بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com
موسوعة كنوز “أم الدنيا"
زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار بن ثعلبة الأنصارى الخزرجي رضي الله عنه صحابي من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم أبوه هو زيد بن الضحاك والذى توفي في يوم بعاث وهي آخر معركة من المعارك التي كانت تنشب بين قبيلتي الأوس والخزرج بالمدينة قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إليها وقد وقعت هذه المعركة قبل الهجرة بخمس سنوات وتعد أشهر وأدمى معركة بين قبيلتي الأوس والخزرج وآخرها حيث كانت قد أخذت بهم الأحقاد والضغائن حتى أخذوا يستعدون لهذا اليوم ويعدون عدتهم قبل شهرين من هذه الواقعة حيث حالف الخزرج قبائل بلي وأشجع وجهينة وحالف الأوس قبيلة مزينة وقبائل اليهود بني قريظة وبنو النضير وغيرهم وسميت المعركة ببعاث نسبةً للمنطقة التي تصادم بها الحشدان وقامت عليها الحرب وهي منطقة ليهود بني قريظة كانت تقع قرب المدينة المنورة وبعد الإستعداد الطويل لهذا اليوم المرتقب وإزدياد الإحتقان المتصاعد بين الطرفين إلتقيا ودارت رحى المعركة بيتهما فإنكسر الأوسيون عندما إشتد وطيس المعركة ولم يقاوموا فإنهزموا هزيمة واضحة ولاذوا بالفرار إلا أن قائدهم حضير الكتائب قام بطعن قدمه بالرمح وصاح بأعلى صوته واعقراه كعقر الجمل والله لا أعود حتى أقتل فإن شئتم يا معشر الأوس أن تسلموني فإفعلوا وعندما سمعوا صوته عطفوا عليه عطفة رجل واحد وإستعرت الحرب وإشتد سعيرها فقلب الأوسيون الحال رأسا على عقب وقتل عمرو بن النعمان قائد الخزرج بسهم لا يعرف له رام وحمل ملفوفا بعباءة يحمله أربعة ولم ينقض وقت طويل حتى إنهزم الخزرج هزيمة نكراء والأوس من خلفهم بالسلاح لا تأخذهم بهم رحمة فصاح أحد الأوسيون يا معشر الأوس أحسنوا ولا تهلكوا إخوانكم فجوارهم خير من جوار الثعالب يقصد اليهود الذين كانوا يبثون نار الفتنة بين الطرفين ومع هذا الصوت توقفوا عن قتلهم وسلبهم وكانت الحروب الأهلية التي كانت تنشب كل فترة بالمدينة المنورة بين قبيلتي الأوس والخزرج قد أنهكتهما وبعد يوم بعاث قرر عقلاء الطرفين وضع حد لهذه الحال فإتفقوا على تنصيب رجل واحد منهم يقبله الطرفان ملكا عليهم فوقع الإختيار على عبد الله بن أبي بن سلول وفيما كانا يجهزان له ملكه حدثت بيعة العقبة الأولى والثانية ودخل أهل المدينة المنورة في الإسلام ثم هاجر إليها النبي صلى الله عليه وسلم فزال ملك عبد الله بن أبي بن سلول قبل أن يهنأ به ولو ليوم واحد فعاش تحت سيادة النبي صلى الله عليه وسلم وتحول إلى أكبر منافق ومعاد للنبي صلى الله عليه وسلم عرفه التاريخ الإسلامي حيث كان يرى أن النبي قد إنتزع منه ملكه الذى كان يجهز نفسه له فإمتلأت نفسه هو وأنصاره بالكراهية والغل والحقد والضغينة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الإسلام والمسلمين وهكذا كان يوم بعاث نهاية للحروب بين الأوس والخزرج وبدخولهم في الإسلام جميعا أصبحت سيوفهم تسل على عدو واحد دفاعا عن عقيدتهم .
