بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com
موسوعة كنوز “أم الدنيا"
أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر والمكنى بقريش بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان وهو من نسل نبي الله إسماعيل عليه السلام إبن نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام القرشية العبشمية رضي الله عنها صحابية من صحابة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وتلتقي معه في الجد الثالث له عبد مناف بن قصي بن كلاب والذى يعد الجد الرابع لها وكان جدها الثالث عبد شمس بن عبد مناف بن قصي أخا شقيقا لهاشم بن عبد مناف بن قصي الجد الثاني للنبي محمد صلى الله عليه وسلم أما أمها فهي السيدة أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم القرشية الهاشمية عمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ويقال إنها كانت توأم عبد الله بن عبد المطلب والد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خلاف في أنها كانت شقيقة عبد الله وأبي طالب والزبير أولاد عبد المطلب وكانت شاعرة ولها قصيدة في رثاء أبيها عبد المطلب قالت فيها ألا يا عين جودى وإستهلي وبكي ذا الندى والمكرمات عقيل بني كنانة والمرجى إذا ما الدهر أقبل بالهنات وأغلب الظن أنها لم تدرك البعثة حيث كانت وفاتها قبلها ولكننا لا نعلم تاريخ وفاتها بالتحديد ولذا فهي تعد من أهل الفترة وهم من لم يبعث إليهم رسول وكل من لم تبلغه الدعوة أو بلغته على حال لا تقوم عليه الحجة بها كالمجنون ونحوه والراجح في أهل الفترة ومن في حكمهم ممن لم تبلغه الدعوة أنهم يمتحنون يوم القيامة وكانت الفترة هي المدة التي بين نبي الله عيسى عليه السلام ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم حيث لم يكن بينهما نبي كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أنا أولى الناس بإبن مريم الأنبياء أولاد علات وليس بيني وبينه نبي وفي صحيح البخارى عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه قال فترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم ستمائة سنة وقد تزوجت السيدة أم حكيم البيضاء في الجاهلية من أحد أبناء عمومتها وهو عفان بن أبي العاص بن أمية وأنجبت منه الصحابي والخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه وآمنة بنت عفان وكان من سادة قبيلة قريش وبني أمية وكان تاجرا ثريا وتوفي في شبابه قبل البعثة وترك ثروة كبيرة لزوجته وإبنه عثمان وإبنته آمنة ونمى عثمان هذه الثروة فكان من أغنى أغنياء قريش .
وبعد وفاة عفان بن ابي العاص تزوجت السيدة أروى بنت كريز رضي الله عنها من احد سادات قريش وبني أمية أيضا وهو عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب القرشي الأموى فهو يلتفي أيضا مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الجد الرابع للنبى قصي بن كلاب والذى يعد الجد الخامس له وأنجبت السيدة اروى رضي الله عنها منه ثلاثة أبناء وبنت هم الوليد وخالد وعمارة وأم كلثوم أولاد عقبة فهم إخوة لعثمان رضي الله عنه لأمه والذى كان من كبار مشركي قريش وكان شديد الإيذاء للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وكان يضع سلا الجزور وهي الأوساخ التي تخرج مع الجمل الصغير أثناء الولادة بطريق النبي محمد صلى الله عليه وسلم وحاول مرة خنقه بيده وكان خليلا لأمية بن خلف الجمحي والذى كان أيضا من كبار مشركي قريش وكان عقبة في البداية يجالس النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ولا يؤذيه وكان رجلاً حليما وكانت بقية قريش إذا جلسوا معه آذوه وكان قد صنع وليمة فدعا إليها قريشا ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن يأتيه إلا أن يسلم وكره عقبة أن يتأخر عن طعامه من أشراف قريش أحد فأسلم ونطق بالشهادتين فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكل من طعامه وكان خليله أمية بن خلف غائبا عنه بالشام فقالت قريش صبأ إبن أبي معيط ولما قدم خليله من الشام ليلا قال ما فعل خليلي إبن أبي معيط فقالوا صبأ فبات بليلة سوء فلما أصبح أتاه إبن أبي معيط فحياه فلم يرد عليه التحية فقال مالك لا ترد علي تحيتي فقال كيف أرد عليك تحيتك وقد صبوت فقال أو قد فعلتها قريش فقال نعم فقال عقبة رأيت عظيما ألا يحضر طعامي رجل من أشراف قريش فقال له أمية وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمدا فقال إبن أبي معيط فما يبرىء صدرك إن أنا فعلته فقال له خليله لا أرضى حتى ترجع تأتيه في مجلسه فتبصق في وجهه وتشتمه بأخبث ما تعلم من الشتم وتطأ عنقه ففعل عدو الله ما أمره به خليله طاعة لخليله وإرضاءا له ولما بصق عقبة في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع بصاقه في وجهه وشوى وجهه وشفتيه حتى أثر في وجهه وأحرق خديه فلم يزل أثر ذلك في وجهه حتى قتل فنذر النبي صلى الله عليه وسلم قتله حيث قال له يومها لا ألقاك خارجا من مكة الا علوت رأسك بالسيف فلما كان يوم بدر في شهر رمضان عام 2 هجرية وخرج أصحابه أبى أن يخرج فقال له أصحابه أخرج معنا قال وعدني هذا الرجل إن وجدني خارجا من جبال مكة أن يضرب عنقي صبرا فقالوا لك جمل أحمر لا يدرك فلو كانت الهزيمة طرت عليه فخرج معهم فلما هزم الله المشركين وحمل به جمله وقع في الأسر فقال للنبي صلى الله عليه وسلم أتقتلني قال نعم بما بصقت في وجهي وأنزل الله في عقبة بن أبي معيط وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي إتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا وقيل إن الذي قتله هو الصحابي عاصم بن ثابت الأنصارى الأوسي رضي الله عنه الذى حضر بيعة العقبة الثانية وشاهد مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم بدرا وأحدا وقتل يوم حادثة يوم الرجيع في شهر صفر عام 4 هجرية خيانة وغدرا وكان من الشهداء وذلك لما سمع ما فعله مع رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة قبل الهجرة وكان فد قتل أيضا خليله عدو الله ورسوله أمية بن خلف في المعركة على يد الصحابي الجليل ومؤذن الرسول بلال بن رباح رضي الله عنه ونفر من الأنصار فكان هذا من دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان قد أخبر عنهما بهذا فقتلا على الكفر .
وكان الصحابي عثمان بن عفان رضي الله عنه من أوائل من دخلوا في الإسلام في مكة المكرمة بعد بدء الدعوة إلى الإسلام حيث أسلم على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه وبايع النبي محمد صلى الله عليه على الإسلام ولما علمت أمه بإسلامه لم تنكر عليه هذا بل كانت تميل إلى نصرة النبي الكريم والدين الحنيف وقد وقفت وَقفَةً مباركة جريئة حفظتها ذاكرة التاريخ لها حيث يروى أن زوجها عقبة بن أبي معيط قد شكا عثمان إلى أمه فقال لها إن إبنك قد صار ينصر محمدا فلم تنكر ذلك من إبنها وقالت ومن أولى به منا أموالنا وأنفسنا دون محمد وكان إسلام السيدة أروى بنت كريز رضي الله عنها في العام السابع للهجرة بعد صلح الحديبية وهاجرت إلى المدينة المنورة وذلك بعد