها الكثيرون
من أكثر ما يميز مسجد المصطفى أن تفاصيله الدقيقة تبدو وكأنها صُنعت ببطء شديد وبحس فني واضح.
فعند التأمل نجد:
* تناسقًا هندسيًا دقيقًا بين القباب والمآذن.
* توزيعًا محسوبًا للفتحات والنوافذ يسمح بحركة الضوء الطبيعي داخل المسجد.
* استخدام الخط العربي كعنصر معماري وليس مجرد كتابة.
* اعتماد الزخرفة الهندسية بدلاً من المبالغة اللونية، حفاظًا على الوقار البصري.
حتى الساحة المحيطة بالمسجد لم تُترك عشوائيًا، بل صُممت لتمنح المبنى “مسافة تنفس بصرية”، وهي فكرة معمارية مهمة تجعل الكتلة المعمارية أكثر هيبة ووضوحًا.
# أما المهندس فؤاد توفيق حافظ… المعماري الذي أحب العمارة الإسلامية لم يكن مجرد مصمم مبانٍ، بل كان صاحب مشروع فكري يرى أن العمارة الإسلامية قادرة على استعادة الذوق البصري الراقي في المدن الحديثة.
وكان يؤمن أن المسجد الحقيقي يجب أن:
- يبعث السكينة قبل أن يُبهر العين.
- بالروحانية قبل استعراض الزخارف.
- ويُعيد للمدينة هويتها الثقافية.
ولهذا جاءت أعماله في شرم الشيخ مختلفة عن كثير من الأبنية الحديثة التي تعتمد على الضخامة وحدها دون روح.
وقد ترك بصمة واضحة أيضًا في تصميم مسجد الصحابة، ليصبح الاثنان معًا من أهم معالم العمارة الإسلامية الحديثة في سيناء.
حين يصبح المسجد جزءًا من ذاكرة المدينة
اليوم لم يعد مسجد المصطفى مجرد مسجد لأهالي شرم الشيخ، بل أصبح:
+ علامة بصرية للمدينة.
+ ومزارًا سياحيًا وثقافيًا.
+ ونقطة جذب للتصوير والتأمل المعماري.
+ ودليلًا على أن العمارة الحديثة تستطيع احترام التراث دون أن تفقد معاصرتها.
وهنا تكمن الحكاية الحقيقية وراء هذا الأثر الحديث…
أن بعض المباني تُشيَّد بالحجر فقط، أما بعضه الآخر فيُبنى بالفكرة والروح والوعي الحضاري.
|