وأما أم الصحابي زيد بن ثابت رضي الله عنه فهي النوار بنت مالك وهي صحابية من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم وكانت من السابقات إلى الإسلام وواحدة من نساء الأنصار الذين أخلصن لله الواحد القهار ففاحت عطور فضائلهن وعبقت في ديار الإسلام حيث إجتمعت فيها العديد من صفات البر والصلاح والزهد والعبادة وإمتازت بالكرم والجود والسخاء وسارت في درب السعداء وكانت من هؤلاء القوم الذين نصروا دين الله ونبيهم صلى الله عليه وسلم وما وهنوا وما ضعفوا وما إستكانوا ولا خافوا وفتحوا قلوبهم قبل بيوتهم لإستقبال النبي الحبيب صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة فتسابقوا فيما بينهم على البذل والعطاء وحسن الكرم والضيافة وتنافسوا في ميادين الفضائل إبتغاء مرضاة الله والفوز بسعادة الدارين مصدقين بما جاء به نبيهم صلى الله عليه وسلم فكان في عز ومنعة بينهم مع قومه وأهل بلده وكانت هي وزوجها ثابت بن الضحاك من بني النجار وهم بطن من بطون قبيلة الخزرج وهم أخوال عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم والد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهم من خير قبائل الأنصار حيث ورد في صحيح البخارى في باب فضل دور الأنصار عن أبي أسيد قال رسول الله صلى اله عليه وسلم خير دور الأنصار بنو النجار ثم بنو عبد الأشهل ثم بنو الحارث بن خزرج ثم بنو ساعدة وفي كل دور الأنصار خير وكان من أشهر الصحابة من بني النجار الصحابي أبو أيوب الأنصارى رضي الله عنه الذى نزل الرسول صلى الله عليه وسلم في داره بعد الهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة وشاعر الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابي حسان بن ثابت الخزرجي رضي الله عنه والصحابي أنس بن مالك رضي الله عنه حيث يرجع نسبه إلى عدى بن النجار عن طريق أمه الصحابية الأنصارية أم سليم بنت ملحان رضي الله عنها والصَحابي أسعد بن زرارة الأنصارى الخزرجي النجارى الذى كان يلقب بنقيب بني النجار وكان من فضل بني النجار في الإسلام أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم نقب على النقباء أسعد بن زرارة فلما توفاه الله أثناء بناء المسجد النبوى الشريف إجتمعت بنو النجار إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وسألوه أن يجعل منهم شخصا مكانه نقيبا عليهم فقال لهم أنتم أخوالي وأنا فيكم وأنا نقيبكم وكره الرسول أن يخص بها بعضهم دون بعض ويروى أنه بعد وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة بعد هجرته إليها أن خرجت بنات صغيرات من بني النجار مستبشرات وفرحات بقدومه صلى الله عليه وسلم وهن ينشدن نحن جوار من بني النجارِ يا حبذا محمد من جارِ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهن الله يعلم إني لأحبكن وكان النبي عطوفًا يكرم الأنصار وأبناءهم ويعطيهم كل رعاية وإهتمام ويروى أنه كانت الأرض التي بني عليها المسجد النبوى الشريف كانت ملكا لغلامين يتيمين من بني النجار هما سهل وسهيل إبنا عمرو وكانا في حجر الصحابي أسعد بن زرارة الأنصارى رضي الله عنه وكانت هذه الأرض في موضع في وسط المدينة المنورة وكانت تستغل كموقف للإبل ومحبسا لها وكان المسلمون الأوائل من الأنصار قبل الهجرة النبوية يجتمعون ويصلون في جانب منها وكان يؤمهم الصحابي الجليل أسعد بن زرارة رضي الله عنه ثم من بعده كان الصحابي مصعب بن عمير رضي الله عنه المبعوث من النبي محمد صلى الله عليه وسلم في مكة يصلي بهم ويعلمهم القرآن الكريم أيضا بها وعندما قدم النبي محمد صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة بركت ناقته في ذلك الموضع وقال هذا المنزل إن شاء الله فدعا الغلامين ليعرض عليهما شراء أرض المربض ليتخذها مسجدا فقالا بل نهبها لك يا رسول الله فأبى أن يقبلها هبة حتى إبتاعها منهما ودفع ثمنها أبو بكر الصديق رضي الله عنه وشارك المهاجرون والأنصار في بناء المسجد ومعهم النبي صلى الله عليه وسلم وكان يدعو لهم قائلا إن العيش عيش الآخرة فإرحم الأنصار والمهاجرة .
