بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com
موسوعة كنوز “أم الدنيا"
عائشة بنت أبي بكر عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر وهو المكنى بقريش بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان وهو من نسل نبي الله إسماعيل عليه السلام إبن نبي الله إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام القرشية التيمية رضي الله عنها صحابية جليلة من كبار صحابة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهي الزوجة الثالثة له بعد السيدتين أم المؤمنين خديجة بنت خويلد وأم المؤمنين سودة بنت زمعة رضي الله عنهما وهي تلتقي معه في الجد السادس له والجد السابع لها مرة بن كعب وهي تنتمي إلى بني تيم بن مرة بن كعب أحد بطون قريش التي قرشها أى جمعها قصي بن كلاب في مكة من أبناء وأحفاد فهر الجد العاشر للنبي صلى الله عليه وسلم والحادى عشر للسيدة عائشة رضي الله عنها وكونت قبيلة قريش بعد أن أخرج منها قبيلة خزاعة في منتصف القرن الخامس الميلادى وليسيطر على مكة المكرمة والبيت الحرام وتصبح قبيلة قريش صاحبة السيادة فيها بعد أن ظلت قبيلة خزاعة هي المسيطرة عليها طوال أكثر من ثلاثة قرون وكان ممن ينتمون أيضا إلى بني تيم غير السيدة عائشة وأبيها الصحابي أبي بكر الصديق الخليفة الراشد الأول أخوتها عبد الله وعبد الرحمن ومحمد أبناء أبي بكر الصديق وأختها أسماء بنت أبي بكر الملقبة بذات النطاقين والصحابي طلحة بن عبيد الله رضي الله عنهم جميعا وكان من هذه البطون أيضا بنو أسد والذين تنتمي إليهم السيدة خديجة بنت خويلد أم المؤمنين رضي الله عنها وإبن عمها ورقة بن نوفل وإبن أخيها حكيم بن حزام وإبن أخيها الآخر الزبير بن العوام وكان من هذه البطون أيضا بنو زهرة والتي تنتمي إليها السيدة آمنة بنت وهب أم النبي محمد صلى الله عليه وسلم والصحابيان الجليلان واللذان كانا من العشرة المبشرين بالجنة عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما والصحابي هاشم بن عتبة بن أبي وقاص وبنو عدى والذين كان منهم الصحابة الكرام الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب وإبنه عبد الله بن عمر بن الخطاب وأخته فاطمة بنت الخطاب وإبنته زوجة النبي صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين السيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب وشقيقه زيد بن الخطاب وإبن عمه وزوج أخته سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم جميعا وكان أيضا منها بنو سهم والذين كان منهم الصحابة الكرام عمرو بن العاص وشقيقه هشام بن العاص وإبنه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم جميعا وبنو جمح والذين كان منهم الصحابي الجليل وأحد السابقين إلى الإسلام عثمان بن مظعون وأخته السيدة زينب بنت مظعون زوجة الصحابي الجليل والخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأم بنته أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنها وإبنه عبد الله بن عمر رضي الله عنه وكان منهم أيضا الصحابيان عمير بن وهب وصفوان بن أمية رضي الله عنهما وأمية بن خلف وشقيقه أبي بن خلف واللذان كانا من أشد أعداء الإسلام والمسلمين وماتا على الكفر والعياذ بالله .
وكان ميلاد السيدة عائشة رضي الله عنها في مكة المكرمة قبل الهجرة بسنوات وهناك خلاف شديد في عدد تلك السنوات وكان أبوها الصحابي الجليل أبو بكر الصديق رضي الله عنه صديقا مقربا من النبي محمد صلى الله عليه وسلم منذ قبل البعثة وكان النبي يعرفه معرفة وثيقة وعميقة وكانت الصلة بينهما قوية جدا وكان يزوره في بيته بإستمرار وكان أبو بكر رضي الله عنه يعلم من صدقه وأمانته وحسن سجيته وكرم أخلاقه ما يمنعه من الكذب على الناس ولذا فقد كان ابو بكر أول من آمن بالإسلام من الرجال وبمجرد أن أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بأمر البعثة أسلم ونطق بالشهادتين على الفور وأما أم السيدة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فهي الصحابية أم رومان بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس بن عتاب بن أذينة بن سبيع بن دهمان بن الحارث بن غنم بن ثعلبة بن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان وهي تلتقي مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الجد الثالث عشر كنانة بن خزيمة بن مدركة وكانت قد أسلمت قديما في مكة وبايعت النبي محمد صلى الله عليه وسلم وكانت رضي الله عنها ذات أدب وفصاحة وتزوجت في الجاهلية من رجل من قومها هو عبد الله بن الحارث بن سخبرة بن جرثومة بن عادية الأزدى وأنجبت له ولدا وحيدا إسمه الطفيل والذى أسلم في مكة المكرمة فيما بعد قبل الهجرة وقدم زوجها من تهامة إلى مكة المكرمة ومعه إمرأته أم رومان وولده فحالف أبا بكر الصديق رضي الله عنه لكنه توفي بعد فترة قصيرة وترك زوجته وطفله وحيدين فعرض عليها حليفه أبو بكر الصديق القرشي التيمي الزواج منها إكراما لحليفه وصاحبه بعد مماته فقبلت الزواح منه لما عرف عنه من أنه صاحب نجدة ومروءة وسخاء وكرم فقد كان يصل الرحم ويحمل الكل ويقرى الضيف ويعين على نوائب الدهر وأحسن أبو بكر الصديق عشرة أم رومان وأكرم إبنها الطفيل ورباه كأنه ولده وكان ذلك قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وأنجبت له أم رومان رضي الله عنها الصحابي الجليل عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه وأم المؤمنين السيدة عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها وكان للسيدة عائشة أخوة من الأب أسن منها هما عبد الله بن ابي بكر والسيدة أسماء بنت ابي بكر زوجة الصحابي الجليل الزبير بن العوام أحد السابقين إلى الإسلام وأحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم جميعا واللذان كان لهما دور مشهود أثناء الهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة كما كان للسيدة عائشة ايضا أخوة من الأب أصغر منها سنا وهما محمد وأمه الصحابية أسماء بنت عميس رضي الله عنها وأم كلثوم وأمها حبيبة بنت خارجة وكانت السيدة عائشة رضي الله عنها تكنى بأم عبد الله وهو إبن أختها اسماء عبد الله بن الزبير بن العوام .
