بقلم الدكتور/ مصطفي عزمى
حظي الأطفال في مصر الفرعونية بمكانة خاصة داخل الأسرة وبين أفراد المجتمع وعاشوا حياة فيها الكثير مما هو معروف في الحياة المعاصرة، مثل الذهاب للمدرسة والتمتع بالألعاب، والاحتفال بأعياد الميلاد. ولقد كان قدماء المصريين يعتقدون أن الآلهة تبتسم لأولئك الذين يعولون أسرا بها أعداد كبيرة من الأطفال وأن الآلهة تتجهم في وجه من لا يعولون أطفالا. ولقد كان إنجاب الأطفال في مصر الفرعونية من أعظم النعم، وكان خبر ولادة طفل حدث بالغ البهجة، وكانت الأم الحامل تحظى بعناية ورعاية خاصة من قبل الأسرة وتعد لها التمائم والوصفات التي يقدمها السحرة لحمايتها حتى وضع جنينها.
أما فيما يخص تربية الطفل في مصر القديمة، فلقد كانت الأسرة في مصر القديمة هي المسئولة عن تربية الطفل في سنواته الأولى، حيث تقوم بالتنشئة الاجتماعية له، وتعليمه المشي، والكلام، وطريقة الأكل، وبعض المبادئ الدينية و الخلقية الأخرى. وقد عرف الأطفال اللُّعَب؛ وكان للبنات الدُمى وللأولاد لُعَبٌ على شكل التمساح، و يظل الأطفال في حضانة أسرهم حتى سن الخامسة فيدخلون المدرسة فيتعلمون مبادئ الكتابة والحساب والقراءة. وكان المصريون القدماء يعلمون أطفالهم الحكمة، و الفضيلة، والطاعة، عن طريق احترامه لمعلميهم، والانصياع لأوامرهم، والالتزام بما يتعلموه، حتى يكتسبوا القيم الخلقية والاجتماعية، وكان العقاب أمراً مألوفاً في تربية الطفل عندهم إذا ما أساء الأدب.
وهنا نجد أن الأب كان قد حرص على إعطاء الكثير من النصائح والحكم للأبناء، وتم تسجيل ذلك ووصل إلينا، فالحكيم بتاح حُتب يقول:"ما أجمل طاعة الابن الذي يأتي ويستمع لأمه، فالطاعة هي خير ما فى الوجود، وكم هو جميل أن يُطيع الولد أباه، فيصبح أباه من ذلك في فرح عظيم"، ويقول الحكيم آني:"ضاعف الخبز لأمك، وأحملها كما حملتك، ثم بعد ولادتك حول رقبتها، وقد أعطتك ثديها ثلاثة سنوات، ولم تكن متبرمة أو نافرة من فضلاتك، ثم ألحقتك بالمدرسة لتتعلم الكتابة".ومن ناحية أخرى، فقد سمح المصريون القدماء لأبنائهم كذلك بأوقات طويلة من اللهو واللعب، وعرفوا الدمى، وألعاب الأطفال، إلا أن التدريب على حياة البالغين كان يبدأ مباشرة بعد مرحلة الفطام، بدايةً من مساعدة الفتيات لأمهاتهم في أعمال المنزل، أو تكليفهن ببعض المهام أثناء العمل في الحقول، وهكذا كانت العلاقة بين الذكور وآبائهم.
واللافت للنظر أن الاهتمام بالأطفال كان أمراً يشغل بال الأسرة آنذاك في مرحلة مبكرة للغاية، إذ وصلنا عقد زواج يعود تاريخه إلى وقت متأخر من العصر الفرعوني، تطرَّق إلى مسألة حماية الأبناء، كما تعهّد فيه الرجل بأن يقدم راتباً شهرياً لزوجته لتستطيع من خلاله تربية اطفالها ورعايتهم وهنا نجد أن المصرى القديم كان قد عرف قبل آلاف السنين أن الزواج من أهم عوامل المجتمع الصالح، فتكوين الأسرة عند قدماء المصريين كان أمرا بالغ الأهمية، وكان الرجل يوصى أولاده بها وما أن يكبر الأبناء حتى نجد أن الوالدين يبدأن فى البحث عن الزوجة الصالحة، لابنهما ليخلدوا بأولاده ذكراهم ويساعدونه فى أعماله".
على الجانب الأخر، فلقد كان للوالدين مکانة کبيرة في نظر الأبناء خلال العصر الفرعوني، فقد کانوا محل تقدير کبير منهم ، فتفانوا في برهما والاعتراف بدورهما العظيم في تربيتهم ورعايتهم ، وتقديم الحنان والعناية لهم صغاراً وکباراً ، کما أن الوالدين هما منبع الحياة ورمز التضحية من أجل أبنائهم ؛ ولذلک وردت إلينا العديد من النصوص والمناظر التي حثت وأشارت إلى وجوب حسن معاملتهما وتبجيلهما والاهتمام بهما في حياتهما وبرهما بعد وفاتهما. فقد حثت العديد من النصوص على طاعتهما والعمل على کسب حبهما، والعطف والإحسان إليهما عند الکبر ، ومدحهما وعدم عصيانهما، وحسن الاستماع لأقوالهما ، والقيام عند الحديث إليهما ، ومخاطبتهما على استحياء، والتسليم والخضوع لهما في کل شيء ، والسعي لعمل کل ما هو صالح لهما ، والاقتناع وتنفيذ کل ما يأمران به ، وتجريم سبهما والتعدي عليهما . کما اعتبر المصريون- أيضاً – أن بر الوالدين في مماتهما أمراً واجباً من حيث تشييع الجثمان ، وبناء المقبرة ، وتقديم القرابين ، والدعاء لهما ، ورعاية أبنائهما(إخوته) وممتلکاتهما، واعتبرت کل هذه الأمور هي سر سعادة المرء في الدنيا والآخرة، أما عکس ذلک فيجلب له التعاسة وغضب الآلهة.
|