كتبت دكتورة/ ريهام البربري
في إطار اِحتفالية يوم المرأة المصرية والأم المثالية بقصر الاِتحادية ، قام الرئيس عبدالفتاح السيسي بتكريم السيدة عزيزة عبدالعليم الشهيرة ب"أم الغلابة". فيها استمعنا لقلبها الطاهر المنعكس على سماحة وجهها تقص عليه بمحبة ورحمة بداياتها مع تقديم 50 وجبة مجانية يومياً منذ 36 عاماً على نهر الطريق أسفل كوبري إمبابة، ولم يتجاوز حينها عتادها كله سوى "وابور و3 حلل" ، ولكن اليوم بفضل الله تعالى باتت تقدم 3000 وجبة يومياً ، لمن تأرجحت بهم ظروف الحياة بين قسوةٍ لا تُحتَمل، ورجاء لا يكتمِل.
ولأن خدام الله ورسوله وآل بيته صلوات ربي وسلامه عليهم آجمعين لا يعرفون أن يطلبوا الدنيا إطلاقاً لأنفسهم، لكنهم يطلبونها برداً وسلاماً على الآخرين، أعربت لراعي الأمة بصوت كله تفاؤل ورجاء، عن حلمها في أن يتم منحها قطعة أرض تبني عليها مطعم ٥ أدوار لتتوسع من خلاله فى إطعام آلاف المساكين بالمجان يومياً.
حلم "عزيزة مصر" المؤجل تنفيذه منذ ٣٦ سنة ليس عاصياً اطلاقا على السادة الأكابر ممن ينفقون ملايين الدولارات على الاعلانات والحفلات والمهرجانات ومواسم الدعاية الانتخابية!!! .... لكن ربما ربنا عز وجل أراد أن يختبر صدق الجميع في ابتلاءات هؤلاء الفقراء.
الأم الفاضلة (عزيزة) أعزها الله في السماء والأرض، قامت بأداء رسالتها التربوية تجاه أولادها الثلاثة وزوجتهم، ثم هجرت منزلها لتقيم في خدمة "ستنا زينب"، مستبشرة بأنها لازالت حية ترزق بقدرة الله وعظمته تملأ بطون الجائعين يومياً بأطيب الطعام، وتعمل على توفير احتياجات السائلين، والمتعففين، راسمة الإبتسامة الصافية على شفاه كل اللاجئين إليها، متمتعة بمحبة من أهل السماء والأرض لها ، ودعائهم لها دويا لا يفتر ليلاً أو نهاراً .
لم أصدق أن هذه السيدة الرحيمة تحمل في قلبها أيضاً براءة الأطفال إلا عندما شاهدتها تجري وتلعب مع الأطفال صباح العيد بكل حب وبهجة، وتوزع على الكبار والصغار العيديات الرمزية لتغمر قلوب كل الحاضرين بالسعادة النادرة.
إقامة موائد الرحمن ليست وليدة هذا العصر لكن تعود جذورها إلى عهد الصحابي الإمام" الليث بن سعد"، عام 175 هجرياً فى مصر، الذي كان يُطعم الناس بأشهى الطعام على مدار العام ، ولا يتناول طعامه إلا معهم خاصة الصائمين والفقراء ، ومع مرور الزمن تمسكت الكثير من العائلات والتجار بإقامتها بالمناطق الشعبية تعبيراً عن جودهم وكرمهم وحرصاً علي التكافل الإجتماعي بين جميع الطبقات ، والمدهش أنه مع زيادة قوة تأثير وسائل التواصل الاجتماعي بات بعض الوزراء والسفراء والفنانين والمشاهير يتوافدون عليها ويقدمون الخدمة بأنفسهم .
ونظراً لعجز الحكومة عن حل مشكلة الأسعار وتكثيف المراقبة الدورية على الأسواق، وتوفير برامج حماية اجتماعية حقيقية للفقراء، لا أستبعد في القريب العاجل أن نعود لإحياء التكيات .
والتكية، قديماً كانت عبارة عن مؤسسة خيرية تقدم المأكل والمأوى للوافدين إليها، ولقد تأسست اول تكية مصرية في مكة المكرمة بأمر من محمد علي باشا عام 1811م، وتبعتها تكية المدينة المنورة على يد ابنه إبراهيم باشا في القرن الثالث عشر الميلادى في عهد الدولة المملوكية، والتى كانت تصرف نفقاتها الغذائية ومرتبات المسؤولين عنها من ديوان الأوقاف المصرية لدعم الحجاج والمعتمرين من كل الشعوب الإسلامية يومياً.
ولقد حظيت تكية المدينة المنورة بإهتمام وعناية والي مصر محمد سعيد باشا ، الذى زار المدينة المنورة عام 1861م ، ورأى شدة معاناة أهلها وحاجتهم الماسة للطعام.. فأمر بتخصيص4751 فدان في الأراضى المصرية كأوقاف لخدمة التكية في مكة المكرمة والمدينة المنورة. وبعد وفاته جاء الخديوِي إسماعيل وأمر بزيادة المخصصات من الأموال والمحاصيل الزراعية لصالح التكية المصرية في المدينة المنورة .
وفى عام ١٩٣٢م قام الملك فاروق، بإنشاء عدة تكايا خيرية في مصر مطابقة للتكية التي أنشأها محمد علي باشا في مكة المكرمة لتقديم الطعام بالمجان طوال العام لأهالي المناطق الفقيرة ؛ لكن في عام 1957م أصدر الرئيس الراحل جمال عبدالناصر قراراً رسمياً بإغلاق جميع التكايا البالغ عددها 7 تكايا، فيما عدا التكية المولوية لكونها أصبحت مقراً للمركز الثقافي الإيطالي. بينما ظلت التكية المصرية قائمة في مكة المكرمة، حتى تم هدمها عام 1983م في مشروع توسعة الحرم المكي.
والآن في ظل الظروف الإقتصادية الطاحنة التي يمر بها المجتمع المصري ، ندعو كل من له الولاية لتقديم الدعم المادي والعيني لإقامة التكايا من جديد في أنحاء الجمهورية لتخفيف معاناة الفقراء والمساكين وعابري السبيل قدر الإمكان ، والحفاظ على صحتهم من أجواء التلوث والضوضاء، والحرص النزية على كرامتهم بعيداً عن عدسات الكاميرات .
واخيراً أذكر نفسي وإياكم بمدح الله عز وجل لعباده المؤمنين فى قوله تعالي: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾، أيضاً بما ورد في السنة النبوية ، قول رسول الله صلَّى الله عليه وسلم: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ غُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا، وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا»، فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «لِمَنْ أَطَابَ الكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ»... دمتم أبراراً سباقين لكل عمل صالح.
|