وبعد وفاة السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها في أواخر العام العاشر للبعثة ظل النبي صلى الله عليه وسلم أعزبا بلا زواج لمدة سنتين تقريبا وقبل الهجرة بحوالي سنة جاءت الصحابية خولة بنت حكيم رضي الله عنها زوجة الصحابي عثمان بن مظعون رضي الله عنه وكانت تخدم الرسول وترعى بناته بعد وفاة السيدة خديجة رضي الله عنها وكانت ذات بصيرة بالنّساء ورأت النبي صلى الله عليه وسلم وحيدا بعد موت زوجه الرؤوم خديجة رضي الله عنها عند ذلك سألته وقالت له يا رسول الله كأنى أراك قد دخلتك خلة حزن وحاجة لفقد خديجة فقال أجل كانت أم العيال وربة البيت وإنهمرت الدموع من عينيه فرق قلبها للنبي صلى الله عليه وسلم وقالت له بكل توقير يا رسول الله ألا أخطب عليك فقال بلى فإنكن معشر النساء أرفق بذلك وسألها من قالت إن شئتَ بكرا وإن شئت ثيبا فقال فمن البكر ومن الثيب فقالت أما البكر فعائشة بنت أحب خلقِ الله إِليك أبي بكر الصديق وأما الثيب فسودة بنت زمعة أرملة السكران بن عمرو رضي الله عنه قد آمنت بك وإتبعتك فقال لها فإذهبي فإذكريهما علي وبالفعل ذكرته عندهما وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة قبل الهجرة بحوالي عام من السيدة أم المؤمنين سودة بنت زمعة رضي الله عنها لتكون ثاني زوجاته كما أن السيدة خولة بنت حكيم رضي الله عنها ذهبت أيضا إلى أم رومان بنت عامر أم السيدة عائشة رضي الله عنهما وذكرت لها الأمر فقالت إنتظرى فَإِن أَبَا بَكرَ آتيك وإن المطعم بن عدى قد ذكرها على إبنه فأتى أبو بكر المطعم فقال مَا تقول فِي أَمر هَذه الجَارية فسأل المطعم زوجته فقالت لأبي بكر لَعلنا إِن أَنكحنا هذا الفَتى إِلَيك تصِيبه وَتدخله فِي دينكَ الَذى أَنتَ عليهِ فرأى أبو بكر في ذلك إبراءا لذمته من خطبة المطعم لعائشة وقال لخولة قُولي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فَليأْت فجاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم وخطبها قبل الهجرة لكنه لم يبن بها وهاجرت السيدة عائشة إلى المدينة بعد هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بصحبة الصحابي طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه وأخيها عبد الله وأمها أم رومان وأختها أسماء وزيد بن حارثة وأبي رافع مولى النبي محمد صلى الله عليه وسلم وإبنتي النبي محمد أم كلثوم وفاطمة الزهراء والسيدة أم المؤمنين سودة بنت زمعة وأم أيمن بركة بنت ثعلبة حاضنة النبي وإبنها أسامة بن زيد وبنى النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالسيدة عائشة رضي الله عنها بعد غزوة بدر في شهر شوال عام 2 هجرية وتروى السيدة عائشة رضي الله عنها قصة يوم زواجها قائلة بعد أن قدمنا المدينة المنورة وبعد غزوة بدرَ أَتتني أمي أُم رومَان وأنا عَلَى أُرجوحة ومعي صَويحباتي فَنادتني فَأَتيتهَا وَمَا أَدرى مَا ترِيد بِي فَأخذت بِيَدِى وَأَوقفتني عَلَى الباب فَقلت هه هه حتى ذهبَ نَفَسي فَأدخَلَتنيِ بيتا من بيوت الأنصار فَإِذا نسوة من الْأَنصار فَقلن علَى الخَير والبركة وعلى خَير طَائر فَأَسلَمَتني إِليهن فَغَسلن رَأْسي وَأَصلَحنني فَلَم يَرعني إِلا وَرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قد جاء فَأسلمنني إليه وقد وصفت السيدة عائشة رضي الله عنها أيضا جهاز حجرتها قالت إِنما كَانَ فراش رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الذى ينام عَلَيه أَدما حَشوه ليف وتروى السيدة عائشة رضي الله عنها حديثا عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم أنه رأى في منامه الملك جبريل عليه السلام وقد جاء بها في ثوب من حرير وقال له هذه إمرأتك فرد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله إن يكن هذا من عند الله يمضه وفي رواية أخرى أن جبريل عليه السلام قال هَذه زَوجَتك فِي الدنيَا وَالآخرَة .