هجرة إبنتها أم كلثوم بنت عقبة والتي كانت قد أسلمت رضي الله عنها مبكرا عنها بمكة ولكنها أخفت ذلك عن أهلها وقومها بسبب خوفها منهم ومن رد فعلهم أمام إسلامها ولكنها كان كلما مر عليها يوم تتعلق بالإسلام أكثر فأكثر حتى أنه لم يعد يشغل تفكيرها سوى أمر واحد وهو الفوز برضاء خالقها والفوز بجنته وهكذا بقيت أم كلثوم في بيت أبيها وبعد مقتله في غزوة بدر التي وقعت في شهر رمضان في العام الثاني الهجرى زادت كراهية إخوتها للإسلام والمسلمين وكانت قد بلغت من العمر 17 عاما وكانت جميلة وتقدم لخطبتها أشراف شبان مكة وأغنى أغنياءها فكانت ترفضهم بحجة حزنها على أبيها وهي مسلمة تكتم إيمانها وتعبد الله بين مئات الكفار وتصبر وحلمها أن تهاجر للنبي صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة وخافت أم كلثوم أن يفتضح أمرها وتقتل على يد إخوتها فبدأت في التفكير في كيفية الهجرة إلى المدينة المنورة لتلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم لكي تعلن إسلامها وتعبد الله بكل حرية بلا خوف أو رعب من أهلها أو من مشركي قريش فإنتظرت وصبرت حتى حدث ما غير موازين أم كلثوم حيث أتى صلح الحديبية في شهر ذى القعدة عام 6 هجرية وكان من شروطه أن يرد النبي صلى الله عليه وسلم كل من يأتيه من مكة مسلما وتسمع أم كلثوم بشروط هذا الصلح فتبكي بكاءا مريرا لأنها فقدت الأمل في الهجرة للمدينة بعد هذا الشرط ويشتد الخناق عليها في مكة لكنها كانت قد قررت أن تهاجر إلى المدينة المنورة حتى لو أرجعها النبي إلى مكة فكانت رضي الله عنها أول من هاجر إلى المدينة المنورة بمفردها من النساء في أوائل العام السابع من الهجرة النبوية الشريفة حيث تحدت كل المصاعب وخاطرت بحياتها لتلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم حبا في الإسلام ونبي الإسلام صلى الله عليه وسلم دون أن تفكر في العواقب وما سيفعله أخواتها بها فحماها الله من الكفار بآيات أنزلها من السماء كما سنرى في السطور القادمة وكانت أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها لما عقدت العزم على الهرب بدينها والهجرة إلى المدينة المنورة كانت تخرج الى بادية لها فيها أهل فتقيم لديهم الثلاث والأربع أيام ثم تعود إلى أهلها بمكة المكرمة فكانوا لا ينكرون ذهابها إلى البادية ولما عزمت المسير إلى المدينة المنورة خرجت يوما من مكة المكرمة كأنها تريد البادية وبدأت رحلة الهجرة بمفردها قاطعة المسافات الطويلة دون أن يكون معها دليل أو من يحميها وبينما هي في طريقها إذ رأت قافلة لرجل من قبيلة خزاعة والتي كانت قد دخلت في حلف وعهد الرسول صلى الله عليه وسلم ضد قريش قي صلح الحديبية وعلمها بهذا الأمر جعل الأمان يدخل إلى قلبها فقالت لصاحب القافلة إني إمرأة من قريش وإني أريد اللحاق برسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة ولا علم لي بالطريق فقال لها الرجل أنا صاحبك حتى أوردك المدينة المنورة ثم جاءها ببعير فركبته فكان يقود بها البعير ولا يكلمها بكلمة حتى إذا أناخ البعير تنحى عنها فإذا نزلت جاء إلى البعير فقيده بشجرة وتنحى إلى ظل شجرة حتى اذا كان الرواح حدج البعير فقربه وولى عنها فإذا ركبت أخذ برأسه دون أن يلتفت وراءه حتى تنزل فلم يزل كذلك حتى قدمت المدينة المنورة وهي مطمئنة وكان ظنها بصاحب القافلة صحيح فقد اكرمها صاحب القافلة حتى لحقت برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم والمسلمين بالمدينة المنورة فقد كان نعم الصاحب في السفر فجزاه الله خيرا .
