بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com
موسوعة كنوز “أم الدنيا"
النجاشي أصحمة بن أبجر هو ملك الحبشة الرجل الصالح التابعي المسلم المؤمن الصادع بالحقِ المنافح عنه ويعد بحق صفحة مشرقة في تَاريخِ الأَبطَالِ وَالرجَالِ الَذى شهد شهادة الحقِ والنجاشِي هو لقب لكل من ملك الحبشة كقيصر لمن ملك الروم وكسرى لمن ملك الفرس وخاقان لمن ملك التركَ وفرعون لمن مَلَكَ مصر وتبع لمن مَلَكَ الْيَمَنَ وتروى لنا المصادر التاريخية أن أبجر أبا النجاشي أصحمة كان ملكا على الحبشة ولم يكن له ولد سواه وكان له أخ له من الأولاد عدد 12 ولدا فقال أهل الحبشة لو أَننا قتلنا النجاشِيِ أبجر وملكنا أخاه فإنه لا ولد له غير هذا الغلام أصحمة فَعدوا على أبجر أَبِي النجَاشِي وقتلوه وَملكوا أخاه وَنشأ أصحمة في كنف عمه وكانَ لَبيبا ذكيا وحكيما وحازما فأعجب به عمه ونزل منه بكل منزلة فلما رأى أهل الحبشة مكانته من عمه تخوفوا أن يثأر لأبيه فَخَرجوا به فإختطفوه وباعود لأحد التجار فَلما كان الليل هَاجت سحابةٌ فَخَرَج عمه يستمطر تحتها فَأَصَابَته صَاعِقَة فقتلته ففزع أهل الحبشة إِلى أولاده فإِذا هم حمقى لا يصلحون للحكم فلما ضاق عَلَيهم ما هم فيه من ذلك قَال بعضهم لبعض تعلَمونَ واللهِ أَن مَلكَكم الذى لَا يقيم أَمركم غَيره قَد بعتموه فَإِن كَانَ لكم بأَمر الحَبَشَةِ حَاجَةٌ فَأَدرِكوه فَخَرَجوا في طَلَبِه حتى أَدركوه فَعقَدوا عليهِ التاجَ وأَقعدوه على سَرِيرِ الملك وبعد سنوات من حكمه إتنشر عدله وذهبت سيرته الطيبة إلى كل مكان وفي مكة المكرمة وبعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى ما يصيب أصحابه من أذى زعماء قبيلة قريش لهم فقال لأصحابه لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه وكانوا عدد أحد عشر رجلًا وأربع نسوة هم الصحابة عثمان بن عفان وزوجته السيدة رقية إبنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأبو سلمة وزوجته أم سلمة هند بنت أبي أمية المخزومية والزبير بن العوام ومصعب بن عمير وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وزوجته سهيلة بنت سهيل بن عمرو وعبد الله بن مسعود وعثمان بن مظعون وعبد الرحمن بن عوف وسهيل بن بيضاء وحاطب بن عمرو وأبي سبرة بن أبي رهم وعامر بن ربيعة العنزى وزوجته ليلى بنت أبي حثمة رضي الله عنهم جميعا ولم يمكث المهاجرون في أرض الحبشة طويلًا حتى بلغتهم أخبار أن أهل مكة المكرمة قد أسلموا فقرروا العودة إليها بعد أن أقاموا بالحبشة شهر شعبان وشهر رمضان وقدموا في شهر شوال حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن ما كانوا تحدثوا به من إسلام أهل مكة المكرمة كان مجرد شائعة غير صحيحة فمنهم من رجع إلى أرض الحبشة مرة أخرى ومنهم من دخل مكة المكرمة مستخفيا أو في جوار رجل من قريش له منزلته وعزوته ومكانته .
