كتب: محمود فرحات
يُعد الملك (رعمسيس الثاني) من أكثر الشخصيات التاريخية التي ارتبط اسمها في الأدبيات الحديثة بمحاولة تحديد هوية المدعو "فرعون الخروج" المذكور في النصوص الدينية، وقد استندت بعض الأطروحات المعاصرة، إلى مجموعة من الاستنتاجات التي تربط بين سيرة هذا الملك وقصة خروج بني إسرائيل من مصر.
غير أن إخضاع التاريخ المصري القديم لمقاربة ثيولوجية مباشرة قد يؤدي أحياناً إلى إعادة تفسير الأدلة الأثرية بما يتوافق مع السرد الديني –المدرسة التوراتية في علم الاثار- بدلاً من قراءة الوقائع وفق منهج تاريخي نقدي مستقل.. لذلك أحاول في هذه السطور الاجتهاد في تقديم مراجعة لهذه الفرضية اعتماداً على المعطيات الأثرية والأنثروبولوجية والتاريخية المتوفرة..
أولاً: مسألة العقم وزواج الملك من بناته
استندت بعض التفسيرات إلى فرضية أن زواج رمسيس الثاني من بعض بناته –مثل الأميرة مريت آمون وبنت عنتا– كان زواجاً صورياً أو أفلاطونياً، وربطت ذلك باحتمال عقم الملك أو بناته الذين تزوج منهن، وهو ما يُستخدم أحياناً كمدخل لتفسير قصة تبني موسى داخل القصر الملكي، غير أن الأدلة الأثرية المتوفرة لا تدعم هذه الفرضية.
تشير النقوش الملكية في معابد الأقصر والرمسيوم وقبور وادي الملكات إلى وجود عدد كبير من أبناء وبنات (رعمسيس الثاني) حيث تذكر القوائم الملكية ما يقارب مئة أمير وأميرة. ولم تكن هذه الأسماء مجرد زخارف جدارية، بل شغل كثير منهم مناصب حقيقية داخل الدولة.
فالأمير (خع إم واست )كان الكاهن الأكبر للإله بتاح في منف، ويُعد من أوائل من مارسوا أعمال ترميم الآثار في التاريخ المصري. أما الأمير (مرنبتاح) فقد تولى قيادة الجيش ثم اعتلى العرش بعد وفاة والده، كما تشير السجلات إلى استمرار ولادة أبناء للملك خلال سنوات متقدمة من حكمه الطويل الذي امتد أكثر من ستة عقود، وهو ما يدل على قدرة الملك على الإنجاب لفترة طويلة.. أما زواج الملك من بعض بناته فكان جزءاً من تقليد ديني ملكي قديم يهدف إلى تعزيز فكرة نقاء السلالة الملكية واستمرار الدم الملكي داخل البيت الحاكم، وهو تقليد معروف منذ عصور أقدم في التاريخ المصري، يمكننا القول أنه زواج وظيفي ليس زواج فعل، حيث كانت تلك الاميرات تحمل الالقاب الملكية الوظيفية التي تعزز صورة الاستقرار واستمرار السلاله الحاكمة وتثبيت النسب الملكي، اضافة لذلك كان لهذه الظاهرة بعداً دينياً واضحاً، حيث ارتبطت صورة الملكة في العقيدة الملكية المصرية بكونها شريكاً في الشرعية المقدسة للملك، وغالباً ما كانت تُصوَّر بوصفها امتداداً نسوياً للسلالة الملكية، ومن ثم فإن كون الملكة من صلب الملك كان يعزز التصور الديني والسياسي لفكرة نقاء النسب واستمرار السلالة ذات الأصل الإلهي.
كما أن الأشعة المقطعية لمومياء (رعمسيس الثاني) أظهرت إصابته بالتهاب المفاصل وتصلب الشرايين لانه كان طاعن في السن، كما أثبتت أن موته كان بشكل طبيعي نتيجة الشيخوخة، ولم تظهر أي آثار للغرق رغم محاولات البعض تأويل وجود أملاح عليها، وهو أمر طبيعي ناتج عن عملية التحنيط والنطرون.
