بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com
موسوعة كنوز “أم الدنيا"
هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر والمكنى بقريش بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان وهو من نسل نبي الله إسماعيل عليه السلام بن أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام القرشية العبشمية رضي الله عنها صحابية من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وهي إحدى نساء العرب اللاتي كانت لهن شهرة عالية قبل الإسلام وبعده وكانت قبل إسلامها من أشد أعداء الإسلام وتأخر إسلامها حتى يوم فتح مكة في شهر رمضان عام 8 هجرية ومنذ أن أسلمت حسن إسلامها وخرجت للجهاد في سبيل الله تحت راية الإسلام في فتوحات الشام وهي تلتقي مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الجد الثالث عبد مناف بن قصي بن كلاب وكان أبوها عتبة بن ربيعة أحد سادات قومه بني عبد شمس وأحد سادات قبيلة قريش ووجهاء مكة في الجاهلية وكان معروفا بحكمته ورزانته وحلمه وسداد رأيه خطيبا مفوها نافذ القول ضخم الجثة عظيم الهامة وكان أيضا من أشد أعداء الإسلام ومات على الكفر يوم غزوة بدر في شهر رمضان عام 2 هجرية في بداية الغزوة مبارزة على يد أسد الله وسيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه عم النبي صلى الله عليه وسلم أما أمها فكانت صفية بنت أمية بن حارثة بن الأوقص بن مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان وتلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجد السابع عشر مضر بن نزار بن معد بن عدنان وهو الذى إنحدرت منه قبيلة كنانة التي إنحدرت منها قبيلة قريش وكان لها عدة أخوة وأخوات منهم الوليد بن عتبة والذى مات على الكفر يوم غزوة بدر أيضا في بداية الغزوة مبارزة على يد الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو حذيفة بن عتبة وكان من السابقين إلى الإسلام وشهد بدرا وأحدا والخندق وخيبر وفتح مكة وحنين وحصار الطائف وتبوك وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم شارك في حروب الردة في عهد الخليفة الراشد الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه وإستشهد في معركة اليمامة آخر حروب الردة ضد مسيلمة الحنفي المعروف بالكذاب الذى كان قد إدعى النبوة في شهر شوال عام 11 هجرية وكان من أخوة هند بنت عتبة أيضا الصحابي أبو هاشم بن عتبة رضي الله عنه والصحابية فاطمة بنت عتبة رضي الله عنها والصحابية أم أبان بنت عتبة رضي الله عنها زوجة الصحابي أبان بن سعيد بن العاص رضي الله عنه الذى إستشهد في فتوحات الشام بمعركة إجنادين ضد الروم عام 13 هجرية والتي قادها سيف الله المسلول خالد بن الوليد رضي الله عنه في أواخر عهد الخليفة الراشد الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه فتزوجها من بعده الصحابي الجليل طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أحد العشرة المبشرين بالجنة .
وكان لعتبة بن ربيعة والد هند موقف شهير مع النبي صلى الله وسلم عندما جلس معه في صحن الكعبة وبدأ حواره مع النبي ولأنه كان ذكيًا فقد بدأ عتبة بن ربيعة الكلام وقد رتبه ونظمه ونوّع فيه بين الإغراء والتهديد وبين مخاطبة العقل ومناجاة القلب بهدف أن يتوقف النبي عن الدعوة إلى الإسلام وكان النبي يتفهم مثل هذا الأسلوب جيدا وكان يعلم أن هذه مساومة على الدين قأخذ يسمعه وتركه يقول كل ما عنده ولم يقاطعه حتى أنهى عتبة كلامه بقوله يا إبن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت تريد به شرفًا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا وإن كان هذا الذى يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يُداوى منه وكان عتبة يقدم هذه العروض وهو يرى أنه يقدم أكبر تنازل قد حدث في تاريخ مكة كلها فقال النبي صلى الله عليه وسلم له أقد فرغت يا أبا الوليد فأجابه عتبة نعم وهنا قال له النبي فإسمع مني فقال عتبة أفعل ولم يكن عتبة ليستطيع أن يرفض السماع حيث كان مضطرا لأن يسمع حتى وإن كان على غير مراده وفي محاولة لتعليم وهداية عتبة بدأ النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الحديث فقرأ عليه آيات من سورة فصلت تصف إعراض المشركين عن الدعوة إلى الإسلام وتنذر المشركين بالويل والعذاب الشديد حتى وصل إلى قوله تعالى فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ وهنا إستبد الرعب والهلع والخوف بعتبة وكاد قلبه ينخلع وشعر وكأن صاعقة ستنزل عليه في لحظة أو في لحظات وفي حالة نسي فيها أمر عدائه ونسي أمر المفاوضات بل نسي مكانته وهيبته قام فزعا وقد وضع يده على فم النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو يقول أنشدك الله والرحم أنشدك الله والرحم ومن فوره قام عتبة يجر ثوبه يتبعثر فيه مهرولا إلى قومه لا ينظر خلفه وعيناه زائغتان وأنفاسه متقطعة حتى دخل على زعماء قريش فقال بعضهم نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذى ذهب به وحين جلس إليهم قالوا ما وراءك يا أبا الوليد فبدأ يحكي تجربته ويتحدث وكأنه أحد الدعاة للإسلام فقال ورائي أني سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة يا معشر قريش أطيعوني وإجعلوها بي وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فإعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذى سمعت منه نبأٌ عظيم فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به وفي ذهول تام ردوا عليه وقالوا سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه فأجابهم برأيه متمسكا هذا رأيي فيه فإصنعوا ما بدا لكم ومع ذلك فقد عاند الإسلام ولم يؤمن به ومات على الكفر .
وقد تزوجت هند بنت عتبة في الجاهلية الفاكه بن المغيرة بن عبد الله المخزومي القرشي وكان له بيت للضيافة يغشاه الناس فيه بلا إذن فقام يوما في ذلك البيت وهند زوجته معه ثم خرج عنها وتركها نائمة فجاء بعض من كان يغشى البيت فلما وجد المرأة نائمة ولى عنها فإستقبله الفاكه بن المغيرة فدخل على هند وأنبهها وقال من هذا الخارج من عندك قالت والله ما إنتبهت حتى أنبهتني وما رأيت أحدا قط فقال لها إلحقي بأبيك وخاض الناس في أمرهما فقال لها أبوها يا بنية أنبئيني شأنك فإن كان الرجل صادقا دسست عليه من يقتله فينقطع عنك العار وإن كان كاذبا حاكمته إلى بعض كهان اليمن فقالت والله يا أبت إنه لكاذب فخرج عتبة وقابل الفاكه وقال له إنك رميت إبنتي بشيء عظيم فإما أن تبين ما قلت وإلا فحاكمني إلى بعض كهان اليمن فقال ذلك لك فخرج الفاكه في جماعة من رجال قريش ونسوة من بني مخزوم وخرج عتبة في رجال ونسوة من بني عبد مناف فلما شارفوا بلاد الكاهن تغير وجه هند وكسف بالها فقال لها أبوها أى بنية ألا كان هذا قبل أن يشتهر في الناس خروجنا فقالت يا أبت والله ما ذلك لمكروه قبلي ولكنكم تأتون بشرا يخطئ ويصيب ولعله أن يسمني بسمة تبقى على ألسنة العرب فقال لها أبوها صدقت وواصل الركب مسيره فلما نزلوا على الكاهن أكرمهم ونحر لهم ثم قال له عتبة فلتنظر في أمر هؤلاء النسوة فجعل يمسح رأس كل واحدة منهن ويقول قومي لشأنك حتى إذا بلغ إلى هند مسح يده على رأسها وقال قومي غير رسحاء ولا زانية وستلدين ملكا يسمى معاوية فلما خرجت أخذ الفاكه بيدها فنزعت يده