وبعد حوالي سنتين خرج المسلمون إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية لما أذن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم لهم بذلك قائلا لهم ما قاله لهم قبل ذلك حيث قال لهم أن يخرجوا إلى أرض الحبشة حيث أن فيها ملك لا يظلم عنده أحد فخرج منهم على الأرجح عدد 83 رجلا وعدد 19 إمرأة وقيل 18 إمرأة كان منهم الصحابة الكرام رضوان الله عليهم جعفر بن أبي طالب وزوجته أسماء بنت عميس وخالد بن سعيد بن العاص وزوجته أميمة بنت خلف الخزاعية وأخوه عمرو بن سعيد بن العاص وعثمان بن مظعون وزوجته خولة بنت حكيم وإبنه السائب وأبو سلمة بن عبد الأسد وصحبته زوجته أم سلمة هند بنت أبي أمية التي صارت فيما بعد من أمهات المؤمنين والمقداد بن عمرو وعبد الله بن جحش وطليب بن عمير وأبو سبرة بن أبي رهم وصحبته زوجته أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو وعبيد الله بن جحش وزوجته السيدة أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان التي صارت فيما بعد من أمهات المؤمنين بعد وفاة زوجها وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم جميعا وهكذا كان المسلمون المهاجرون إلى الحبشة بمجموعهم يشكلون تنوعا لكل طبقات المجتمع المكي ففيهم الغني والفقير والرجال والنساء والكهول والشباب مما يعطي إنطباعا بقوة تأثير الدعوة على الناس رغم كل ما واجهها من تحديات وصعوبات وحاولت قريش إستعادة هؤلاء المهاجرين مرة أخرى فأوفدوا رسولين إلى النجاشي أصحمة من أجل ذلك وتروى السيدة أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها قصة رسولي قريش إلى أرض الحبشة فتقول لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي أصحمة الذى أمننا على ديننا وعبدنا الله تعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه فلما بلغ ذلك قريشا قرروا أن يبعثوا إلى النجاشي أصحمة رجلين منهم جلدين وأن يهدوه هدايا مما يستطرف من متاع مكة المكرمة وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم أى الجلود فجمعوا له أدما كثيرا ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية ووقع الإختيار على عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة وأمروهما بأمرهم وقالوا لهما إدفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشي أصحمة فيهم ثم قدما بعد ذلك إلى النجاشي هداياه ثم إسألاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم . وتضيف أم سلمة خرج رسولا قريش حتى قدما على النجاشي بالحبشة ونحن عنده بخير دار عند خير جار فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي وقالا لكل بطريق منهم إنه قد لجأ إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا دون أن يستمع منهم فإن قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه فقالوا لهما نعم سنفعل ثم قدما هداياهما إلى النجاشي أصحمة فقبلها منهما ثم كلماه فقالا له ما سبق أن قالاه للبطارقة ولم يكن شئ أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي من مهاجرى الحبشة فقالت بطارقته حوله صدقا أيها الملك قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم فغضب النجاشي ثم قال لا والله إذن لا أسلمهم إليهما ولا يكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادى وإختاروني على من سواى حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني وتضيف أم سلمة رضي الله عنها قائلة ثم أرسل النجاشي إلى مهاجرى الحبشة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم فلما جاءهم رسوله إجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض ما تقولون للرجل إذا جئتموه قالوا نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم كائنا في ذلك ما هو كائن فلما جاءوا وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا صحفهم حوله سألهم فقال لهم ما هذا الدين الذى قد فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في يهودية ولا نصرانية فكان الذى كلمه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسئ الجوار ويأكل القوى منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام فصدقناه وآمنا به وإتبعناه على ما جاء به من الله فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك وإخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك فقال له النجاشي هل معك مما جاء به عن الله من شئ فقال له جعفر بن أبي طالب نعم .