وفي حياة النبي صلى الله عليه وسلم كان هناك الكثير من المواقف التي نقلتها كتب السير والتراجم التي أرخت لتلك الفترة ذكرت وجود مظاهر غيرة بين السيدة عائشة وباقي زوجات النبي محمد الأخريات وهو الأمر المعتاد بين الضرائر مهما كانت منزلتهن وهو ما أقرت به السيدة عائشة نفسها حين صنفت زوجاته في حزبين الأول فيه عائشة وحفصة وصفية وسودة والآخر ضم أم سلمة وبقية نساء النبي محمد وكانت عائشة أكثر زوجات النبي غيرة وأشدهن حساسية في ذلك وقد أحب النبي محمد عائشة أكثر من نسائه الأخريات وهو ما أدركه المسلمون فكانوا يؤخرون هداياهم حتى يكون في بيت عائشة وهو ما أدركته باقي أمهات المؤمنين فندبن أم سلمة لتسأل النبي أن يكلم الناس في ذلك فقال من أراد أَن يهدىَ إِلَى رسول اللَّه هدية فَليهدها إِلَيه حيث كانَ ورغم تلك المحبة إلا أن ذلك لم يمنعها من الغيرة من زوجاته الأخريات ففي حجة الوداع خرج النبي بزوجاته وكانت عائشة على جمل خفيف ومعها متاع قليل فيما كانت صفية على جمل بطيء ومعها متاع ثقيل فأمر النبي محمد أن يتبادلا راحلتيهما حتى يسرع الركب فغضبت عائشة وقالت يا لعباد اللَّهِ غلَبتنا هذه اليهوديةُ عَلى رسول اللَّهِ فشرح لها النبي سبب ما فعل فقالت أَلَست تقول أنك رسول اللَّه فتبسم وقال أَفي شك أَنت يا أُم عبد اللَّه فقالت ألست تقول أَنك رسول اللَّه أَفهلا عدلت فسمعها أبو بكر الصديق رضي الله عنه أبوها وهم بضربها فأوقفه النبي محمد صلى الله عليه وسلم وقال له إِن المرأة الغيورة لا تبصر أَسفَلَ الوَادى مِن أعلاه ويروى أيضا أنها قالت ما رأيت صانعةَ طَعام مثل صفيةَ بعثت إِلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإناء فيه طَعام فَضَربته بيدى فَكسرته فَقلت يا رسول اللَّه مَا كفَارة هَذَا قال إِناء مكان إناء وطَعام مكان طَعام كما أنها كانت تغار من زوجته الأولى السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها رغم وفاتها وتقر بذلك وتحكي قائلة إستأذنت هالة بنت خوَيلد أُخت السيدة خَديجةَ رضي الله عنها على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فعرف إستِئذان خَديجةَ وَقَالَ اللهم هالَةَ قتقول السيدة عائشة رضي الله عنها فغرت فقلت مَا تذكر من عَجوز من عجائز قُرَيش حمراءَ الشدقين هلكت في الدهر قد أَبدلك اللَّه خيرا منها فقال النبي محمد صلى الله عليه وسلم والله ما أَبدَلَنِي اللَّه بهَا خيرا منهَا لقد آمنت بي حين كفر الناس وصدقتنيِ حين كذبني الناس وَأَشركتني فِي مَالها حين حرمني الناس ورزقَني اللَّه ولدها وحرمني ولَد غَيرها فقالت وَاللَّه لا أُعاتبك فيها بَعد اليَوم وكما كانت السيدة عائشة رضي الله عنها تغير من باقي زوجات النبي محمد صلى الله عليه وسلم كن كذلك يغرن منها وحدث أن أرسلن يوما إليه السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها أحب بناته وكان في بيت السيدة عائشة رضي الله عنها لتقول له يا رسولَ اللَّهِ إِنَ أزوَاجك أَرسلنَنِي إِلَيكَ يسأَلنك العدلَ فِي إبنَةِ أَبِي قُحَافَةَ فقال لها أى بنية ألَستِ تحِبينَ ما أُحِب فقالت بَلَى فقال فَأَحِبِي هَذِهِ .