وقد أنجبت السيدة النوار بنت مالك لزوجها ثابت بن الضحاك زيدا ويزيد ثم توفي عنها في يوم بعاث المشار إليه في السطور السابقة فتزوجت من بعده من الصحابي عمارة بن حزم الأنصارى الذى كان من السبعين الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الثانية وشهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا وأُحدا والخندق وتبوك وكانت معه راية بني مالك بن النجار يوم الفتح كما شهد قتال أهل الردة في عهد الخليفة الراشد الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه مع خالد بن الوليد رضي الله عنه وقتل يوم اليمامة شهيدا في شهر شوال عام 11 هجرية وقد أنجبت السيدة النوار رضي الله عنها منه إبنهما مالك وكانت السيدة النوار بنت مالك قد أسلمت قبل قدوم النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة فأنعم الله عليها بالإيمان شأنها في ذلك شأن أغلب أهل المدينة المنورة وأقبلت على حفظ القرآن الكريم على يد الصحابي مصعب بن عمير رضي الله عنه الذى أرسله النبي صلى الله عليه وسلم مبعوثا إلى المدينة المنورة لكي يعلم أهلها الذين دخلوا في الإسلام القرآن الكريم وفرائض الإسلام وكان ذلك دليلا علي صدق إيمانها كما أنها عملت على تغذية إبنها الأكبر زيد والذى كان عمره 11 عاما عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة من الإيمان وحفظ كتاب الله أيضا وقد ذاق قلب زيد بن ثابت رضي الله عنه إبنها أيضا محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ اللحظة الأولى التي إلتقاه فيها فكان لقاء الكرم والمودة وحسن الضيافة وكان من مآثر السيدة النوار رضي الله عنها أنها كانت أول من قدم هدية إلى النبي صلى الله عليه وسلم عند قدومه إلى المدينة المنورة حينما نزل في دار الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصارى المشار إليه في السطور السابقة والذى أقام عنده الرسول صلى الله عليه وسلم عند قدومه إلى المدينة حوالي سبعة شهور حتى بنى مسجده وحجرات زوجاته ثم إنتقل إليها حيث أرسلت بها إبنها زيد رضي الله عنه وكانت قصعة فيها خبز مثرود بسمن ولبن فوضعها بين يديه وقال يا رسول الله أرسلت أمي بهذه القصعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بارك الله فيك وفي أمك ودعا أصحابه فأكلوا معه ثم جاءت قصعة سيد الخزرج سعد بن عبادة رضي الله عنه ثريد وعراق أى عظم عليه لحم وما كان من ليلة إلا وعلى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم الثلاثة والأربعة يحملون الطعام يتناوبون ذلك .
