كتبت دكتورة/ ريهام البربري
Rehamelbarbary2006@yahoo.com
في الآونة الأخيرة استوقفتني متابعات متعددة لأحداث مرتبطة بالشأن الاِجتماعي والسياسي والثقافي والديني والعلمي والفني عبر وسائل التواصل الاِجتماعي من شأنها صدع المجتمع، وزلزلة ضميره الأخلاقى ونشوب صراعات محتدمة بين الاِنصياع للمصالح والرغبات، وبين صوت الحق والواجب.
ورغم أن مجتمعنا صاحب حضارة ركيزتها الأساسية القيم والأخلاق منذ أكثر من خمسة آلاف سنة إلا أنني اكتشفت أن التجرد منهما في تناول القضايا وإبداء الآراء المجحفة الظالمة ونشر الشائعات والتضليل عن معرفة محدودة أو عن جهل سقيم في حق الأحياء والأموات أصبح ظاهرة مخيفة تهدد السلم والأمن المجتمعي.
لقد هيمنت " ثقافة الفيديو " على وسائل التواصل الاِجتماعي وأصبحت تمثل قطاع اِقتصادي ضخم هام للتعبير عن الهوية المجتمعية، وتوثيق أحداثه بلغةِ بصرية عالمية مفهومة تصل للجميع بلا حواجز اِختلاف اللغات أو جهد في القراءة، لكنها أيضاً أصبحت سلاح ذو حدين، خاصة مع توافر آليات تكنولوجية لإجراء تعديلات عليها وإخراجها من سياقها ثم إعادة تداولها للتضليل والتلاعب بالحقائق والتأثير على الرأي العام، أو إمكانية إنشاء مقاطع فيديو مزيفة بالكامل باستخدام الذكاء الاِصطناعي لشخصيات حقيقية أحياءاً وأمواتاً، وهي تقول أو تفعل أشياء لم تقم بها قط من أجل الضغط والاِبتزاز وتشويه السمعة.. أو إنشاء فيديوهات مفتعلة ذات سلوكيات غير لائقة للتلاعب بالوعي الجمعي وإعادة تشكيل طموحات المجتمع خاصة جيل الشباب منه باعتبارها وسيلة سهلة وسريعة لتحقيق الشهرة والنجاح.
من هنا نتبين أن التوجه العام لتشويه المجتمع وهدم تاريخه وحضارته لن يكون بسبب نقص الذكاء أو التراجع الاِقتصادي، بل عن طريق نشر الفساد الخلقي وإعتياده وتأصيله، وتلاشي التعاطف والمودة والتراحم والدعم من بين أفراد المجتمع، حتي يبدأ تلقائياً في السقوط التدريجي من الداخل.
لقد نهانا رب العباد عن الترويج للشائعات في قوله تعالي:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ ، وعن إشاعة الفاحشة فى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ،وتوعدهم بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة..فما بالكم بالإساءة والتطاول والنفاق والكذب والتنابذ بالألفاظ تعقيباً على آلاف المنشورات والفيديوهات المتبادلة في وسائل التواصل الاِجتماعي يومياً ؟!
الخطر ليس فقط من تنمر مجرمي اللجان الإلكترونية المدفوع لهم الأجر لدعم أو هدم المحتوى المنشور، لكن أيضاً من ضعف نفوس وسطحية عقول متابعين لا ناقة لهم فيها ولا جمل ،غفلوا أن الناس تكب في النار على وجوههم، بسبب حصائد ألسنتهم .. وأن التطور التكنولوجي ما جاء إلا لتيسير حياة البشر لا من أجل إضرام النار في الهشيم، ومحاربة بعضنا البعض، ولو أن الناس أنتقت مصادرها للتلقي ،وتحصنت بالمعرفة والوعي الذاتي ،وتجنبت الاِنحياز الأعمى والنقاشات الحادة التي تهدف إلى زرع الفرقة والاِنقسام، واستخدمت لغة الحوار الهاديء والمنطقي عند ظهور أي خلاف أو أزمة، ولجأت لأصحاب التخصص والرأي والمشورة الصائبة، لخمدت نيران الفتن ودرأت مفاسد الجهل وتبصرت بنورالحق، وأصبح عالمنا أكثر إنصافاً وأكثر سلماً وأكثر عدلاً.
دعونا ونحن في العشر أيام المباركة من أوائل شهر ذي الحجة، نتذكر قوله تعالي: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ).. وندرك أن الرسالات السماوية، جميعها دعت إلى توحيد الله، ومكارم الأخلاق، لتهذيب النفوس وتنظيم علاقة الإنسان بربه وبباقي أفراد المجتمع على أسس من المحبة، والسلام ،والعدل، والرحمة، والصدق، فلنحذر شر المعاصي والذنوب فهم محرمين طول العام ، لكنهم أعظم تحريماً في الأشهر الحرم الأربعة (ذو القعدة، ذو الحجة، المحرم، ورجب) ،وما أكرم من أصبح وأمسي قابضاً على دينه وسط هرج ومرج هذا الزمان.. "رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ". |