وقد تعرضت السيدة عائشة رضي الله عنها لمحنة قاسية وهي الحادثة المعروفة بإسم حادثة الإفك فقد كان النبي محمد حين يخرج في غزواته يقترع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها فلما كانت غزوة بني المصطلق خرج سهم السيدة عائشة رضي الله عنها فخرجت معه وكان ذلك بعد نزول آية الحجاب وبعد أن فرغ النبي محمد من غزوته وبينما هم في طريق العودة إلى المدينة المنورة مشيت السيدة عائشة مبتعدة عن الجيش حتى تقضي حاجتها ثم عادت إلى راحلتها فإفتقدت عقد لها فعادت تلتمسه وكان أن أقبل الموكلون براحلتها فساروا دون أن يدركوا أنها ليست في هودجها وبعد فترة عادت السيدة عائشة لتجد الجيش قد رحل فإنتظرت في موضعها ظنًا منها أنهم سيفتقدونها فيرجعون لها ثم غلبها النوم فنامت ثم مر صفوان بن المعطل السلمي رضي الله عنه وكان قد تأخر عن الجيش ليتأكد من انه لم يتخلف احد فرآها فعرفها فأناخ راحلته حتى ركبت وإنطلق بها حتى بلغا الجيش وبعد ذلك إنطلقت الأحاديث حول تلك الحادثة وقال أناس أن شيء ما قد حدث بين السيدة عائشة رضي الله عنها وإبن المعطل وكان على رأس هؤلاء رأس النفاق في المدينة عبد الله بن أبي إبن سلول وبعد العودة إلى المدينة إشتكت السيدة عائشة من المرض شهرا والناس يخوضون في الحديث بل وتغير النبي محمد في تعامله معها فإستأذنت النبي أن تلحق ببيت أهلها فأذن لها وأثناء الطريق علمت السيدة عائشة رضي الله عنها من أم مسطح بن أثاثة رضي الله عنهما بما يقول الناس فإزداد مرضها وأرسل النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى الصحابيين علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد يستشيرهما في أمر السيدة عائشة فأثنى عليها أسامة بن زيد وقال فيها خيرا فيما قال علي يَا رسول اللَّه لم يضيق اللَّه عليك والنسَاء سِواها كَثير وإِن تسأل الجاريةَ تصدقك فأرسل النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى بريرة مولاة السيدة عائشة وقال لها أَى بريرَة هل رأَيت من شَيء يَرِيبك فقالت في السيدة عائشة خيرا فذهب النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر ثم قال لعائشة مَا بعد يَا عَائشةُ فَإِنه قد بَلَغَني عنك كذا وكذا فإِن كنت بريئةً فَسيبرئك اللَّه وَإِن كنت أَلممت بذَنب فَإستغفرى اللَّه وتوبي إِلَيه فَإِن العبد إِذَا إعترَفَ بذنبه ثم تَاب تاب اللَّه عليه فتلت عائشة آية وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى ما تصفون وإذ هما على هذا الحال نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم ببراءة السيدة عائشة رضي الله عنها حيث قال الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ * لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تعلمون * ولولا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه قد أقسم ألا ينفق على مسطح بن أثاثة وقد كان ممن تكلموا في حق السيدة عائشة وكان ينفق عليه من قبل فلما نزل الوحي بقوله وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فعاد أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى الإنفاق على مسطح بن اثاثة .