وفي العام الثاني للهجرة ولما جاءت غزوة بدر كان زيد بن ثابت رضي الله عنه يريد الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يومذاك فرده النبي هو وعبد الله بن عمر وعدد أربعة آخرين لصغر سنهم وغضاضة أجسامهم وكانوا قد بذلوا جهدهم بالرجاء والدمع وإستعراض العضلات فوعدهم الرسول بالمشاركة في الغزوة المقبلة وبعد الغزوة وإنتصار المسلمين على المشركين كان زيد من الذين تعلموا الكتابة من أسرى قُريش حيث كان ذلك لمن لم يستطع منهم أن يَفدى نفسه بالمال وكان عمره وقتئذ لا يتجاوز الثلاثة عشرة عاما وأراد زيد أن يخدم أمته ودينه في ميدان آخر تحتاجه الأمة فتوجه إلى العلم وعكف على كتاب الله سبحانه وتعالى حفظا وتعلما حتى إذا أثبت نبوغه ونباهته وإجتهاده وتميزه وكفاءته قربه النبي صلى الله عليه وسلم وأصبح مَوضع ثقته صلى الله عليه وسلم وجعله من كتاب وحيه على الرغم من صِغَر سنه وكان رضي الله عنه أكثر الصحابة بكتابة الوحي وأكثرهم كتابةً لرسائل النبي صلى الله عليه وسلم أيضا وقيل إنه كان يكتب الوحي الصحابيين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما فإن غابا جاء زيد بن ثابت وأُبي بن كعب رضي الله عنهما وبعد غزوة بدر قيل إن الصحابي زيد بن ثابت شهد غزوة أُحد لكن المشهور أن أول مشاهده كانت غزوة الخندق أو الأحزاب في شهر شوال من العام الخامس الهجرى وكان ينقل التراب الناتج من حفر الخندق مع المسلمين فقال رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أَمَا إِنَّهُ نِعْمَ الْغُلَامُ وكانت رايةُ بني مالك بن النجارِ يوم تبوك في العام التاسع للهجرة مع عمارةَ بن حزم رضي الله عنه زوج أمه فأخذها رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ودفعها إلى زيد بن ثابت رضي الله عنه فقال عمارة يا رسول الله هل بلغك عني شيء قال لا ولكن القرآن يقَدم وَكَانَ زَيد أَكثر أَخذا منكَ للقرآن وقد قرأ زيد على رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام الذى توفي فيه مرتين وسميت هذه القراءة قراءة زيد بن ثابت رضي الله عنه لأنه كتبها لرسول الله وقرأها عليه وكان يقرئ الناس بها حتى مات قال الصحابي أنس بن مالك رضي الله عنه جمع القرآن الكريم على عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم أربعة كلهم من الأنصار أُبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد وهو قيس بن السكن أحد أبناء عمومة الصحابي أنس بن مالك رضي الله عنهم جميعا وفضلا عن ذلك لما كان زيد رضي الله عنه أحد الأذكياء فقد طلب منه النبي صلى الله عليه وسلم تعلم عدة لغات منها اللغة العبرية لغة اليهود واللغة السريانية لغة الروم وذلك حين بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم في إبلاغ دعوته للعالم الخارجي وإرسال كتبه لملوك الأرض وقياصرتها وقد تعلم زيد هاتين اللغتين في وقت وجيز يقول زيد أُتيَ بيَ النبي مقدمه المدينة فقيل هذا من بني النجار وقد قرأ سبع عشرة سورة فقرأت عليه فأعجبه ذلك فقال تعلم لغة اليهود فإني ما آمنهم على كتابي ففعلت فما مضى لي نصف شهر حتى حذقتها فكنت أكتب له إليهم وإذا كتبوا إليه قرأت له ثم طلب إليه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتعلم السريانية لغة الروم ليقرأ له كتبهم فتعلمها في سبعة عشر يوما وفضلا عن ذلك كان الصحابي زيد بن ثابت رضي الله عنه متبحرا في علم يساوى نصف العلم وهو علم المواريث والفرائض حيث أن العلم ينقسم إلى علم الأحياء وعلم الأموات وعلم المواريث متعلق بالقسم الثاني وعلم الفرائض متعلق ببعض علم الأحياء وقيل عن علم الفرائض إنه أول علم ينزع من الأمة ويعم الجهل فيه وكان الصحابي الجليل زيد بن ثابت رضي الله عنه مهتما بدراسة وتعلم علم المواريث والفرائض حتى أتقنه إتقانا تاما وكان حريصا كل الحرص على كتابته حتى قيل لولا كتابته رضي الله عنه لها لضاع هذا العلم عن التدوين وقال النبي محمد صلى الله عليه وسلم عنه في ذلك أفرض أمتي زيد بن ثابت أى أعلمهم بعلم الفرائض والمواريث وعن التابعي سليمان بن يسار رضي الله عنه قال ما كان الخليفتان الراشدان الثاني والثالث عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما يقدمان على زيد بن ثابت رضي الله عنه أَحدا في الفرائض والفتوى والقراءة والقضاء .
