بقلم المهندس/ فاروق شرف
استشاري ترميم الاثار
أثر يروي حكاية الفن والإيمان والزمن الجميل حيث يلتقي الضوء بالصلاة والجمال خلف أبواب القاهرة.
""""""""""""""""""""""
في أحد شوارع وسط القاهرة المزدحمة ( شارع محمد فريد )، وبين ضجيج السيارات وواجهات العمارات القديمة، تقف كنيسة سان جوزيف بهدوء مهيب وكأنها تخفي داخل جدرانها حكاية من زمن آخر…
فمن يمر أمامها قد يظنها مجرد كنيسة تاريخية جميلة، لكنه إذا اقترب قليلًا سيدرك أنه أمام عالم معماري وفني وروحي شديد الخصوصية، يحمل روح القاهرة الكوزموبوليتانية في أبهى عصورها.
- شُيدت الكنيسة على الطراز الأوروبي الكاثوليكي المتأثر بالعمارة القوطية الجديدة والطراز النهضوي الإيطالي، وهو ما يظهر بوضوح في ارتفاعاتها الرشيقة ونوافذها الطويلة والزخارف الدقيقة التي تمنح المبنى إحساسًا بالسمو والسكينة.
- ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن الكنيسة لا تبدو معزولة عن القاهرة، بل أصبحت جزءًا حيًا من ذاكرة وسط البلد، شاهدة على زمن كانت فيه القاهرة مدينة عالمية تتجاور فيها الثقافات والأديان والفنون في مشهد حضاري فريد.
وعندما تدخل إلى الكنيسة تشعر وكأن الضوضاء قد اختفت فجأة…
- فالضوء المتسلل من النوافذ الزجاجية الملونة يرسم على الأرض والجدران لوحات متغيرة الألوان، بينما تحكي الرسومات الداخلية. والأيقونات قصصًا دينية وفنية تعود لقرون طويلة من التراث الكاثوليكي.
- ومن الأشياء التي لا يعرفها كثيرون أن هذه النوافذ الزجاجية الملونة ليست مجرد عنصر جمالي، بل كانت تُستخدم قديمًا كوسيلة تعليمية رمزية لشرح القصص الدينية للناس قبل انتشار القراءة والتعليم، ولذلك جاءت مليئة بالتفاصيل الدقيقة والألوان الرمزية المرتبطة بالعقيدة المسيحية.
- كما تضم الكنيسة لوحات جدارية وتماثيل فنية تم تنفيذ بعضها بأساليب أوروبية كلاسيكية نادرة في كنائس القاهرة، خاصة في طريقة تصوير الملائكة والقديسين والخلفيات الذهبية الهادئة التي تمنح المكان حالة روحانية خاصة.
- ويُعتبر السقف المزخرف من أجمل عناصر الكنيسة، إذ يحمل تكوينات هندسية وزخرفية دقيقة متأثرة بالفن القوطي والنهضوي، وهي أعمال تحتاج إلى مهارة حرفية عالية جدًا في التنفيذ، خصوصًا مع التناسق بين الزخارف والإضاءة الطبيعية القادمة من النوافذ الملونة.
- ورغم أن الكنيسة كاثوليكية الطابع، فإنها ظلت عبر سنوات طويلة مفتوحة بروح من التسامح والمحبة، تستقبل الزائرين من مختلف الطوائف والأديان، كما اشتهرت بفعالياتها الفنية والثقافية وحفلات الترانيم التي جذبت جمهورًا متنوعًا من المصريين، لتتحول من مجرد مبنى ديني إلى مساحة إنسانية وثقافية تعكس روح القاهرة الجميلة.
- إن حكاية كنيسة سان جوزيف ليست فقط حكاية مبنى أثري أو تحفة معمارية، بل هي حكاية مدينة كاملة…
مدينة كانت تعرف كيف تحتضن الفن والإيمان والجمال في شارع واحد، وتترك لنا أثرًا لا يزال حتى اليوم يهمس بهدوء وسط صخب القاهرة الحديثة. |