ومرت الأيام ووصلنا إلى أواخر العام العاشر الهجرى وخرج النبي صلى الله عليه وسلم حاجا ورافقنه كل زوجاته وبعد أن وصلوا مكة حاضت السيدة عائشة رضي الله عنها وقبل يوم عرفة طهرت من الحيض فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تخرج إلى منطقة التنعيم في أول الطريق المؤدى للمدينة المنورة وجدة وهي خارج حدود الحرم وتحرم وتنوى الحج من هناك وهو ما يفعله اليوم الكثير من المعتمرين بعد أن يؤدوا عمرتهم الأولى إذا أرادوا أن يؤدوا عمرة أخرى فإنهم يخرجون إلى التنعيم ويحرمون من هناك بالعمرة ولما عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في أواخر شهر ذى الحجة عام 10 هجرية بدأت تظهر عليه علامات المرض ولما إشتد عليه المرض كانت رغبته أن يمرض في بيت عائشة فأذنت له زوجاته وفي فترة مرضه تلك جاءه بلال رضي الله عنه يؤذنه بالصلاة فقال النبي محمد صلى الله عليه وسلم مروا أَبا بَكر فَلْيصَلِ بِالنَاسِ فقالت السيدة عائشة يَا رَسولَ اللَّه إِن أبا بَكر رَجل أسِيف ومتى مَا يقوم مقامك يبكي فَلا يستطِيع فَلَو أمرت عمر فَصلى بِالناسِ فقال مروا أَبا بكر فَليصَل بِالنَاسِ فَإِنكن صويحبات نبي الله يوسفَ وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها بعد ذلك فواللَّه مَا حملني حينئذ أَن أكلمه في ذلك إِلا كرَاهيةَ أَن يَشأَم الناس بأَول رجل يَقوم مقام رسول اللَّه أَبدا وفي يوم الوفاة دخل عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه على الرسول صلى الله عليه وسلم وبيده السواك والسيدة عائشة مسندة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى صدرها فرأته ينظر إلى عبد الرحمن فعرفت أنه يحب السواك فقالت أأخذه لك فأشار برأسه أن نعم فناولته فإشتد عليه فقالت ألينه لك فأشار برأسه أن نعم فلينته فتسوك به ثم حضرت النبي محمد صلى الله عليه وسلم الوفاة فتذكر السيدة عائشة ذلك قائلة فَمَات فِي ذلك اليوم فِي بَيتِي حيث َقَبَضَه اللَّه وهو يرفع أصبعه ويقول بل الرفيق الأعلى بل الرفيق الأعلى فعلمت أنه يخير بين البقاء في الدنيا أو أن يلقى الله فإختار لقاء الله وإِن رَأْسَه لبينَ نحرى وسحرى وبعد ان خَالطَ رِيقه ريقِي ودفن النبي محمد صلى الله عليه وسلم في حجرة السيدة عائشة في المكان الذى توفي فيه ويروى سعيد بن المسيب عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها رأت في منامها كأن ثلاثة أقمار سقطت في حجرتها فسألت أباها فقالَ يا عَائِشَةُ إِن تصدق رؤيَاك يدفَن في بَيتك خَير أَهل الأَرض ثَلاثَةٌ فلما توفي النبي محمد صلى الله عليه وسلم ودفن قال لها أبو بكر رضي الله عنه يَا عَائِشَةُ هَذَا خَير أَقمَارِكِ وَهوَ أَحَدها ثم دفن بعد ذلك في حجرتها أبوها أبو بكر رضي الله عنه ومن بعده عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكان ذلك تمام الثلاثة أقمار .
وبعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم واختيار أبي بكر الصديق رضي الله عنه خليفة للمسلمين لزمت السيدة عائشة حجرتها ولما أراد أزواج النبي أن يرسلن عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه يسألنه ميراثهن من النبي محمد صلى الله عليه وسلم إستنكرت السيدة عائشة ذلك وقالت لهن أَلَيسَ قَد قَال رسول اللَّه محمد صلى الله عليه وسلم نحن معشر الأنبياء لَا نورَث مَا تَرَكنا فَهو صدقَةٌ ولم تطل خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه حيث حضرته الوفاة بعد سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال من خلافته وقد أشرفت السيدة عائشة على مرض أبيها فكانت تعزى نفسها ببيت شعر قائلة لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر فنهاها أبو بكر عن ذلك وأمرها بتلاوة القرآن وقال لها لا تَقُولي هكذا يا بنيةُ وَلَكِن قُولي وَجَاءَت سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيد فعادت وأنشدت وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ربيع اليتامى عصمة الأرامل فقال أبو بكر رضي الله عنه ذَاك رَسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أوصى أبو بكر السيدة عائشة أن يدفن بجوار النبي محمد صلى الله عليه وسلم فلما توفي حفر له في حجرة السيدة عائشة وجعل رأسه عند كتفي النبي محمد صلى الله عليه وسلم وبعد وفاة أبي بكر كرست السيدة عائشة حياتها لنشر الدين الإسلامي فكانت تروى الحديث وتفتي في أمور الدين طبقا لما تعلمته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي من نقلت عن النبي كل تفاصيل حياته وفقه النساء ومما يجب ملاحظته أنه كان لرواية أمهات المؤمنين