وعند ذلك قال له النجاشي فإقرأه علي فقرأ عليه صدرا من سورة مريم كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا إلى الآيات وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا فبكى النجاشي عندما سمع تلك الآيات حتى إخضلت لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا صحفهم حين سمعوا ما تلي عليهم ثم قال النجاشي إن هذا والذى جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة وقال مخاطبا عبد الله وعمرو إنطلقا فلا والله لا أسلمهم إليكما فلما خرجا من عنده قال عمرو والله لآتينه غدا عنهم بما أستأصل به خضراءهم فقال له عبد الله لا نفعل فإن لهم أرحاما وإن كانوا قد خالفونا قال والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد وبالفعل عاد إليه في الغد فقال له أيها الملك إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه فأرسل إليهم ليسألهم عنه فإجتمع القوم ثم قال بعضهم لبعض ماذا تقولون في عيسى بن مريم إذا سألكم عنه قالوا نقول والله ما قال الله وما جاءنا به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كائنا في ذلك ما هو كائن فلما دخلوا على النجاشي أصحمة قال لهم ماذا تقولون في عيسى بن مريم فقال جعفر بن أبي طالب نقول فيه الذى جاءنا به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول فضرب النجاشي بيده إلى الأرض فأخذ منها عودا ثم قال والله ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود أى أن قولك لم يعد عيسى بن مريم بمقدار هذا العود فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال فقال وإن نخرتم والله إذهبوا فأنتم شيوم بأرضي أى آمنون وقال لبطارقته ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه فخرج عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به وأقام المسلمون عند النجاشي بالحبشة قرابة 13 عاما بخير دار مع خير جار . وفي أواخر العام السادس الهجرى وبعد الإنصراف من صلح الحديبية كان عمرو بن أمية الضمرى أحد سفراء النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والحكام والأمراء في عصره حيث كان سفير النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي بالحبشة وقد حمل إليه كتابين الأول يدعوه فيه إلى الإسلام وكان نصه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول لله إلى النجاشي ملك الحبشة سلام عليك إني أحمد الله إليك الله الذى لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة فحملت بعيسى فخلقه الله من روحه كما خلق آدم بيده وإنى أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل وقد بلغت ونصحت فإقبلوا نصحي والسلام على من إتبع الهدى فلما قرأ النجاشي كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لن تزال الحبشة بخير ما كان هذا الكتاب بين أظهرهم وكتب للنبي صلى الله عليه وسلم ردا على كتابه بسم الله الرحمن الرحيم إلى محمد رسول الله من النجاشي أصحمة السلام عليك يا نبي الله من الله ورحمة الله وبركاته الذى لا إله إلا هو الذى هداني للإسلام أما بعد فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى عليه الصلاة والسلام فورب السماء والأرض إن عيسى عليه الصلاة والسلام لا يزيد على ما ذكرت وقد عرفنا ما بعث به إلينا وقد قربنا إبن عمك وأصحابه يعني جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ومن معه من المسلمين رضي الله عنهم أجمعين فأشهد أنك رسول الله صلى الله عليه وسلم صادقا مصدقا وقد بايعتك وبايعت إبن عمك وأسلمت على يده لله رب العالمين ونلاحظ هنا أن كتاب النبي للنجاشي خاطبه فيه بالأسلوب المناسب له ووفق مسؤوليته وقيمته وطبيعة إيمانه حيث وضح له ولجنوده شمولية الدين الإسلامي في أسلوب معجز وترابط في الكلمات فنبي الله يدعوه فيه إلى حياة أفضل سيخيم عليها لا محالة إن شاء الله الطمأنينة والأمان فنجد كلام رسول الله يتمحور حول إثبات حقيقة النبي عيسى عليه السلام وأنه نبي من عند الله ولد بطريقة غير بيولوجية طبيعية حيث نفخ الله في مريم العذراء من روحه وإثبات حقيقة آدم عليه السلام بأن قال له كن فكان مما يدل على أن آدم عليه السلام بدوره خلق بطريقة لا تخضع للقوانين البيولوجية وبعد ذلك إشتمل الكتاب على الدعوة بالتي هي أحسن من أجل إتباع الرسول والإيمان بما جاء به وهكذا نلاحظ أن رسائل النبي سجلت حدثا بارزا تاريخيا في فترات عصيبة وفي نفس الوقت كانت بمثابة ظهور علم جديد هو علم الإعلام في عصر لم يعرف سوى وأد البنات وحرب العشائر ونذكر هنا أن النجاشي أصحمة قد أسلم وحيث أنه لم يقابل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره فلذا فهو يعد رضي الله عنه تابعي وليس صحابي .