وكان أيضا للصحابي زيد بن ثابت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم موقف ورأى سديد عندما إجتمع الناس في سقيفة بني ساعدة لإختيار خليفة للنبي حيث قال الأنصار للمهاجرين رجل منا ورجل منكم ولكن زيد بن ثابت كاتب الوحي قال رأياً سديدا جعل الناس جميعاً ترضى بحكمه حيث قال إن رسول الله كان من المهاجرين ونحن أنصاره وإني أرى أن يكون الإمام من المهاجرين ونحن نكون أيضا أنصاره وكان لهذا الرأى السديد أثره في حسم الأمر وتوحيد كلمة المسلمين سواء المهاجرين أو الأنصار على مبايعة أبي بكر الصديق بالخلافة وقد إرتضوه جميعا وإلتفوا حوله من أجل نصرة الإسلام في وقت حرج للغاية مطلوب فيه التوحد لا الفرقة وتم بذلك وأد الفتنة التي كادت أن تشتعل بين المهاجرين والأنصار وبعد ذلك كان من أجل الأعمال التي قام بها الصحابي زيد بن ثابت رضي الله عنه دوره شديد الأهمية في جمع القرآن الكريم فبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وتولى أبي بكر الصديق رضي الله عنه الخلافة ثم إرتداد عدد كبير من القبائل عن الإسلام وإستشهاد عددٍ من القراء في آخر معارك الردة معركة اليمامة في شهر شوال عام 11 هجرية ضد بني حنيفة بقيادة مسيلمة الكذاب نشأت الحاجة لجمع القرآن وتدوينه حتى لا يفقد وبعد موافقة سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه بفكرة جمع القرآن التي طرحها عليه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه طوف الشيخان الجليلان ببصريهما لينظرا من يصلح لحمل هذه الأمانة العظيمة وتأدية هذا العمل الجلل من عنده همة الشباب وجلد الفتوة ورجاحة العقل ورسوخ العلم فما وجدا خيرا من ذلك الشاب الذى كان يأمنه النبي صلى الله عليه وسلم على كتابة الوحي ومكاتبة الملوك والأمراء ويشهد بعلمه وفضله القاصي والداني سيدنا زيد بن ثابت فدعاه أبو بكر وطرح عليه الفكرة وقال له إنك رجل شاب عاقل وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبعِ القرآنَ فإجمعه فقال زيد كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سيدنا أبو بكر هو واللهِ خير ويقول زيد فلم يزل أبو بكر رضي الله عنه يراجعني حتى شرح الله صدرى للذى شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فكنت أتتبع القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال وحرص زيد رضي الله عنه على التثبت مما جمعه ولم يكتف بالحفظ دون الكتابة وحرص على المطابقة بين ما هو محفوظ وما هو مكتوب وعلى تتبع كل آية من المصدرين فكان ذلك أول جمع للقرآن في مصحف واحد ويقول زيد رضي الله عنه والله لو كلفوني نقل جبل من مكانه لكان أهون علي مما أمروني به من جمع القرآن وإحتفظ أبو بكر الصديق بالمصحف المجموع حتى وفاته ثم أصبح عند عمر حتى وفاته ثم أصبح عند إبنته أم المؤمنين السيدة حفصة بنت عمر رضي الله عنها وظل عندها حتى تم الجمع الثاني للقرآن خلال عهد الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه بعد أن إتسعت رقعة الأمصار الإسلامية في عهده وتفرق الصحابة في الأمصار يقرِئون الناس القرآن وأخذ كل بلد عن الصحابي الذى وفد إليهم قراءته وظهرت