للأحاديث وما كان يفعله النبي في حياته أهمية كبيرة حيث تعتبر أحاديثهم مصدرا هاما لمعرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأحكامه وماذا كان يفعل عندما يتوضأ وعندما يصلي وعندما يشرب وعندما يتناول الطعام وماذا يقول فبل النوم وعند الإستيقاظ وعندما يدخل أو يخرج من الخلاء وغير ذلك من العادات اليومية بما يوضح الجوانب الإجتماعية والأخلاقية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقد كن مأمورات بنص القرآن الكريم بذلك حيث قال الله تعالى لأمهات المؤمنين في سورة الأحزاب وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا وكان الخليفتان عمر ثم عثمان رضي الله عنهما يرسلان إليها فيسألانها ولما طعن عمر رضي الله عنه أرسل إبنه عبد الله ليستأذن السيدة عائشة في أن يدفن إلى جوار النبي محمد وأبي بكر فقالت السيدة عائشة قَد كنت أُرِيده لنَفْسي وَلأُوثرَنه اليوم على نَفْسي فعاد عبد الله بالخبر إلى أبيه فقال الحمد للَّه ما كان شَيء أَهم إِلَي من ذَلِكَ فَإِذَا أَنا قُبضت فَإحملونيِ وقفوا على باب بيت أمكم عائشة وسلموا وقولوا لها يَستَأْذن عمر مرة أخرى أن يدفن إلى جوار صاحبيه فقد تكون قد تحرجت مني وأنا حي فَإِن أَذنَت لي فَأَدخلوني وَإِن رَدَتني فَردوني إِلَى مَقَابر الْمسلِمِينَ وبعد وفاته عاد عبد الله فإستأذن السيدة عائشة فأذنت له فكان عمر رضي الله عنه ثالث ثلاثة دفنوا في حجرتها وفي عهد الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه حج الخليفة بأمهات المؤمنين فيما عدا السيدتين سودة بنت زمعة وزينب بنت جحش اللتين قالتا لا تحركنا دابة بعد موت رسول الله وكانت السيدة عائشة فيمن ادين الحج منهن وأكرم الخليفة منزلتهن فجعل الصحابي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه على مقدمة قاطرتهن والصحابي سعيد بن زيد رضي الله عنه على مؤخرة القاطرة وظلت السيدة عائشة على علاقة طيبة بعثمان رضي الله عنه حتى مقتله وكان ذلك في شهر ذى الحجة عام 35 هجرية وكانت من أوائل من طالب بدمه والقصاص من قتلته والثائرين عليه وكانت في مكة وقت مقتله وبلغها الخبر في طريق عودتها للمدينة فقفلت راجعة إلى مكة وإجتمع الناس إليها فقالت يا أيها الناس إن الغوغاء من أهل الأمصار وأهل المياه وعبيد أهل المدينة إجتمعوا على هذا المقتول بالأمس فسفكوا الدم الحرام وإستحلوا البلد الحرام وأخذوا المال الحرام وإستحلوا الشهر الحرام والله لإصبع عثمان خير من طباق الأرض أمثالهم ووالله لو أن الذى إعتدوا عليه كان ذنبا لخلص منهم كما يخلص الذهب من خبثه أو الثوب من درنه إذ ماصوه كما يماص الثوب بالماء وكانت السيدة عائشة رضي الله عنها ترى بمظلومية عثمان رضي الله عنه في دعوى الثائرين عليه خاصة وهي التي روت حديث وصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم له لكي لا يتنازل عن الخلافة إن وليها مهما طلبوا منه ذلك فقد روى النعمان بن بشير عن السبدة عائشة أنها قالت قَالَ رَسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَا عثمان إِن وَلاكَ اللَّه هَذا الأَمرَ يوما فَأَرَادَكَ المنَافِقون أَن تخلع قَميصك الذى قَمصك اللَّه فَلَا تَخلعه يَقُول ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرات قال النعمان فقلت للسيدة عائشة ما مَنَعَك أَن تعلمِي النَاس بِهذَا قالت أُنسيته وَاللَّه .
وبعد مبايعة علي بن أبي طالب بالخلافة قصدالصحابيان طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام على رأس انصار لهم البصرة وطالبوا عليا رضي الله عنه بمعاقبة قتلة عثمان وبسرعة القصاص منهم بينما كان الإمام علي يرى أن الوقت والأحداث المتلاحقة والظروف السياسية تستدعي تأجيل هذا الأمر بعض الوقت حتى تهدأ الأمور فأعد علي رضي الله عنه أنصاره من رجال الكوفة وإتجه لملاقاتهم وحسب رواية أرسل لهم بضع رجاله يدعوهم للتريث والتأني حتى تهدأ الأمور فيتسنى له القبض على قتلة الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه وتنفيذ القصاص فيهم فالأمر يحتاج إلى الأناة والصبر فإقتنعوا بفكرة الإمام علي رضي الله عنه التي جاءهم بها الصحابي القعقاع بن عمرو التميمي رضي الله عنه وباتوا ليلتهم على ذلك غير أن هناك من دبر للفتنة بين الفريقين في الليل فدسوا في كلا المعسكرين من يقتل بعض الجنود ليتأجج القتال بين الفريقين بعد أن يظن كلا الطرفين أن الطرف الآخر غدر به ومن ثم كانت الحادثة التي وقعت في البصرة على الأرجح في شهر جمادى الثاني عام 36 هجرية بين أنصار الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأنصار الصحابيين الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما وشهدت هذه الوقعة أم المؤمنين السيدة عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما زوجة النبي محمد صلى الله عليه وسلم التي كانت قد ذهبت لموقع هذه الحادثة قادمة من مكة بهدف الإصلاح بين الفريقين في هودج من حديد على ظهر جمل فسميت الواقعة بإسم وقعة الجمل نسبةً إلى مَركوبها وكان هدف الجميع الإتفاق على الكيفية التي يمكن بها تنفيذ القصاص من قتلة عثمان بن عفان رضي الله عنه في مكان بعيد عن المدينة المنورة التي صارت آنذاك معقلا لقتلة عثمان رضي الله عنه وأنصارهم وفي نفس الوقت كان في البصرة نفر من دعاة الفتنة الذين خرجوا على الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه فعمل هؤلاء النفر من دعاة الفتنة على التحريض والوفيعة بين أنصار الإمام علي رضي الله عنه وأنصار الصحابيين طلحة والزبير رضي الله عنهما فإختلف الفريقان وكثر بينهما اللغط ثم تراموا بالحجارة ثم تطور الأمر إلى نشوب القتال بينهما وللأسف فقد إنتهى القتال بمقتل طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه بعد أن أصيب بسهم وحزن الإمام علي رضي الله عنه كثيرا لمقتله حين رآه مقتولا وجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول عزيز علي أبا محمد أن أراك مجندلا تحت نجوم السماء وبكى عليه هو وأصحابُه كما قتل الزبير بن العوام رضي الله عنه في نفس اليوم ولما جاء قاتله لعله يجد حظوة ومعه سيفه الذى سلبه منه ليقدمه هدية لعلي حزن عليه حزنا شديدا وأمسك السيف بيده وقال طالما جلى به الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال بشروا قاتل إبن صفية بالنار ولم يأذن له بالدخول عليه وأما عن السيدة عائشة فقد كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم قد قال لعلي رضي الله عنه سيكون بينك وبين عائشة أمر فقال علي فأنا أشقاهم يا رسول الله قال لا ولكن إذا كان ذلك فردها إلى مأمنها فجاء علي إلى السيدة عائشة وقال لها غفر الله لك قالت ولك ما أردت إلا الإصلاح ثم أنزلها أعظم دار في البصرة وزارها ورحبت به وبايعته وجلس عندها فقال رجل يا أمير المؤمنين إن بالباب رجلين ينالان من السيدة عائشة فأمر القعقاع بن عمرو أن يجلد كل منهما مائة جلدة ففعل ثم ردها إلى المدينة المنورة في حراسة أولاده وأولاد عمومته معززة مكرمة كما أمر التبي محمد صلى الله عليه وسلم .
وبعد موقعة الجمل عادت السيدة عائشة فلزمت بيتها حتى حضرتها الوفاة في ليلة الثلاثاء 17 رمضان عام 57 هجرية وقيل 58 هجرية في عهد الخليفة الأموى الأول معاوية بن أبي سفيان وصلى عليها الصحابي الجليل راوى الحديث أبو هريرة رضي الله عنه بعد صلاة الوتر ونزل في قبرها عبد الله وعروة إبنا الزبير بن العوام من أختها أسماء بنت أبي بكر والقاسم وعبد الله إبني محمد بن أبي بكر وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر ودفنت في البقيع وتعج كتب أهل السنة والجماعة بالأحاديث وفضائل ومكانة السيدة عائشة فهي عند أهل السنة أم المؤمنين وأحب نساء النبي محمد إليه وقد روى الترمذي في سننه حديثا سئل فيه النبي محمد عن أحب الناس إليه فقال عائشة ثم قال السائل ليس من النساء أقصد بل من الرجال قال أبوها ويرى أهل السنة أن الناس في زمن النبي محمد كانوا يعرفون محبتها عند النبي محمد كما ذكرنا في السطور السابقة فكانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة مما أثار ذلك غيرة باقي أمهات المؤمنين وسألن أم سلمة أن تطلب من النبي أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيثما كان فقال لها يا أُم سلمةَ لَا تؤذيني فِي عَائِشَةَ فَإِنه وَاللَّه ما نزل عَلَي الوَحي وَأَنَا في لحاف ِإمرأَة منكن غَيرها وهي ايضا المبرأة في حادثة الإفك بآيات من القرآن الكريم أُنزلن من فوق سبع سماوات وأن النبي محمد حين مرض مرضه الأخير إختار أن يمضي أيامه الأخيرة في حجرتها دون غيرها من نسائه وعلاوة على ذلك كانت السيدة عائشة من أعلم النساء بدين الإسلام وما إتصل به من قرآن وتفسير وحديث وفقه فقد روى أن كبار أصحاب النبي محمد كانوا يسألونها عن الفرائض وكان عمر يحيل إليها كل ما يتعلق بأحكام النساء أو بأحوال النبي البيتية لا يضارعها في هذا الإختصاص أحد على الإطلاق وقيل عنها لو جمع علم عائشة إلى علم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل بل وما رأَينا أَحَدا أَعلَم بِالحَلَالِ وَالحَرَامِ وَالعِلمِ وَالشعر وَالطِبِ مِن عَائشَةَ أُمِ الْمؤمِنِينَ وما أشكل علينا أصحاب رسول الله حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علما .
