بقلم المهندس/ فاروق شرف
استشاري ترميم الآثار
في أحد الصباحات الهادئة، وقبل أن تدبّ الحركة المعتادة في ميدان الأوبرا، وتحديدًا في تمام السادسة صباحًا، شهد موقع تمثال القائد إبراهيم باشا واقعة استثنائية، خرجت عن كل ما هو متوقع في سياق العمل الأثري المنضبط.
ففي غياب العاملين، تمكن رجل مجهول من التسلل إلى موقع الترميم، وصعد عبر الشدّات المعدنية المثبتة حول التمثال، حتى بلغ القاعدة، ومنها اعتلى تمثال الفارس، ليستقر فوق ظهر الحصان، ممسكًا باللجام في وضع درامي لافت.
ولم يكتفِ بذلك، بل بدأ في إلقاء كلمات وخطابات بصوت مرتفع، موجّهًا حديثه إلى المارة الذين أخذوا يتجمعون تدريجيًا، حتى تحوّل المشهد إلى حشد كبير أربك الحركة في الميدان، وتسبب في تعطّل مروري ملحوظ.
وسرعان ما انتقلت الواقعة إلى مستوى أمني، حيث هرعت قوات من قسمي شرطة الموسكي وعابدين إلى موقع الحدث، في محاولة للسيطرة على الموقف الذي ازداد تعقيدًا مع إعلان الرجل رفضه النزول، مهددًا بإلقاء نفسه من أعلى التمثال.
هنا، لم يكن الحل في القوة، بل في الحكمة. فقد تم التعامل مع الموقف بقدر كبير من الدبلوماسية والهدوء، إلى أن اشترط الرجل إخلاء حديقة التمثال تمامًا من المتواجدين. وتم تنفيذ هذا الشرط بدقة، حفاظًا على سلامته وسلامة الموقع.
وبالفعل، وبعد لحظات من الترقب، نزل الرجل بسلام، ليتم التحفظ عليه في هدوء، دون أي أضرار تُذكر، سواء للتمثال أو للأفراد.
وقد تنافست الصحف آنذاك في توثيق هذه الواقعة الغريبة، التي جمعت بين الطرافة والخطورة في آن واحد، بينما أحمد الله أن اسمي لم يُذكر ضمن تفاصيل هذا الحدث، ليبقى شاهدًا عابرًا في ذاكرة الميدان، لا في عناوين الأخبار.
وهكذا يثبت الأثر مرة أخرى… أنه ليس مجرد كتلة صامتة من البرونز أو الحجر، بل نقطة جذب حيّة، تتقاطع عندها حكايات البشر، بين عقلانية العلم، ودهشة الواقع، وغرابة ما قد تحمله الأيام من مواقف لا تُنسى.
|