بقلم المهندس/ فاروق شرف
في حركة الإبداع المصري، لا يمرّ اسم المخرج د. كمال الدين مسعود دون أن يترك ظلالًا من الدفء والدهشة. فهو من أولئك الذين اختاروا أن يجعلوا الفن مرآةً للحقيقة، وأن يحوِّلوا الكاميرا من أداة تصوير إلى بوابةٍ تكشف الروح وتؤرشف الزمن وتوثّق ما قد يضيع لو تُرك للنسيان.
الملامح الأولى… فنان نشأ على الدقة وبُني على الرؤية
درس كمال الدين مسعود في كلية الفنون الجميلة – قسم الديكور، ومنها اكتسب عينه الدقيقة وحسّه الجمالي الحاد، قبل أن يتجه إلى معهد السينما ويتقدّم لدورة الإخراج التلفزيوني التي تفوّق فيها.
وفي كل مرة يذكر فيها رحلته، يبرز تأثير شادي عبد السلام في تكوينه الفكري والجمالي؛ ذلك المخرج الذي رأى في الصورة فلسفةً وفي الضوء معنى وفي التفاصيل وطنًا كاملًا. وقد ورث عنه مسعود ذلك الشغف المتألق بالبناء البصري المتقن، وتلك الرغبة في أن تكون الصورة معلّمة وصوتًا للوعي.
إلى شاشة التلفزيون… ميلاد مشروع ثقافي بصري
برز اسم كمال الدين مسعود في النصف الثاني من الثمانينيات من خلال سلسلة من البرامج والمواد الوثائقية التي لم تكن مجرد «برامج»، بل كانت مشروعًا تنويريًا بصريًا، يعيد قراءة التاريخ المصري بعيون فنان يعرف قيمة الصورة وأمانتها.
وأهم أعماله على الإطلاق البرنامج الوثائقي الشهير:
«وقائع مصرية» … حين يتحوّل التلفزيون إلى كتاب حي
كان هذا العمل علامة فارقة في التلفزيون المصري؛ برنامجًا يخرج من إطار الحوار السريع إلى فضاء السرد السينمائي المتماسك.
استخدم فيه مسعود لغة ضوئية خاصة، موسيقى محسوبة، وزوايا تصوير تصنع حالة شعورية عميقة دون وجود مذيع على الشاشة، ليترك للمشاهد مساحة واسعة للاندماج والاكتشاف.
وقد تناولت السلسلة ملفات ثقافية وتاريخية حساسة، وأجرى ضمنها حوارًا وثائقيًا مرموقًا مع محمد حسنين هيكل تحت عنوان «الإنسان والنيل والسد»، وهي مادة واجهت عراقيل في عرضها، لكنها بقيت إحدى أهم محاولاته لاستنطاق الذاكرة الوطنية.
فلسفة العمل… بناء أرشيف بصري للأجيال
لم يكن كمال الدين مسعود مجرد مخرج، بل كان أرشيفيًا بصيرًا يحاول جمع ما يتساقط من الذاكرة.
حلمَ بمشروع سماه «بنك الفيلم المصري»، يجمع فيه المواد النادرة التي ترسم ملامح مصر في لحظاتها التاريخية والثقافية.
كانت رؤيته تقوم على أن «التاريخ لا يُكتَب فقط، بل يُرى»، وأن مسؤولية الصورة لا تقل عن مسؤولية الوثيقة المكتوبة.
التحديات… صراع الضوء مع طحالب البيروقراطية
رغم موهبته الواضحة، واجه مسعود عقباتٍ كثيرة:
– صعوبات إنتاجية.
– رقابة تُضيّق على المواد التوثيقية.
– أرشيف غير مُفهرَس يبتلع أعمالًا كاملة.
ومع هذا، بقي صامدًا، مخلصًا لجوهر فنه؛ يصنع من قلة الإمكانات جمالًا، ومن الضغوط حافزًا للتمسك بالصورة.
أثره… مخرج يصنع ذاكرة وليست مجرد أعمال
ما يميز كمال الدين مسعود أنه ينتمي إلى مدرسة نادرة، مدرسة ترى أن المخرج ليس موظفًا أمام كاميرا، بل شاهدٌ على زمنه، وصانع لوعيٍ بصري يحترم عقل الجمهور ويوقظ وجدانه.
لقد ترك بصمته في كل من:
بناء الصورة الوثائقية.
دمج الفن بالبحث العلمي.
تقديم التاريخ في قالب درامي راقٍ.
الإيمان بأن الثقافة ليست ترفًا، بل مسؤولية وطنية.
ختامًا… فنان يليق أن يُحتفى به
كمال الدين مسعود ليس مجرد اسم في سجل المخرجين، بل هو رجل حمل ضوء المعرفة في يده، وأضاء به حجرات الذاكرة المصرية.
فنان جمع بين رهافة الحس وعمق الرؤية، بين حرارة الروح واحترام الحقيقة، بين جمال الصورة ونبل الرسالة.
ولهذا، يبقى الحديث عنه حديثًا عن وجهٍ نبيل من وجوه مصر الثقافية… وجه يضيء كلما ذُكر.
------------------------------
أرق تحياتي : فاروق شرف |