وكانت السيدة عائشة كثيرة السؤال للنبي محمد عن معاني الآيات القرآنية فمكنها ذلك من القدرة على تفسير القرآن كما انها تمتعت بذاكرة قوية مكنتها من رواية الكثير من الأحاديث عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى جانب حفظها الكثير من الشعر والأمثال بالإضافة إلى كثرة سؤالها للنبي محمد صلى الله عليه وسلم عن الأحكام الشرعية والفقهية حتى قال عنها إبن أبي مليكة كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه إلا وراجعت فيه حتى تعرفه لذا كانت تصحح للصحابة ما أخطأوا فيه فقد بلغها يوما أن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أفتى بأن من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه فقالت ليس كما قال إبن عباس أنا فتلت قلائد هدى رسول الله بيدى ثم قلدها رسول الله بيديه ثم بعث بها مع أبي فلم يحرم على رسول الله شيء أحله الله له حتى نحر الهدى وقد ألف بدر الدين الزركشي كتابا ذكر فيه كل المسائل التي قيل إن السيدة عائشة إستدركتها على الصحابة وسماه الإجابة لإيراد ما إستدركته عائشة عن الصحابة وقد حقق في هذا الكتاب الكثير من المسائل وبين صحيحها من ضعيفها وكانت السيدة عائشة تبذل الوسيلة لشرح الدين فكانت تلجأ أحيانا للشرح العملي كأن تتوضأ أمام محارمها وتحديدا أولاد اخوتها كما كان يتوضأ النبي لتعلمهم كيف يتوضأون حتي يعلموا غيرهم بل وتبادر إلى بيان الأحكام حتى دون أن تسأل كما كانت تلجأ للإستدلال في الفقه وقد روت السيدة عائشة العديد من الأحاديث عن النبي محمد مباشرة لما توفّر لها من حظ ملازمته وقلما روت عن أحدهم عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم فأصبحت حجرتها مقصد طلاب الحديث، حتى قيل إن أكثر من مائة شخص روى عن السيدة عائشة ويعد أشهر من روى عنها من الصحابة عمر بن الخطاب وإبنه عبد الله بن عمر وأبو هريرة وأبو موسى الأشعرى وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير ومن التابعين عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والقاسم بن محمد بن أبي بكر وعطاء بن أبي رباح وطاووس بن كيسان ومحمد بن سيرين والأسود بن يزيد وأبو بردة بن أبي موسى الأشعرى ومطرف بن عبد الله بن الشخير وعلى بن الحسين وغيرهم الكثير وكان من رووا عنها من النساء عمرة بنت عبد الرحمن وعائشة بنت طلحة وجسرة بنت دجاجة وخيرة أم الحسن البصرى وحفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر وغيرهن وقد عد الذهبي أحاديث السيدة عائشة 2210 حديث منها 174 متفق عليه وإنفرد الإمام البخارى بأربعة وخمسين حديثا والإمام مسلم بتسعة وستين حديثًا.
ونظرا لمحبة النبي محمد صلى الله عليه وسلم للسيدة عائشة كانت النساء يلجأن إليها لتنقل شكواهن إلى النبي لما لها من مكانة ومنزلة خاصة عنده والأمثلة كثيرة في هذا الصدد فتروى السيدة عائشة أن الرجل كان يطلق إمرأته ما شاء ثم يرجعها في عدتها وإن طلقها مائة مرة حتى قال رجل لإمرأته والله لا أطلقك فتبيني مني ولا آويك أبدا فقالت وكيف ذلك قال أطلقك فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك فذهبت المرأة إلى عائشة فأخبرتها فإنتظرت حتى جاء النبي محمد فأخبرته فنزل الوحي بقوله تعالى قي سورة البقرة الطَّلَاقُ مَرّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وفي مثال آخر دخلت فتاة على عائشة تشتكي بأن أباها زوجها بإبن أخيه وهي كارهة فأخبرت السيدة عائشة النبي محمد فأرسل إلى أبيها فجعل الأمر إليها فقالت يا رسول الله قد أجزت ما صنع أبي ولكني أردت أن أعلم النساء من الأمر شيئا وبعد وفاة النبي محمد بقيت السيدة عائشة تدافع عن المرأة وتنكر على كل من يتكلم بشيء ينال من كرامة المرأة وتغضب منه فقد دخل عليها يوما رجلان فقالا إن أبا هريرة يحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار فغضبت ثم قالت كذب والذى أنزل القرآن على أبي القاسم من حدث بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قال رسول الله كان أهل الجاهلية يقولون إن الطيرة في الدابة والمرأة والدار ثم قرأت مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ وكما كانت شديدة الدفاع عن النساء وحقوقهن كانت شديدة الإنكار على النساء اللواتي يخالفن سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأحكام الشريعة فقد دخل عليها يوما نسوة من أهل الشام فقالت ممن أنتن قلن من أهل الشام فقالت لعلكن من الكورة التي تدخل نساؤها الحمامات قلن نعم فقالت أما إني سمعت رسول الله يقول ما من إمرأة تخلع ثيابها في غير بيتها إلا هتكت ما بينها وبين الله تعالى ولما رأت تغيرا في ملابس بعض النساء بعد وفاة النبي أنكرت عليهن وقالت لو أدرك رسول الله ما أحدثت النساء لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل رحم الله السيدة عائشة رحمة واسعة وجزاها عنا وعن الإسلام خيرا . |