ولما وصلت أم كلثوم رضي الله عنها بسلامة الله إلى المدينة المنورة دخلت على أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها وكانت منتقبة فما عرفتها حتى ذكرت إسمها ونسبها وكشفت النقاب عن وجهها فعانقتها وقالت لها أم سلمة أهاجرت إلى الله ورسوله فقالت لها نعم وإني خائفة من أن يردني رسول الله إلى المشركين طبقا لشروط صلح الحديبية حيث كان من شروط هذا الصلح أن قريش قد إشترطت على الرسول صلى الله عليه وسلم أنه إذا هاجر أحد من قريش إلى المدينة المنورة يقوم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم برده وأضافت أم كلثوم وأنت تعلمين يا أم سلمة فإن حال الرجال غير حال النساء والقوم ربما يجيئون في الصباح يبحثون عني بعد أن غبت وطالت غيبتي عنهم ثمانية أيام منذ فارقتهم ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة فأخبرته بخبر أم كلثوم فَرحب بها الرسول صلى الله عليه وسلم وقالت أم كلثوم له يا رسول الله إني فررت بديني إليك فإمنعني ولا تردني إلي أهلي يفتنوني إليهم ويعذبونني وقد يقتلونني فَلا صبر لي على العذاب إنما أنا إمرأة وضعف النساء إلى ما تعرف وبالفعل فقد لحق بأم كلثوم في المدينة المنورة أخواها عمارة والوليد وطلبا من الرسول صلى الله عليه وسلم ردها وقاما بتذكيره بالشرط الموجود بعقد الصلح وقالا له إن هناك شروط متفق عليها بيننا وبينكم وأنت من نعلم لا تنقض عهدا ولا تخلف وعدا وتحير النبي صلى الله عليه وسلم في أمرها فالمروءة والشهامة والأخلاق تمنعه من إرجاعها مكة والعهد مع قريش يلزمه بإرجاعها وإشتعلت المدينة المنورة كلاما فكل الصحابة الكرام يرفضون إعادتها بينما الرسول صلى الله عليه وسلم صامت ينتظر الوحي من السماء وبالفعل فقد جاء الرد من السماء ونزل جبريل عليه السلام بالوحي من عند الله في أمر أم كلثوم رضي الله عنها قرآنا يتلى إلى يوم القيامة بسورة الممتحنة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله قد نقض العهد في النساء وأنزل في ذلك الآيات الأخيرة من سورة الممتحنة حيث قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم في الآية 10 في سورة الممتحنة بسم الله الرحمن الرحيم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَإمْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآَتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَإسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وبنزول هذه الآية كانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط هي الممتحنة الأولى في الإسلام فقد خرجت حبا في الله ورسوله وطلبا للإسلام لا حبا لزوج ولا لمال .
وعاشت أم كلثوم في المدينة بجوار النبي صلى الله عليه وسلم وذكر عنها رضي الله عنها أنها كانت تطيع النبي -محمد صلى الله عليه وسلم طاعةً تامةً وكانت رضي الله عنها لم تتزوج حتى هاجرت للمدينة المنورة وبعد الهجرة وفي المدينة المنورة تزوجت من الصحابي الجليل زيد بن حارثة رضي الله عنه ولما إستشهد رضي الله عنه في معركة مؤتة في شهر جمادى الأولى عام 8 هجرية تزوجت من بعده الصحابي الزبير بن العوام رضي الله عنه وتطلقت منه بعد أن أنجبت له زينب فتزوجها الصحابي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فأنجبت منه إبراهيم وحميد ومات عنها بعد ذلك فتزوجت من بعده الصحابي عمرو بن العاص رضي الله عنه وقد كان رضي الله عنه آخر زوج لها قبل وفاتها رضي الله عنها في عهد الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه وجدير بالذكر أن هجرة أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط رضي الله عنها إلى المدينة المنورة كانت فاتحة خير وبركة على بنات جنسها حيث كثر عدد المهاجرات اللاتي أتين المدينة المنورة بعدها فرارا من أذى الكفار يعاهدن النبي صلى الله عليه وسلم على الإيمان بالله والطاعة وكان إذا لحق بنبي الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة أحد من زوجات المشركين إمتحنها فكان يسألها ما أخرجك من قومك فإن تأكد من أنها خرجت تريد الإسلام فعلا قبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد على زوجها ما أنفقه عليها وإن وجدها فرت من زوجها إلى آخر بينها وبينه قرابة وهي متمسكة بالشرك ردها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زوجها المشرك وكان ممن هاجرن إلى المدينة المنورة في هذه الفترة السيدة أروى بنت كريز رضي الله عنها حيث لحقت بإبنتها أم كلثوم رضي الله عنها وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام .
