بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com
موسوعة كنوز “أم الدنيا"
فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر المكنى بقريش بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن نبي الله إسماعيل عليه السلام بن نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام الهاشمية القرشية صحابية من صحابة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وتلتقي معه في الجد الثاني هاشم بن عبد مناف بن قصي حيث كان أبوها أسد أخا لعبد المطلب بن هاشم الجد الأول للنبي صلى الله عليه وسلم وكانت من السابقين إلى الإسلام حيث أسلمت بعد عشرة من المسلمين وكانت الحادية عشرة منهم والثانية من النساء بعد أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها الزوجة الأولى للرسول محمد صلى الله عليه وسلم وكان ميلادها عام 548م في مكة المكرمة قبل عام الفيل بحوالي 23 عاما ونشأت في منزل والدها أسد بن هاشم الذى كان يوصف بالشجاعة والذكاء وأمها هي فاطمة بنت قيس بن هرم بن رواحة بن حجر بن عبد بن بغيض بن عامر بن لؤى بن غالب بن فهر أى أنها تلتقي مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الجد الثامن لؤى بن غالب وكان لها من الأخوة حنين وخالدة ولم تذكر لنا المصادر أى معلومات عن سيرتهما وعن تاريخ ميلادهما ووفاتهما سوى أن حنين كان له من العقب عبد الله والذى قيل إنه كان مولى لعم النبي صلى الله عليه وسلم العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه وأنه كان من الطبقة الثانية من رواة الحديث والتي تشمل كبار التابعين وهم أصحاب الصحابة الذين لم يرووا عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة بل رووا عن صحابته رضوان الله عليهم وقد تزوجت فاطمة بنت أسد رضي الله عنها من إبن عمها أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم عم النبي صلى الله عليه وسلم وروى أنه تقدم لخطبتها من أبيها أسد بن هاشم ووقف قائلا له بعد أن حمد الله وأثنى عليه وذكر فضائل ومناقب بني هاشم بن عبد مناف عائلته وعشيرته وإنتسابهم إلى النبيين الكريمين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وطهارة أصلابهم معاشر قريش ثم قال إنني ممن طاب محتده وطهر مقعده وعرف مولده وعزت جرثومته وطابت أرومته ذؤابة الذوائب وسيد الأعارب وقد تقدمت لخطبة إبنتك فاطمة بنت أسد وسقت إليها المهر وثبت الأمر وخاطب الحضور قائلا إسمعوا وإشهدوا فوافق عمه أسد على زواج فاطمة رضي الله عنها إبنته منه قائلا أنت أبا طالب بحيث المنصب الذى ذكرت والفضل الذى وصفت وقد زوّجناك ورضيناك ثم زفّت إليه وكانت أول إمرأة هاشمية تتزوج رجلا هاشميا وبعد الزواج أنجبت لزوجها أبي طالب أكبر أبنائه طالب الذى كني به حيث كان إسمه الأصلي عبد مناف وغير معلوم لدينا بدقة موته على الكفر أو دخوله في الإسلام وأنجبت فاطمة رضي الله عنها له أيضا الصحابة الكرام عقيل وجعفر والإمام علي بن أبي طالب والصحابيات أم هانئ وجمانة وأم طالب رضي الله عنهم جميعا .
وكان ميلاد طالب أكبر أبناء أبي طالب وزوجته فاطمة بنت أسد في عام الفيل وهو نفس عام ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم والذى لما ولد فرحت فاطمة بذلك وروى أنها رأت دلائل النبوة عليه فأخبرت أبا طالب بذلك فقد روى العالم الشيعي الشيخ محمد بن يعقوب الكليني المتوفى عام 329 هجرية في كتابه المعروف الكافي عن الإمام جعفر الصادق المتوفى عام 148 هجرية وهو إمام من أئمة المسلمين وعالم جليل وعابد فاضل من ذرية الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب وله مكانة جليلة عظيمة لدى جميع المسلمين ولقب بالصادق لأنه لم يعرف عنه الكذب أنها كانت حاضرة مع والدة النبي صلى الله عليه وسلم السيدة آمنة بنت وهب أثناء الولادة فلما ولد النبي فُتح لآمنة إيوان كسرى فارس وقصور الشام فأسرعت فاطمة لتخبر أبا طالب بذلك فقال لها أتتعجبين من هذا إِنك تَحبلين وتلدين بِوصيه ووزيره يعني علي بن أبي طالب وتوفيت السيدة آمنة بنت وهب بعد ذلك وكان عمر النبي 6 سنوات فكفله جده عبد المطلب بن هاشم والذى توفي بعد سنتين وكان عمر النبي آنذاك 8 سنوات وقبل أن يموت عبد المطلب جد النبي أوصى أبا طالب بأن يكفله حيث كان أبو طالب أخا شقيقا من الأب والأم لعبد الله بن عبد المطلب والد النبي فجاء أبو طالب لزوجته فاطمة وقال لها إعلمي أنّ هذا إبن أخي وهو أعز عندى من نَفسي ومالي وإياك أن يتعرض عليه أحد فيما يريد فتبسمت من قوله وقالت له توصيني في وَلدى محمد وإنه أحب إلي من نفسي وأولادى ففرح أبو طالب بذلك فكانت فاطمة رضي الله عنها تعامله كأنه إبنها فكانت تخدمه وتكرمه فكان يحبها ويحترمها وكان يدعوها بالأم لكثرة إحسانها له وبرها به وعطفها عليه ويذكر العالم الشيعي قطب الدين الراوندى المتوفى عام 573 هجرية رواية لا نعلم مدى صحتها ولكنها قد تكون من معجزات النبوة قال فيها إن فاطمة بنت أسد كانت تجمع الرطب الذى يسقط من نخلة في بستان بيتها للنبي وفي إحدى المرات نسيت أن تلتقط له شيئا منها فجاء النبي ليأخذ الرطب فوجد أن الصبيان قد دخلوا وأكلوا جميع ما سقط فذهب لإحدى النخيل فإنحنت له حتى أخذ منها ما يريد فتعجبت فاطمة من ذلك وأخبرت أبا طالب فقال لها وإنما سيكون نبيا وأنت تلدين وزيره بعد ثلاثين فولدت الإمام علي رضي الله عنه بعد ذلك .
وفي أحد الأعوام وبعد أن تزوج النبي صلى الله عليه وسلم من أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها أصاب أهل مكة جدب شديد وقحط أجحف بذوى المروءة وأضر بذوى العيال ضررا شديدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه وكان من أيسر وأغنى بني هاشم يا عم إن أخاك أبا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترى فإنطلق بنا إلى بيته لنخفف من عياله فتأخذ أنت رجلا واحدا وآخذ أنا رجلا فنكفلهما عنه فوافق العباس رضي الله عنه وقال له أفعل فإنطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا له إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه فقال لهما أبو طالب إذا تركتما لي عقيلا وطالبا فإصنعا ماشئتما فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وضمه إليه وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه فلم يزل علي مع رسول الله وجعفر مع العباس حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم نبيا فإتبعه علي وجعفر وآمنا به وصدقاه وبذلك رد النبي صلى الله عليه وسلم الجميل لعمه وزوجته اللذين كفلاه وعاش في بيتهما بعد موت جده عبد المطلب بن هاشم ولما بدأ النبي صلى الله عليه وسلم الدعوة إلى الإسلام كانت زوجة عمه فاطمة بنت أسد رضي الله عنها من السابقين إلى الإستجابة له كما ذكرنا في صدر هذا المقال هي وإبناها علي وجعفر رضي الله عنهما والسيدة أسماء بنت عميس رضي الله عنها زوجة إبنها جعفر بينما عظم على زوجها أبي طالب فراق دين قومه وخشي عداوتهم وإعتذر للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بقول رفيق قائلا يا إبن أخي لا تحملني من الأمر ما لا أطيق غير أن هذا الإعتذار لم يمنع عمه مِن أَن يحدبَ عليه ويمدحه وأن يشير إلى الفضائل والشمائل التي كان يحبها في شخص إبن أخيه ولقد عبر عن عواطفه بقوله وهو يمتدح ويصف النبي صلى الله عليه وسلم قائلا وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل حليم رشيد عادل غير طائش يوالي إلها ليس عنه بغافل كما أنه كان يدافع عنه بكل ما أوتي من فوة ويحميه من أذى وشر قومه وسخريتهم منه فلم تنل منه قريش إلا بعد وفاته في العام العاشر للبعثة .
ومما يروى في ذلك أنه لما نزلت آية وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ دعا النبي صلى الله عليه وسلم عشيرته بني هاشم فحضروا ومعهم نفر من بني المطلب بن عبد مناف فكانوا خمسة وأربعين رجلا فبادره عمه أبو لهب بكلام خشن حيث قال له وهؤلاء هم عمومتك وبنو عمك فتكلم وإعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة وأنا أحق من أخذك فحسبك بنو أبيك وإن أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش وتمدهم العرب فما رأيت أحدا جاء على بني أبيه بشر مما جئت به فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتكلم في ذلك المجلس ثم دعاهم ثانية وقال الحمد لله أَحمده وأَستعينه وأُؤمن به وَأَتوكل عليه وأَشهد أَن لَا إِله إِلا الله وحده لا شريك له ثم قال إِن الرائد لَا يكذب أَهله واللَّه الذى لا إِله إِلا هو إِني رسول اللَّه إِليكم خاصة وإِلى الناس عامة والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون ولَتحاسبن بما تعملون وإِنها الجنةُ أَبدا والنار أبدا فقال أبو طالب ما أَحب إلينا معاونتك وأقبلنا لنصيحتك وأشد تصديقا لحديثك وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون وإنما أنا أحدهم غير أني أسرعهم إلى ما تحب فإمض لما أمرت به فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك وأحميك غير أَن نفسي لَا تطاوعني على فراق دين عبد المطَلب فقال عدو الله أبو لهب هذه والله السوأة خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم فقال أبو طالب والله لنمنعنه ما بقينا وعندما رأت قريش الإسلام ينتشر في القبائل كبر ذلك عليهم وأجمعوا على قتل النبي صلى الله عليه وسلم فتكلموا مع بني هاشم في ذلك فرفضوا تسليمه إليهم