ثانياً: جغرافية الدلتا واختفاء العاصمة الملكية
يُطرح أحياناً أن غياب الأدلة الأثرية في شرق الدلتا قد يفسر عدم وجود شواهد على أحداث الخروج، بحجة أن العاصمة الفعلية لرعمسيس الثاني (بر-رعمسيس) لم تُكتشف آثارها بشكل كافٍ.. إلا أن الاكتشافات الأثرية الحديثة غيّرت هذه الصورة بدرجة كبيرة. فقد تمكنت البعثات الأثرية النمساوية والألمانية في موقع (قنطير) باستخدام تقنيات الاستشعار المغناطيسي والمسح الجيوفيزيائي من إعادة رسم التخطيط العمراني لمدينة (بر-رعمسيس) العاصمة التي أسسها رعمسيس الثاني في شرق الدلتا.. وقد كشفت هذه الدراسات عن أجزاء واسعة من المدينة، بما في ذلك القصور الملكية، والإسطبلات الضخمة الخاصة بعربات الحرب، إضافة إلى مناطق صناعية وإدارية متقدمة.
كما تشير الدراسات الجيومورفولوجية إلى أن المدينة فقدت أهميتها تدريجياً نتيجة تغيّر مجرى أحد فروع النيل في الدلتا خلال العصور اللاحقة، وهو ما أدى إلى تراجع دورها الاقتصادي والعمراني، وفي فترات لاحقة خصوصاً في عصر الأسرتين الحادية والعشرين والثانية والعشرين نُقلت كميات كبيرة من الأحجار والتماثيل من (بر-رعمسيس) لإعادة استخدامها في بناء مدينة (تانيس) وهو ما ساهم في اختفاء كثير من معالم المدينة الأصلية.
ويضاف إلى ذلك أن منطقة الدلتا كانت عبر التاريخ بوابة مصر الشرقية، الأمر الذي جعلها أكثر عرضة للغزوات والاحتلالات القادمة من آسيا، مثل الغزو الآشوري ثم الفارسي. وقد أدت هذه الصراعات المتكررة في كثير من الأحيان إلى تدمير المدن أو إعادة بنائها مرات متعددة، مما ساهم في طمس طبقات أثرية كاملة.
ومن ناحية أخرى، تختلف طبيعة البيئة الجغرافية في الدلتا اختلافاً كبيراً عن صعيد مصر.. فالتربة الطينية المشبعة بالمياه، ووجود المستنقعات النيلية القديمة، وتغيّر مجاري الفروع النيلية عبر الزمن، كلها عوامل أدت إلى طمر كثير من المدن القديمة تحت طبقات سميكة من الطمي. وعلى العكس من ذلك، فإن البيئة الجافة والصخرية في صعيد مصر ساعدت على حفظ المعابد والمقابر الحجرية بصورة أفضل، وهو ما يفسر بقاء آثارها واضحة حتى اليوم مقارنة بمدن الدلتا التي بقي كثير منها مدفوناً تحت الأرض إلى أن كشفت عنه الاكتشافات الأثرية الحديثة.
ونعرف إن مصر في عصر الدولة الحديثة كانت تُعرف بكونها دولة بيروقراطية ذات سجل إداري كثيف. فقد تركت برديات وأوستراكا عديدة تسجل تفاصيل دقيقة عن حياة العمال والجنود، بما في ذلك الحصص الغذائية، ونزاعات العمل، وحتى حالات الهروب الفردية.. لذلك يبدو من غير المتوقع أن تمر كارثة كبرى – مثل خروج جماعي ضخم أو هزيمة عسكرية ساحقة للجيش المصري– دون أن ينعكس ذلك في السجل الإداري أو المراسلات الرسمية المعروفة من تلك الفترة.