من يدها وقالت والله لأحرصن أن يكون ذلك الولد من غيرك ثم تطلقت منه وقالت لأبيها يا أبت إنك زوجتني من هذا الرجل ولم تؤامرني في نفسي فعرض لي معه ما عرض فلا تزوجني من أحد حتى تعرض علي أمره وتبين لي خصاله ثم خطبها سهيل بن عمرو العامرى القرشي وأبو سفيان بن حرب الأموى القرشي من ابيها فعرض عليها الأمر فقالت يا أبت فسر لي أمرهما وبين لي خصالهما حتى أختار لنفسي أشدهما موافقة لي فبدأ يذكر سهيل بن عمرو فقال أما أحدهما ففي وسط من العشيرة وثروة من العيش إن تابعته تابعك وإن ملت عنه حط عليك تحكمين عليه في أهله وماله وأما الآخر فموسع عليه منظور إليه في الحسب والحسيب والرأى الأريب مدره أرومته وعز عشيرته شديد الغيرة كثير الطيرة لا ينام على ضعة ولا يرفع عصاه عن أهله فقالت يا أبت الأول سيد مضياع للحرة فما عست أن تلين بعد إبائها وتصنع تحت جناحه إذا تابعها بعلها فأشرت وخافها أهلها فأمنت فساءت عند ذلك حالها وقبح عند ذلك دلالها فإن جاءت بولد أحمقت وإن أنجبت فعن خطأ ما أنجبت فإطو ذكر هذا عني ولا تسمه لي وأما الآخر فبعل الفتاة الخريدة الحرة العفيفة وإني للتي لا أريب له عشيرة فتغيره ولا تصيبه بذعر فتضيره وإني لأخلاق مثل هذا لموافقة فزوجنيه فزوجها من أبي سفيان بن حرب وكان من أبناء عمومتها حيث أنه يلتقي معها في الجد الثاني عبد شمس بن عبد مناف بن قصي فولدت له مؤسس الدولة الأموية الخليفة الأموى الأول معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه .
ومن هذا الإختيار يبدو ذكاء هند الوقَّاد وحصافة عقلها في حسن سبرها للرجال وتقديرها لهم يوم خيرت بين الرجلين أبي سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو فالمرأة العادية ترى في النوع الأول من الرجال منيتها فهو سمح لين جواد حسن المعاملة لزوجته لدرجة الضعف والإنقياد لها بينما تخشى المرأة العادية من النوع الثاني من الرجال فهو قاس في معاملته لا تستطيع أن تصل إلى مآربها لقوة شخصيته التي تقف سدا منيعا دون أهوائها وملذَّاتها وتعاني من شدة غيرته وتطيره الأمرين في تأويل كل تصرف لها بسوء وقمعها عن كل تحرك عادى يمكن أن يرى به خروجا عن الجادة أما المرأة الحصيفة التي يحركها المجد وتستهويها السيادة فترفض ذلك المطواع لها زوجها لأن الناس سيتندرون به في مجالسهم وهي تقبل بسوط ذلك الوعر القاسي الذى يشهد له قومه بعزته ومنعته وتقبل مراقبته لها حتى لو وجدت في ذلك عنتا ورهقا طمعا في جانب آخر تعتز فيه وهو أن يكون حاميا لنسائه يذود عنهن بالدم والروح وكانت هند بنت عتبة من الطراز الثاني من النساء اللاتي يرين في حسن السمعة والأحدوثة وشرف المجد ما يضحى بكل شيء في سبيلها ثم هي ترفض القبول السهل لأبي سفيان حتى لا يظن أنه نال فتاة عادية من غير جهد فلا يشعر بكرامتها على أبيها وفي نفس الوقت ترفض التعنت حتى لا ينصرف عنها وهي وامقة لخلاله معجبة بخصاله فقالت لأبيها ولا تلقني إليه إلقاء المستسلس السلس ولا تساومه بي مساومة المجاذبة بين البائع والمشترى على الثمن غير أن ختام حديثها يعطينا جانبا جديدا من جوانب شخصيتها فهي تقول وإستخر الله في السماء يخر لك بعلمه في القضاء وكان معنى الإستخارة في المفهوم الجاهلي هو الإستسقام بالأزلام وهذا يعني أننا أمام سيدة عريقة في جاهليتها محافظة على وثنيتها وكانت هذه التقاليد متغلغلة في أعماقها وهذا ما يضيء لنا معالم الطريق الوعر العنيف الذى سارت به كل من هند وزوجها أبو سفيان ضد الدعوة المحمدية الجديدة ويفسر لنا مدى كراهيتهما ومعاداتهما ومحاربتهما للدين الجديد بكل قوة وتأخر إسلامهما حتي يوم الفتح أى بعد حوالي 21 سنة من بدء الدعوة .