وسر عثمان رضي الله عنه وأخته أم كلثوم بإسلام أمهما سرورا عظيما ومنذ إسلامها إحتلت أروى رضي الله عنها مكانا عليا بين صحابيات رسول الله صلى الله عليه وسلم وإكتنفتها البركات من كل جانب وأضحت يشار إليها بالبنان لما نالته من الإعظام والتكريم ويكفيها من الفضل أنَّها والدة ذى النورين وذى الهجرتين والمصلي إلى القبلتين وزوج الإبنتين الظاهرتين فقد تزوج عثمان من رقية وأم كلثوم بنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعلم أحد تزوج بنتي نبي غيره وبذلك تفردت أروى في هذا المضمار الكريم إذ كانت حماة أكرم وأعرق أختين فى الدُّنيا فأكرم بهذا الشَرف وأعظم به وذلك فضل الله يؤتيه مَن يشاء وعرفت السيدة أروى رضي الله عنها ايضا بالورع والتفوى وبالجود والكرم وإكرام الضيوف وذلك حتى قبل أن تسلم فقد أورد إبن حجر العسقلاني في الإصابة نقلا عن المرزباني في معجم الشعراء أن عفعال بن قيس بن عاصم التميمي المنقرى قَدِمَ مكة المكرمة في أيام الجاهلية قبل الإسلام فنزل ضيفا على السيدة أروى بنت كريز رضي الله عنها فلما أراد الرحيل مدحها قائلا خلف على أروى سلاما فإنما جزاء الثوى أن يعف ويحمدا سلاما أتى من وامق غير عاشق أراد رحيلا ما أعف وأمجد وقد إمتدت الحياة بالسيدة أروى رضي الله عنها حتى إشتعل رأسها شيبا ووهن العظم منها وماتت رضي الله عنها في حياة إبنها الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو خليفة فقد أخرج إبن سعد رحمه الله عن عبد الله بن حنظلة بن الراهب قال شهدنا أم الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنهما يوم ماتت فدفناها بالبقيع بعد الصلاة عليها بالمسجد النبوى الشريف ولما رجع إبنها عثمان رضي الله عنه صلى وحده في المسجد وصليت إلى جانبه فسمعته وهو ساجد يقول اللهم إرحم أمي اللهم إغفر لأمي وذكر إبن حجر العسقلاني رحمه الله أن السيدة أروى بنت كريز رضي الله عنها توفيت ولها من العمر تسعون سنة وكان إبنها الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه يقف على قبرها ويدعو لها رحمها الله رحمة واسعة وأسكنها فسيح جناته مع الأنبياء والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا .
ويتبقى لنا أن نذكر أن كلا من عقبة وخالد وعمارة أولاد عقبة بن أبي معيط والسيدة أروى بنت كريز رضي الله عنها قد ظلوا على الشرك حتي يوم فتح مكة المكرمة في شهر رمضان عام 8 هجرية حيث أسلم الثلاثة في هذا اليوم فكانوا من مسلمة الفتح وأصبحت لهم صحبة قصيرة مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم وكان أكبرهم الوليد بن عقبة وكان له ذكر كبير في التاريخ الإسلامي فقد بعثه النبي محمد صلى الله عليه وسلم لتحصيل صدقات بني المصطلق وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم شارك في الفتوحات الإسلامية على جبهة الشام في زمن الخليفة الرَاشد الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبعثه لتحصيل صدقات قبيلة تغلب وفي زمن الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه تم تعيينه واليا على الكوفة بدلا من سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عام 25 هجرية وأثناء ولايته على الكوفة إنتفض أهل أذربيجان فمنعوا ما كانوا قد صالحوا عليه واليها حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أيام الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه وثاروا على واليهم عتبة بن فرقد السلمي فأمر عثمان الوليد بن عقبة أن يغزوهم فأسرع إليه أهل أذربيجان طالبين الصلح على ما كانوا صالحوا عليه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه فأجابهم الوليد وأخذ طاعتهم وبث فيمن حولهم السرايا وشن عليهم الغارات فبعث عبد الله بن شبيل الأحمسي في جيش من أربعة آلاف جندى إلى نواحي أذربيجان وأرمينية حيث قبائل موقان والببر الطيلسان فأصاب من أموالهم وغنم وسبي ثم جهز سلمان بن ربيعة الباهلي في إثني عشر ألفا وبعثه إلى أرمينية فأخضعها وعاد منها ملء اليدين بالغنائم وإنصرف الوليد بن عقبة بعد ذلك عائدا إلى قاعدته في الكوفة ولكن أهل أذربيجان تمردوا أكثر من مرة بعد ذلك فكتب الأشعث بن قيس والي أذربيجان إلى الوليد بن عقبة فأمده بجيش من أهل الكوفة وتتبع الأشعث الثائرين وهزمهم هزيمة منكرة فطلبوا الصلح فصالحهم على صلحهم الأول وخاف الأشعث أن يعيدوا الكرة فوضع حامية قوية من العرب وجعل لهم عطايا وسجلهم في الديوان وأمرهم بدعوة الناس إلى الإسلام ولما تولى أمر الكوفة سعيد بن العاص بعد ذلك في عام 30 هجرية عاد أهل أذربيجان وتمردوا على الوالي الجديد فبعث إليهم الصحابي جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه فهزمهم وقتل رئيسهم ثم إستقرت الأمور بها بعد أن أسلم أكثر شعبها وتعلموا القرآن الكريم .
وعندما إنتهى الوليد بن عقبة من مهمته في أذربيجان وعاد إلى الكوفة جاءه أمر من الخليفة عثمان رضي الله عنه نصه أما بعد فإن معاوية بن أبي سفيان كتب إلي يخبرني أن الروم قد تجمعت للحرب على المسلمين بجموع عظيمة وقد رأيت أن يمدهم إخوانهم من أهل الكوفة فإذا أتاك كتابي هذا فإبعث رجلا ممن ترضى نجدته وبأسه وشجاعته وإسلامه في ثمانية آلاف أو تسعة آلاف أو عشرة آلاف إليهم من المكان الذى يأتيك فيه رسولي والسلام فقام الوليد في الناس فخطب فيهم حتى خرج ثمانية آلاف رجل من أهل الكوفة فمضوا حتى دخلوا ومعهم أهل الشام إلى أرض الروم وكان على جند أهل الشام حبيب بن مسلمة بن خالد الفهرى وعلى جند أهل الكوفة سلمان بن ربيعة الباهلي فشنوا الغارات على أرض الروم فأصاب الناس ما شاؤوا من سبي وملأوا أيديهم من المغنم وإفتتحوا بها حصونا كثيرة وقد ظل الوليد بن عقبة واليا على الكوفة مدة خمس سنوات إلى أن شهد إثنان من أهل الكوفة على أنه قد شرب الخمر فإستدعاه الخليفة عثمان بن عقان رضي الله عنه وأقام عليه الحد وعزله عن ولاية الكوفة وقد ذكر الطبرى أنه تعصب عليه قوم من أهل الكوفة بغيا وحسدا فشهدوا عليه زورا أنه قد شرب الخمر ولم يكن أمام الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه إلا أن يقيم عليه الحد ويعزله وتم جلده أربعين جلدة وقال له عثمان رضي الله عنه يا أخي إصبر فإن الله يأجرك ويبوء القوم بإثمك وبعد مقتل أخيه الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه في شهر ذى الحجة عام 35 هجرية رفض الفتنة التي نشبت بين الخليفة الرَاشد الرَابع الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقريبه والي الشام آنذاك الصحابي معاوية بن أبي سفيان حيث كان كلاهما من بني أمية وذلك بسبب الخلاف على توقيت تنفيذ القصاص من قتلة الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه ولم يحارب الوليد بن عقبة أو ينحاز في صف أحد منهما وإستقر معتزلا في منطقة الجزيرة بين العراق والشام وتحديدا في نواحي الرقة بسوريا المعاصرة حاليا وكانت وفاته عام 60 أو 61 هجرية على الأرجح في أواخر عهد الخليفة الأموى الأول معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أو في بداية عهد الخليفة الأموى الثاني يزيد بن معاوية بن أبي سفيان رحم الله الوليد بن عقبة رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته مع الأنبياء والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا .
|