قراءات متعددة منشؤها إختلاف لهجات العرب ولما إجتمع أهل العراق وأهل الشام لفتح ثغور أرمينية وأذربيجان ظهر الخلاف بينهم في قراءة القرآن وأنكر بعضهم على بعض ما يقرأون وشهد ذلك الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه فركب إلى الخليفة عثمان بن عفان بالمدينة وأبلغه بالأمر فأرسل عثمان إلى السيدة حفصة بنت عمر يطلب المصحف المحفوظ لديها لنسخه وأمر الصحابة زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها وجعلوا كتابته على لهجة قريش ثم أرسل عثمان النسخ إلى مكة والشام والبصرة والكوفة واليمن والبحرين وأبقى عنده في المدينة المنورة مصحفا واحدا وقام بحرق أى كتابات أخرى يكون قد كتبها بعض الصحابة فقضى بذلك على الإختلاف بين بعض المسلمين وقد درج العلماء على تسمية المصحف المكتوب بأمر الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه بمصحف عثمان أو المصحف الإمام وهكذا تم حفظ القرآن الكريم حتى وصل إلينا مطبوعا في صورته الحالية .
وكان من فضائل ومناقب الصحابي زيد بن ثابت أيضا أنه كان راويا للحديث النبوى الشريف حيث روى عن النبي وأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وحدث عنه الصحابيان أبو هريرة وعبد الله بن عباس وقرأ عليه الصحابة والتابعون عبد الله بن عمر بن الخطاب وأبو سعيد الخدرى وأنس بن مالك وسهل بن سعد وأبو أمامة بن سهل ومروان بن الحكم وسعيد بن المسيب وقبيصة بن ذؤيب وأبان بن عثمان وعطاء بن يسار وأخوه سليمان بن يسار والقاسم بن محمد بن ابي بكر وعروة بن الزبير وطاووس بن كيسان وبسر بن سعيد وإبناه الفقيه خارجة وسليمان وغيرهم وتلا عليه عبد الله بن عباس وأبو عبد الرحمن السلمي وغيرهما وكان سيدنا عمر بن الخطاب نظرا لمنزلته ومكانته الكبيرة بين الصحابة يستخلفه على المدينة المنورة عندما يغيب عنها في حج أو سفر حيث إستخلفه ثلاث مرات مرتين في خروجه للحج ومرة عند خروجه إلى الشام وكذلك كان عثمان بن عفان رضي الله عنه يستخلفه على المدينة المنورة عند خروجه للحج وكان زيد رضي الله عنه هو من كلفه الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقسمة الغنائم يوم اليرموك وكان يعد أحد أصحاب الفَتوى الستة وهم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وأبو موسى الأشعرى وزيد بن ثابت كما كان عمر ومن بعده عثمان يقدمان على زيد أحدا في القضاء والفتوى والفرائض والقراءة وقد إستعمله عمر على القضاء وفرض له رزقا ومما عرف في تعظيمه وتوقيره ما روى عن أبي سلمة رضي الله عنه أن إبن عباس قام إلى زيد بن ثابت فأخذ له بركابه فقال زيد تنح يا إبن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إبن عباس رضي الله عنه إنا هكذا نفعل بعلمائنا وكبرائنا وذلك توقيرا وإعترافا منه لسيدنا زيد بن ثابت رضي الله عنه وعلمه وفضله وأيضا قال عنه إبن عباس لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن زيد بن ثابت كان من الراسخين في العلم وأخيرا كانت وفاة الصحابي زيد بن ثابت على الأرجح عام 45 هجرية ودفن بمقبرة البقيع رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا . |