الثلاثاء, 26 مايو 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

المنجز بين القداسة والاحترام

المنجز بين القداسة والاحترام
عدد : 05-2026
كتب/ محمد الكعبي

تُعدّ ظاهرة تقديس الأشخاص من الظواهر الاجتماعية والفكرية المركّبة، ذات الجذور الضاربة في عمق التاريخ الإنساني، حيث عرفتها حضارات قديمة مثل بابل وآشور ومصر القديمة وروما والصين واليابان، حين كان الحاكم يُنظر إليه بوصفه تجليًا إلهيًا أو كائنًا ذا طبيعة فوق بشرية، لا يجوز الاعتراض عليه أو مساءلته. ومع تطوّر المجتمعات، لم تختفِ هذه الظاهرة، بل أعادت إنتاج نفسها بأشكال مختلفة، متجاوزة حدود الاحترام المشروع إلى حالة من الإضفاء غير النقدي للكمال والعصمة على الأفراد أو الجماعات.

تتجلّى هذه الظاهرة في سياقات متعددة، سياسية ودينية وثقافية واجتماعية، حيث يتحوّل الشخص إلى مرجعية مطلقة تُعلَّق عليها الآمال، وتُبرَّر من خلالها المواقف، بمعزل عن مدى اتساقها مع العقل أو المعايير الموضوعية، وغالبًا ما تنتشر هذه النزعة في البيئات التي تعاني من ضعف الوعي أو هشاشة البنية المعرفية، حيث يبحث الأفراد عن رموز تعوّض شعورهم بالنقص أو فقدان الهوية.

على المستوى الفردي، يؤدي تقديس الأشخاص إلى تعطيل ملكة التفكير النقدي، إذ يفقد الإنسان قدرته على التمييز بين الصواب والخطأ عندما يُسند حكمه إلى شخصية يُفترض فيها العصمة ومع مرور الزمن، تنشأ حالة من التبعية الفكرية والنفسية، تجعل الفرد عاجزًا عن اتخاذ قرارات مستقلة، مائلًا إلى التلقّي بدل التحليل والمساءلة، كما يُضعف هذا النمط من التفكير الإحساس بالمسؤولية، إذ يُسقط الفرد خياراته على (القدوة) متواريًا خلفها بدل تحمّل نتائج أفعاله.

أما على المستوى النفسي، فيُنتج تقديس الأشخاص حالة من التنافر المعرفي، خاصة عند ظهور تناقضات في سلوك الشخص المُقدَّس. وبدل مواجهة هذه التناقضات بموضوعية، يلجأ الفرد إلى التبرير أو الإنكار، مما يُفضي إلى اضطراب في الإدراك وازدواجية في المعايير، تُقوّض التوازن النفسي والمعرفي.

وفي الإطار الاجتماعي، يُسهم هذا السلوك في تكريس ثقافة التبعية والجمود، حيث تُهمَّش الكفاءات وتُقيَّد حرية التعبير لصالح سلطة رمزية غير خاضعة للنقد، ويؤدي ذلك إلى إضعاف المؤسسات، لأن البناء المؤسسي السليم يقوم على القواعد والأنظمة، لا على الأشخاص، كما يعزّز الانقسام المجتمعي، إذ تتحوّل الجماعات إلى تكتلات تدور حول رموز، بدل أن تتوحد حول مبادئ وقيم مشتركة.

ومن أخطر نتائج هذه الظاهرة أنها تمهّد لظهور أنماط من الاستبداد، إذ يجد بعض الأفراد في التقديس أداة لتكريس نفوذهم، مستغلين الانقياد الجمعي لتحقيق مصالح شخصية أو سياسية، على حساب العدالة والحقوق، وعندما تُمنح الشرعية للأشخاص بدل المبادئ، يصبح من الممكن تبرير الخطأ، بل وإعادة تعريفه بوصفه صوابًا لمجرد صدوره عن شخصية مُقدَّسة.

إن مواجهة هذه الظاهرة تستلزم جهدًا متكاملًا يبدأ من ترسيخ الوعي النقدي، ويمرّ بإصلاح المنظومات التربوية والتعليمية، وصولًا إلى تفعيل دور الإعلام والمؤسسات الثقافية في نشر ثقافة المساءلة، كما يتطلّب الأمر تعزيز مبدأ الكفاءة وربط الشرعية بالإنجاز، لا بالانتماء أو الهالة الرمزية.

ومن الضروري التمييز بين الاحترام والتقديس؛ فالاحترام قيمة أخلاقية تُعبّر عن تقدير الجهد والمكانة، ضمن حدود النقد والمساءلة، أما التقديس فهو انحراف معرفي يُفضي إلى تعطيل العقل وتكريس التبعية، ولا يمكن بناء مجتمع متوازن إلا من خلال الاحتكام إلى المعايير الموضوعية في تقييم الأفكار والأشخاص، بعيدًا عن الشخصنة والانفعال.

وبذلك، فإن تجاوز ظاهرة تقديس الأشخاص يمثّل خطوة أساسية نحو تحقيق النضج الفكري، وبناء مجتمع يقوم على العقلانية، وسيادة القانون، والمسؤولية المشتركة.