ثالثاً: إشكالية الإسقاط الزمني
تظهر أحياناً مقارنات حديثة بين رعمسيس الثاني وبعض القادة السياسيين في العصر الحديث، مثل تشبيه شخصيته بزعماء استبداديين في القرن العشرين. غير أن مثل هذه المقارنات تقع غالباً في ما يعرف في الدراسات التاريخية بالإسقاط الزمني (Anachronism).فالنظام السياسي في مصر القديمة كان قائماً على مفهوم الملك الإلهي المرتبط بـ (مبدأ ماعت) أي النظام الكوني والعدل الإلهي.. لم يكن الملك مجرد حاكم سياسي، بل كان يمثل وسيطاً بين الإله والبشر، وتستند شرعيته إلى تقاليد دينية عميقة الجذور..
رابعاً: الإشكال الزمني ولوحة مرنبتاح
أحد أهم الأدلة الأثرية في هذا النقاش هو ما يعرف بـ (لوحة مرنبتاح) وهي لوحة نصر تعود إلى السنة الخامسة من حكم الملك (مرنبتاح) ابن (رعمسيس الثاني) وتؤرخ عادة إلى حوالي 1207 ق.م.. تذكر هذه اللوحة مجموعة من الشعوب والمدن في (كنعان) ومن بينها اسم (إسرائيل) حيث يرد في النص أن: "إسرائيل خربت ولم يعد لها نسل" وتكمن أهمية هذا النص في أنه أقدم ذكر معروف لكلمة (إسرائيل) في التاريخ.. كما أن طريقة كتابتها في الهيروغليفية تشير إلى أنها كانت تُعد جماعة بشرية أو قبيلة وليست دولة أو مدينة. فإذا كان خروج (بني إسرائيل) قد حدث في عهد (رعمسيس الثاني) فإن ذلك يفترض مرور فترة طويلة تشمل سنوات التيه في الصحراء ثم الاستقرار في (كنعان) غير أن ظهور اسم (إسرائيل) بالفعل في فلسطين في عهد (مرنبتاح) –الذي حكم مباشرة بعد والده– يجعل هذا التسلسل الزمني محل إشكال كبير بالنسبة لفرضية ربط الخروج بعهد (رعمسيس الثاني).
خامساً: المعطيات الأثرية في سيناء وكنعان
تشير المسوحات الأثرية التي أُجريت في شبه جزيرة سيناء إلى عدم وجود أدلة مادية واضحة على مرور أو إقامة جماعات بشرية كبيرة خلال أواخر العصر البرونزي بالعدد الذي تصفه الروايات الدينية.. كما أن كثيراً من الدراسات الأثرية الحديثة في فلسطين تشير إلى أن المجتمعات التي عُرفت لاحقاً باسم (إسرائيل) ظهرت تدريجياً داخل البيئة الكنعانية نفسها خلال أواخر العصر البرونزي وبداية العصر الحديدي. وتُظهر الأدلة المادية – مثل الفخار وأنماط الاستيطان والعمارة – استمراراً واضحاً للثقافة الكنعانية المحلية.
في ضوء المعطيات الأثرية والتاريخية المتاحة حالياً، لا يوجد دليل مباشر يربط بين رمسيس الثاني وقصة الخروج كما وردت في النصوص الدينية. بل تشير الأدلة إلى أن هذا الملك توفي في سن متقدمة بعد حكم طويل ومستقر نسبياً، وأن مومياءه المحفوظة تظهر علامات الشيخوخة وأمراض المفاصل المرتبطة بالتقدم في العمر.. لذلك فإن محاولة تحديد (فرعون الخروج) في شخصية تاريخية بعينها –وخاصة الملك العظيم (رعمسيس الثاني)– تبقى فرضية غير مدعومة بشكل كافٍ بالأدلة الأثرية المتاحة حتى الآن. وربما يكون من الأدق النظر إلى قصة الخروج بوصفها تقليداً دينياً وأدبياً تشكل عبر مراحل تاريخية متعددة، أكثر من كونها تسجيلاً حرفياً لحدث تاريخي واحد وقع في مصر القديمة. |