وبالفعل لما بدأ النبي صلى الله عليه وسلم الدعوة إلى الإسلام وقفت هند وزوجها أبو سفيان موقفا معاديا للإسلام وبعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة المنورة وكانت غزوة بدر في شهر رمضان عام 2 هجرية قتل في بدايتها أبوها عتبة بن ربيعة وأخوها الوليد بن عتبة بن ربيعة وعمها شيبة بن ربيعة قكان مصابها فادحا ومن العجيب أنها مع فداحة مصابها كان لهند وهي على جاهليتها موقف مع زينب بنت رسول الله صلى اللَّه عليه وسلم بعد غزوة بدر يدل على المروءة والشهامة وكانت دماء قريش لم تجف بعد وكانت تطوف على مجالس قريش وأنديتها تذكي نار الثأر وتؤجج أوار الحرب فقد كانت زينب بمكة مع زوجها أبي العاص بن الربيع وكان قد اسر وإفتدته زوجته وطلب منه الرسول أن يرسل إليه زينب بالمدينة المنورة وأرسل من يأتيه بها وحدث أن إلتقت بزينب في الطريق وكان قد تسرب خبر إستعدادها للخروج لأبيها فقالت هند أى بنت محمد بلغني أنك تريدين اللحاق بأبيك أى إبنة عمي إن كانت لك حاجة بمتاع مما يعينك في سفرك أو بمال تبلغين به إلى أبيك فعندى حاجتك فلا تستحي مني فإنه لا يدخل بين النساء ما يكون بين الرجال وتروى زينب رضي الله عنها ذلك وتقول ووالله ما أراها قالت إلا لتفعل ثم لما كان يوم خروج زينب رضي الله عنها من مكة المكرمة تعرض لها رجال من قريش يريدون إرجاعها فسقطت من على ناقتها وكانت حاملا فنزفت وسقط حملها وتسمع هند ما حدث فتخرج مسرعة وتقول لقومها أين كانت شجاعتكم يوم بدر وتحول بينهم وبين زينب رضي الله عنها وتضمها إليها وتمسح عنها ما بها وتصلح شأنها حتى إستأنفت الخروج إلى أبيها بالمدينة المنورة في أمن وأمان وفي العام التالي وفي شهر شوال عام 3 هجرية كانت غزوة أحد وكان يقود جيش قريش زوجها أبو سفيان بن حرب وشهدتها معه ويومها قالت مرتجزة نحن بنات طارق نمشي على النمارق والدر في المخانق والمسك في المناطق إن تقبلوا نعانق ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق فراق غير وامق وقالوا أرادت بقولها بنات طارق أى نحن بنات النّجم وقيل إنه لما إستشهِد حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه مثلت به وشقت بطنه وإستخرجت كبده فلاكتها فلم تطق إسَاغتها فلفظتها فبلغ ذلك النبي محمد صلى الله عليه وسلم فقال لو أساغتها لم تمسها النار وفي الحقيقة فإن أغلب الروايات تكذب ذلك وأنها ما أكلت كبد حمزة ولم يكن وحشي بن حرب قاتله غلاما لها بل كان غلاما لجبير بن مطعم بن عدى وكان لم يدخل في الإسلام بعد وما يزال على الشرك وهو الذى حرضه على قتل حمزة كما هو ثابت في كتاب صحيح البخارى ووعده بمنحه حريته إن فعل وعموما فقد أسلمت هند بنت عتبة رضي الله عنها بعد ذلك وحسن إسلامها والإسلام يجب ما قبله وأيضا أسلم كل من جبير بن مطعم ووحشي رضي الله عنهما وحسن إسلامهما وبعد غزوة أحد ظلت هند بنت عتبة وزوجها أبو سفيان على الشرك حتى يوم فتح مكة في شهر رمضان عام 8 هجرية وفي هذا اليوم أسلم زوجها أبو سفيان ودخل مكة بعد أن قابل النبي صلى الله عليه وسلم على مشارفها وأسلم بين يديه وصرخ بأعلى صوته يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن فقامت إليه زوجته هند بنت عتبة فأخذت بشاربه وقالت إقتلوا الحميت أى وعاء السمن الدَسِم الأَحْمس أى الكثير اللحم فقال أبو سفيان لا يغرنكم هذه من أنفسكم فإنه قد جاءكم بما لا قبل لكم به فمن دخل دارى فهو آمن قالوا قبحك الله وما تغني دارك قال ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد .
وكانت هند من النساء الأربعة الذين أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمهم يوم الفتح وكان الثلاثة الآخرون إمرأة تسمى سارة كانت مولاةٌ لبعض بني عبد المطلب وقينتان لعبد الله إبن خطل والذى كان من الرجال الذين أهدر الرسول دمهم أيضا كانتا تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد إسلام أبي سفيان شرح الله صدر زوجته هند للإسلام وقالت له إني أريد أن أُبايع محمدا فقال قد رأيتك تكذبين هذا الحديث أمس فقالت والله ما رأيت الله عبد حق عبادته في هذا المسجد قبل الليلة والله إن باتوا إلا مصلين فقال فإنك قد فعلت ما فعلت فإذهبي برجل من قومك معك فذهبت إلى عثمان بن عفان وقيل إلى أخيها أبو حذيفة بن عتبة فذهب معها فإستأذن لها فدخلت وهي منتقبة والرسول يقول لنساء جئن يبايعنه تبايعنني على أَن لاَ تشركن بالله شيئا ولا تزنين قالت هند وهل تزني الحرة وتسرق فلما قال ولا تقتلن أَولادكن قالت ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا ثم تكلمت فقالت يا رسول الله الحمد لله الذى أظهر الدين الذى إختاره لنفسه لتنفعني رحمك يا محمد إني امرأة مؤمنة بالله مصدقة برسوله ثمّ كشفت عن نقابها وقالت أنا هند بنت عتبة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مرحبا بك وعفا عنها فقالت والله ما كان على الأرض أهل خباء أحب إلي من أن يذلوا من خبائك ولقد أصبحت وما على الأرض أهل خباء أحب إلي من أن يعزوا من خبائك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وزيادة وقرأ على النساء الحاضرات القرآن وبايعهن فقالت هند من بينهن يا رسول الله نماسحك فقال إني لا أصافح النساء إن قولي لمائة إمرأة مثل قولي لإمرأة واحدة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمس يد إمرأة إلا زوجاته أو إمرأة كانت من محارمه وشكت هند بنت عتبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجها أبا سفيان بن حرب وقالت إنه شحيح لا يعطيها من الطعام ما يكفيها وولدها فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم خذى من ماله بالمعروف ما يكفيك وولدك وقال أبو سفيان لما علم بذلك فما أصبت من مالي فهو حلال لك ولما عادت هند إلى بيتها جعلت تضرب صنما كان لديها بالقدوم حتى فلذته فلذة فلذة وهي تقول كنا منك في غرور وقال إنها يوم إسلامها أهدت إلى رسول الله صلى اللَّه عليه وسلم جديين وإعتذرت من قلة ولادة غنمها فدعا لها بالبركة في غنمها فكثرت فكانت تهب منها وتقول هذا من بركة رسول الله صلى اللَّه عليه وسلم فالحمد لله الذى هدانا للإسلام .
وبعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم خرجت هند بنت عتبة مع زوجها أبي سفيان للجهاد في سبيل الله لما بدأت فتوحات الشام في عهد الخليفة الراشد الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه وشاركا في معركة اليرموك في شهر رجب عام 13 هجرية تحت قيادة سيف الله المسلول خالد بن الوليد رضي الله عنه حيث كانت هند تعد قائدة النساء وكلفها خالد بالوقوف خلف الجيش مع باقي النساء فإذا ما رأوا جنديا يفر من المعركة فعليهن أن يضربن قوائم فرسه بأعمدة الخيام لكي يعود إلى المعركة مع حثه على مواصلة القتال والدفاع عن دين الله فجعلت تقول عضدوا الغلفان بسيوفكم معشر المسلمين أما أبو سفيان فقد كانت مهمته تحفيز الجنود في المعركة بصوته العالي والنداء عليهم بنصرة الإسلام والقتال دفاعا عن دين الله قائلا يا نصر الله إقترب وأصيب يومها في إحدى عينيه وسبحان مغير الأحوال فهند بنت عتبة وزوجها أبو سفيان بن حرب يقفان في اليرموك يدافعان عن دين الله وهما من وقفا يحاربان الإسلام ونبي الإسلام سنين طويلة وهنا تتجلى عظمة الإسلام الدين السمح الذى يستوعب ألد أعدائه طالما دخلوا فيه وآمنوا بالله ورسوله وإنقلبوا من كارهين له إلى محبين يدافعون عنه ويجاهدون في سبيل الله وبعد اليرموك وتحقيق النصر على الروم ظلت هند بنت عتبة وزوجها أبو سفيان رضي الله عنهما يجاهدان في سبيل الله بعد اليرموك في فتوحات الشام في جيش يزيد بن أبي سفيان رضي الله عنه حتى توفاها الله وهناك إختلاف في عام وفاتها حيث هناك قول بأنها توفيت في بدايات عهد الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أوائل عام 14 هجرية وهناك قول آخر يفيد بأن وفاتها كانت بعد عام 18 هجرية أو 19 هجرية بعد وفاة إبن زوجها يزيد بن أبي سفيان رضي الله عنه في طاعون عمواس الذى إنتشر في الشام في عام 18 هجرية حيث قيل لما ولى عمر بْن الخطاب يزيد بن أبي سفيان ما ولاه من الشام خرج إليه معاوية فقال أبو سفيان لزوجته هند كيف ترين صار إبنك تابعا لابني فقالت إن إضطرب حبل العرب فستعلم أين يقع إبنك مما يكون فيه إبني ويوم أن مات يزيد جاء عمر بن الخطاب إلى أبي سفيان فإذا هند بنت عتبة رضي الله عنها إمرأته تهيئ أُهبه لها في المدينة فقال أين أبو سفيان فقالت هند ها هو ذا وكان في ناحية من البيت فقال عمر إحتسبا وإصبرا فقالا من يا أمير المؤمنين قال يزيد بن أبي سفيان فقالا من إستعملت على عمله قال معاوية بن أبي سفيان فقالا وصلتك رحم وإنا لله وإنا إليه راجعون وقالت هند لمعاوية والله يا بني إنه لقل ما ولدت حرة مثلك وقد إستنهضك هذا الرجل فإعمل بموافقته أحببت ذلك أم كرهت وقال له أبو سفيان يا بني إن هؤلاء الرهط من المهاجرين سبقونا وتأخرنا فرفعهم سبقهم وقصر بنا تأخرنا فصاروا قادة وصرنا أتباعا وقد ولوك جسيما من أمورهم فلا تخالفهم فإنك تجري إلى أمد فنافس فيه فإن بلغته أورثته عقبك وروى ايضا أن الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب نهى أبا سفيان عن رش باب منزله بمكة لئلا يمر الحجاج فيزلقون فيه فلم ينته ومر عمر فزلق ببابه فعلاه بالدرة وقال ألم آمرك أن لا تفعل هذا فوضع أبو سفيان سبابته على فيه فقال عمر الحمد لله الذىي أراني أبا سفيان ببطحاء مكة المكرمة أضربه فلا ينتصر وآمره فيأتمر فسمعته هند بنت عتبة فقالت أحمده يا عمر فإنك إن تحمده فقد أوتيت عظيما وروى أيضا أنه زار أبو سفيان إبنه معاوية بالشام فلما رجع من عنده دخل على الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال أجزنا أبا سفيان قال ما أصبنا شيئاً فنجيزك منه فأخذ عمر خاتمه فبعث به إلى هند وقال للرسول قل لها يقول لك أبو سفيان إنظرى إلى الخرجين اللذين جئت بهما فأحضريهما فما لبث عمر أن أتاه الرسول بخرجين فيهما 10 آلاف درهم فطرحهما عمر رضي الله عنه في بيت المال فلما ولي الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه ردهما عليه فقال أبو سفيان والله ما كنت لآخذ مالا عابه علي عمر وأخيرا كانت وفاة أبي سفيان عام 31 هجرية في عهد عثمان بن عفان عن عمر يناهز التسعين عاما .
|