بقلم دكتورة / دينا عبد الرحمن
أغمض عينيك لثوانٍ.. اترك ضجيج شوارع القاهرة خلفك، واستنشق بعمق. هل تشم تلك الرائحة؟ إنها ليست مجرد سمنٍ ودقيق، بل هو عبق "البخور الملكي" ممتزجاً برائحة العسل الجبلي المغلي. أنت الآن لست في منزلك، أنت ضيفٌ في" بيت الخبز" الملحق بمعابد الأقصر قبل ثلاثة آلاف عام
طقوس العجين: رقصة الأيدي المقدسة
انظر هناك، تحت ضوء المشاعل الخافت، ترى مجموعة من الخبازين يرتدون مآزر بيضاء ناصعة. العملية تبدأ بـ "المناخاة"؛ حيث يُعجن دقيق القمح الناعم بالسمن المقشود (الزبدة الصفراء) حتى يتشبع تماماً، وهي العملية التي
نسميها اليوم "بسّ الكحك"
لا يستخدمون السكر، فالتحلية هنا هي "هبة النحل". يُصب العسل الجبلي الساخن على العجين ليمنحه قواماً يذوب في الفم، تماماً كما تذوب هموم العام عند أول قضمة. ثم تُضاف التوابل السحرية: القرفة، الينسون، والشمر، وهي ذاتها "ريحة الكحك" التي تشتريها اليوم من العطار، وكأن العطار المصري قد ورث "وصفة الخلود" أباً عن جد.
سر "المنقاش": شفرة الإله "رع" على العجين
والآن، تأمل تلك اللحظة الساحرة. تمسك الخبازة المصرية القديمة بأداة دقيقة من العاج أو النحاس، وتبدأ في زخرفة قرص العجين. هل تساءلت يوماً لماذا نصرُّ على "نقش" الكحك بدلاً من تركه أملساً؟
في مصر القديمة، لم تكن تلك النقوش مجرد زينة ، بل كانت" لغة سماوية " . تلك الخطوط المتقاطعة والدوائر المحفورة كانت تمثل "قرص الشمس" بأشعته الذهبية التي تمنح الحياة. كان "المنقاش" هو القلم الذي يكتب به المصري دعاءه للإله "رع"؛ فكل قطعة كحك هي "تميمة حظ" تُخبز لتجلب البركة لآكلها. النقوش الهندسية الدقيقة كانت تهدف أيضاً لزيادة مساحة سطح الكعكة لتتشرب ذرات "السكر" (أو مسحوق العسل قديماً) وتظل هشة ومقرمشة تحتفظ بأسرارها بداخلها
فرن الطين.. حيث تنضج الأساطير
راقب الخباز وهو يضع الأقراص المنقوشة داخل أفران طينية مخروطية تُشبه أفران الريف المصري اليوم. النارُ تشتعل بأخشاب الجميز والسنط، والدخان يتصاعد ليعانق أعمدة المعبد القريبة
يخرج الكحك بلون الذهب، "مُحمصاً" بعناية لا تسمح له بالاحتراق. وعندما يبرد، يُرص في سلال من الخوص المجدول، ويُغطى بكتان رقيق، بانتظار لحظة "العيد" أو تقديم القرابين. في تلك اللحظة، كان الكحك يُسمى" قنيفو" أو" شايت " وكان يُصنع بأشكال هندسية (مثلثات ومربعات) أو حتى على شكل حيوانات مقدسة، ليعلموا أطفالهم أن الفن يُؤكل كما تُؤكل الحلوى.
خاتمة: إرثٌ عابر للزمن
والأن حين تمسكين بـ "المنقاش" اليوم وتجلسين وسط اطباق السكر والدقيق، تذكري أنكِ لستِ مجرد ربة منزل، بل أنتِ "كاهنةٌ في معبد الجمال"، تعيدين إحياء طقسٍ فرعوني لم يستطع الزمان محوه. المنقاش في يدك هو "عصا سحرية" تربط ماضينا البعيد بحاضرنا و مستقبلنا، وتخبرنا أن مصر، مهما مر عليها من عصور، ستظل دائماً "تخبز الفرح".
يبقى كحك العيد في مصر أكثر من مجرد حلوى؛ إنه خيطٌ حريري يربط سيدةً في ريف مصر اليوم بملكةٍ فرعونية كانت تراقب خبزها وهو ينضج تحت شمس النيل. في كل عام، نجدد العهد مع أجدادنا، ونثبت للعالم أن مصر، وإن تغيرت لغاتها وتبدلت دياناتها، تظل في جوهرها وفيةً لطقوس الفرح، حريصةً على أن تُطعم أحفادها "تاريخاً" مغلفاً بالسكر..
|