وأجمع بنو هاشم أمرهم على أن يدخلوا محمدا شِعبهم ويمنعوه ممن أراد قتله فإنحازت بنو المطلب بن عبد مناف إلى أبي طالب في شعبه مع بني هاشم مسلمهم وغير مسلمهم إلا عدو الله أبو لهب فإنه فارقهم وكان مع قريش ولما عرفت قريش ذلك أجمعوا على حصار بني هاشم بألا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يخالطوهم ولا يجالسوهم حتى يسلموا محمدا للقتل وكتبوا بذلك كتابا وعلقوه في جوف الكعبة وتم حصار بني هاشم في شعب أبي طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع من البعثة وقطعوا عنهم الميرة والمادة ولما إشتد عليهم الحصار إضطروا إلى أن يأكلوا ورق الشجر وسمع أصوات صبيانهم يصرخون من الجوع من وراء الشعب وكان أبو طالب طوال مدة الحصار يخصص حراسة خاصة للنبي خاصة أثناء الليل وكان يغير مكان مبيته كل ليلة خوفا من أن يتعرض لأى خطر وقد بلغت مدة إقامة بني هاشم في الشعب 3 سنين وفي النهاية سعى خمسة من ذوى المروءة والشهامة من رؤساء قبيلة قريش في نقض الصحيفة وإنهاء الحصار فكان أول من بدأ في ذلك الأمر هشام بن عمرو بن الحارث العامرى والذى كان يأتي بني هاشم وبني المطلب بالطعام إلى الشعب ليلا وآزره زهير بن أبي أمية بن المغيرة إبن السيدة عاتكة بنت عبد المطلب عمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم والمطعم بن عدى وأبو البخترى بن هشام بن الحارث وزمعة بن الأسود بن المطلب ولما علم النبي محمد صلى الله عليه وسلم أمر صحيفتهم وأن الأرضة قد أكلت ما كان فيها إلا ذكر الله وهي كلمة بإسمك اللهم ذكر ذلك لعمه أبي طالب فقال له أَحَق مَا تخبرني يا إبن أَخي قال نعم واللَّه فذكر أبو طالب ذلك لإخوته فقالوا له مَا ظنك بِه فقال أبو طالب واللَّه ما كذبني قط .
وبعد وفاة أبي طالب والسيدة خديجة رضي الله عنها في العام العاشر للبعثة والذى سمي بعام الحزن إشتد إيذاء قريش للنبي صلى الله عليه وسلم وللمسلمين ولما حان وقت الهجرة للمدينة المنورة بعد بيعة العقبة الثانية كانت السيدة فاطمة بنت أسد رضي الله عنها أول إمرأة هاجرت إلى رسول اللَّه من مكة إلى المدينة على قدميها وكانت من أبر الناس برسول اللَّه وكان يزورها في بيتها بالمدينة ويقيل فيه أحيانا وذات يوم سمعت فاطمة رسول اللَّه وهو يقول إن الناس يحشرون يوم القيامة عراة كما ولدوا فقالت وا سوأتاه فقال لها رسول اللَّه فإني أسأل اللَّه أن يبعثك كاسية ولقد كان حظ فاطمة حظا مباركا في حياتها وعند وفاتها حيث حظيت بالتكريم إذ ماتت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الرابعة للهجرة وشهدها وتولى دفنها وذكر فضلها ودعا لها بالمغفرة والرحمة من الله فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال لما توفيت فاطمة بنت أسد أم علي دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس على رأسها وقال رحمك الله يا أمي كنت أمي بعد أمي تجوعين وتشبعينني وتعرين وتكسينني وتمنعين نفسك طيبها وتطعمينني تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة ثم صب رسول الله الماء عليها بيده الشريفة وأمر مغسلتها أن تغسلها ثلاثة وبعد أن غسلت خلع قميصه فألبسها إياه وكفنها ولما حفر قبرها إضطجع الرسول فيه وأخذ يتحرك يمنة ويسرة كأنه يوسعه ثم قال الله الذى يحيي ويميت وهو حي لا يموت اللهم إغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإِنكَ أرحم الراحمين ثم كبر عليها أربعا وأَدخلها قبرها ثم ضرب بيده اليمنى على اليسرى فنفضهما ثم قال والذى نفس محمد بيده لقد سمعت فاطمة تصفيق يميني على شمالي وتعجبَ الصحابة من صنيع النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا ما رأيناك يا رسول الله صنعت هذا من قبل فقال إنه لم يكن أحد بعد أبي طالب أبر منها إنما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة وإضطجعت بقبرها ليهونَ عليها الله ضمته وإن جبريل عليه السلام أخبرني عن ربي عز وجل أنها من أهل الجنة وأن الله تعالى أمر سبعين ألفا من الملائكة يصلون عليها .
|