بقلم المهندس/ فاروق شرف
استشاري ترميم الاثار
لم يكن تمثال تمثال إبراهيم باشا مجرد عملٍ نحتيّ يُخلّد قائدًا عسكريًا، بل تحوّل – في لحظة فارقة – إلى نقطة تماس بين الفن والسياسة.
عندما صاغ المثال الفرنسي شارل هنري كوردييه رؤية القاعدة الرخامية للتمثال، اقترح لوحتين بارزتين تجسدان انتصارات إبراهيم باشا في معركتي: -نزيب. و. - عكا.
وهما من أبرز اللحظات العسكرية التي انتصر فيها الجيش المصري على نظيره العثماني.
غير أن هذا التصور الفني اصطدم بحساسية سياسية؛ إذ رأت الدولة العثمانية (تركيا لاحقًا) أن تخليد هذه المشاهد على قاعدة تمثال في قلب القاهرة يُعد توثيقًا بصريًا لهزيمتها، فتم رفض تنفيذ اللوحتين.
أمام هذا الرفض، عاد كوردييه إلى فرنسا محتفظًا باللوحتين، حيث عُرضتا لفترة في باريس قبل أن تختفيا لاحقًا، ويُرجَّح أنهما ظلّتا ضمن مقتنيات عائلته دون توثيق دقيق لمصيرهما.
وبعد مرور قرن على وفاة إبراهيم باشا، وتحديدًا عام 1948، سعت مصر إلى استكمال الرؤية الأصلية للتمثال، فبدأت محاولة رسمية لاستعادة اللوحتين من فرنسا، إلا أن البحث لم يُسفر عن نتيجة؛ إذ أفاد حفيد كوردييه بعدم العثور عليهما.
هنا تدخلت الإرادة الفنية المصرية، فكُلّف كلٌ من: -أحمد عثمان. و - منصور فرج.
بإعادة تنفيذ لوحتين بديلتين، مستلهمتين من التصميم الأصلي، لتُستكمل بذلك القاعدة كما نراها اليوم.
وعلى جانبي القاعدة، لا تزال العبارة المنقوشة تشهد:
«سلام على إبراهيم… قاد جيشه من نصر إلى نصر»
تتبعها قائمة دقيقة بالمعارك وتواريخها، لتصبح القاعدة نفسها وثيقة تاريخية منحوتة، لا تقل أهمية عن التمثال الذي تعلوه.
وهكذا، لم يعد التمثال مجرد تخليد لقائد… بل سجلًّا لصراع الإرادات:
بين فنانٍ أراد أن يُجسّد الحقيقة، وسياسةٍ سعت إلى تجميلها، وتاريخٍ انتهى به الأمر محفورًا في الحجر. |