وأما الكتاب الثاني الذى حمله عمرو بن أمية الضمرى للنجاشي فكان بخصوص زواج النبي صلى الله عليه وسلم من السيدة أم حبيبة رملة بنت ابي سفيان رضي الله عنها فبعد أن إنقضت عدتها بعد وفاة زوجها الأول عبيد الله بن جحش أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الكتاب إِلى النجاشيِ ملك الحبشة يطلب منه أن يكون وكيله في الزواج من السيدة أم حبيبة بنت أبي سفيان وأن يبعث بها إليه مع من عنده من المسلمين وأخذ النجاشي كتابي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبلهما ووضعهما على رأسه وعينيه ونزل عن سريره تواضعا وأمر بحق من العاج حفظ فيه الكتابين وخرج عمرو بن أمية من عند النجاشي فرآه عمرو بن العاص أثناء خروجه وكان قد وفد على النجاشي فلما دخل عليه قال للنجاشي أيها الملك إني قد رأيت رجلا خرج من عندك وهو رسول رجل عدو لنا قد وترنا وقتل أَشرافنا وخيارنا فأعطنيه فأقتله فغضب النجاشي غضبا شديدا ورفع يده فضرب بها أَنف عمرو بن العاص ضربة ظن معها أنه كسره وأصابه كما يقول من الذل ما لو إنشقت له الأرض لدخل فيها وقال للنجاشي أيها الملك لو ظننت أنك تكره ما قلت ما سألتكه فإستحيا الملك وقال يا عمرو تسألني أَن أُعطيك رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم من يأتيه الناموس الأكبر الذى كان يأتي نبي الله موسى ونبي الله عيسى بن مريم لتقتله فقال عمرو وغير الله قلبي عما كنت عليه وقلت في نفسي عرف هذا الحق العرب والعجم وتخالف أَنت فقلت وتشهد أيها الملك بهذا قال نعم أشهد به عند الله يا عمرو فأطعني وإتبعه والله إنه لعلى الحق وليظهرن على كل من خالفه كما ظهر موسى عليه السلام على فرعون وجنوده فقال عمرو أفتبايعني له على الإسلام قال نعم فبسط الملك يده فبايعه على الإسلام ثم عاد إلى مكة ودخل على زوجته ريطة بنت منبه فقالت ما بالك قال لقد فر إبنك إلى المدينة وتبع محمدا فقالت وماذا أنت فاعل فقال وقد شرح الله صدره للإسلام أرى أن نلحق بهذا الدين لأن الناس قد دخلوا فيه أفواجا وأعدد نفسه وتهيأ ومضى مهاجرا إلى المدينة المنورة فإلتقى في الطريق بخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة وهما يتجهان إلى المدينة المنورة ليدخلا في الإسلام فدخل ثلاثتهم المدينة المنورة في شهر صفر عام 8 هجرية معلنين إسلامهم ثم إلتقيا برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في المسجد النبوى فبايعه أولا خالد بن الوليد رضي الله عنه وأسلم ثم إقترب عمرو من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له يا رسول الله إني أبايعك على أن تغفر لي ما تقدم من ذنبي ولا أذكر ما تأخر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عمرو بايع فإن الإسلام يجب ما قبله وإن الهجرة تجب ما كان قبلها وحينها قال الرسول صلى الله عليه وسلم إن مكة قد ألقت إلينا بفلذات أكبادها . وأرسل النجاشي أصحمة إلى أم حبيبة يخبرها بخطبة رسول الله صلى عليه وسلم إياها عن طريق جارية إسمها أبرهة فأعطتها أم حبيبة رضي الله عنها بعض الحلي لزفها إليها هذا الخبر السعيد فقالت لها أبرهة إن الملك يقول لك أن توكلي عنك من يزوجك فوكلت الصحابي خالد بن سعيد بن العاص رضي الله عنه حيث كان أقرب مسلمي الحبشة لها نسبا حيث كان من عشيرتها بني أمية وكان أبوه أبو أحيحة سعيد بن العاص إبن عم أبيها أبي سفيان بن حرب وأرسل النجاشي إلى الصحابي جعفر بن أبي طالب ومن كانوا معه من المسلمين بالحبشة فحضروا وخطب النجاشي فقال الحمد لله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأنه الذى بشر به المسيح عيسى بن مريم أما بعد فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلي أن أزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان فأجبت إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أصدقتها عنه أربعمائة دينار ثم سكب الدنانير ثم خطب وكيل العروس خالد بن سعيد بن العاص فقال الحمد لله أحمده وأستعينه وأستنصره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون أما بعد فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان فبارك الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقبض الدنانير وأراد جعفر وخالد وباقي المسلمين رضي الله عنهم أجمعين أن يقوموا فقال لهم النجاشي إجلسوا فإن سنة الأنبياء إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج فدعا بطعام فأكلوا ثم تفرقوا وهكذا تم عقد النكاح فكان النجاشي وكيلا عن النبي صلى الله عليه وسلم وخالد بن سعيد بن العاص رضي الله عنه وكيلا عن أم حبيبة رضي الله عنها ولم يكن في زوجات النبي محمد صلى الله عليه وسلم من هي أكثر صداقا منها ولا من تزوج بها وهي نائية الدار أبعد منها ولما وصلت هذه الدنانير إلى السيدة أم حبيبة رضي الله عنها قدمت منها للجارية أَبرهةُ خمسين دينار وقالت لها سابقا أعطيتك شيئا يسيرا لأنه لم يكن عندى شئ والآن قد جاء الله عز وجل بهذا فخذيها وإستغني بها فقالت أبرهة قد أمرني الملك ألا آخذ منك شيئا وأن أرد إليك ما أخذته منك سابقا وأنا قد صدقت محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنت به وحاجتي إليك لأن تقرئيه مني السلام وتعلميه أني قد إتبعت دينه فوعدتها بذلك وكانت كلما دخلت عليها قبل مغادرتها أرض الحبشة تقول لها لا تنسى حاجتي إليك وقام الملك النجاشي بتجهيز السيدة أم المؤمنين أم حبيبة رضي الله عنها بالكامل وأرسل إليها مع أبرهة كل مستلزمات عرسها حتى العطور من العود والعنبر وإرتحل المسلمون الباقون بأرض الحبشة في سفينتين جهزهما النجاشي إلى المدينة المنورة فلما وصلوا في شهر المحرم من العام السابع الهجرى كان الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر فإنتظروا قدومه فلما عاد كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين فأسهموا لهم ولما إلتقى النبي صلى الله عليه وسلم بالسيدة أم حبيبة سألها عن النجاشي وما فعله معها فأخبرته كيف أكرمها وكيف كانت الخطبة وإختيارها للصحابي خالد بن سعيد بن العاص ليكون وكيلها ثم أخبرته بما فعلته معها أبرهة وأوصلت له سلامها فتبسم رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وقال وعليها السلام ورحمة الله وبركاته وقال جعفر بن ابي طالب للنبي عن النجاشي قد فَعل بنا كذا وحملنا وزودنا ونصرنا وشهد أَن لَا إِله إِلا الله وأَنك رسول الله وقال قل له يستغفر ِلي فَقَام رسول الله فَتوضأَ ثم دعا ثلاث مرات اللهم إغفر للنجاشي فقال المسلمون آمين وهكذا عاد هؤلاء المهاجرون الصابرون بعد أن مكثوا بالحبشة التي إستبقاهم النبي صلى الله عليه وسلم في أرضها إلى حين ثلاثة عشر عاما يصلون ويصومون ويعبدون الله عز وجل وهم مبعدون عن وطنهم وأهلهم وذويهم فترة طويلة ولم يكن لهم من ذنب إقترفوه إلا أنهم يقولون ربنا الله وفي شهر رجب عام 9 هجرية الموافق شهر أكتوبر عام 630م أخبر رسول الله صحابته بموت النجاشي أصحمة لحظة وفاته حيث أخبره الوحي بذلك وأمرهم بالإستغفار له وقال للصحابة إخرجوا فصلوا على أخٍ لكم مات بغير أرضكم وجمعهم في المصلى فصفهم صفوفا ثم صلى بهم صلاة الجنازة وكبر عليه أربع تكبيرات . |