الخميس, 30 أبريل 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

الشيخ القاضي والمماليك: أسرار العدالة في ظل السيوف
الحلقة الأولي: النشأة و أحوال في القرية

الشيخ القاضي والمماليك: أسرار العدالة في ظل السيوف
الحلقة الأولي: النشأة و أحوال في القرية
عدد : 08-2024
بقلم الدكتور/ مصطفي محمود مطاوع
باحث في التاريخ و الآثار الإسلامية

في وقت كانت مصر كلها تعيش تحت الحكم المملوكي

عقب إنهاء حكم الأيوبيين عام ١٢٥٠ ميلادي، و بداية عصر المماليك - الذين كانوا في الأصل عبيدا تم جلبهم من مناطق مختلفة و كان اغلبهم من الترك (خاصة من قبائل القبچاق و الكومان) و من منطقة القوقاز (خاصة الشركس) بالإضافة إلي الأرمن و الجورجيين. و قد تم تدريبهم بشكل مكثف في الفنون القتالية والإدارة و علوم الدين، و أصبحوا قوة عسكرية وسياسية مؤثرة في مصر-.

فرض المماليك الأجانب الضرائب الثقيلة و استبدوا بأصحاب البلاد من الفلاحين المصريين. رغم ذلك، كانت الحياة الاجتماعية في القري المصرية مليئة بالتعاون والتكافل بين أهلها.


و في قرية صغيرة من تلك القري المصرية بإحدي محافظات دلتا النيل، و في بيت من الطوب اللبن و سقف مصنوع من الخشب و القش، محاط بأشجار النخيل والحقول الخضراء و في خلفيته نهر النيل يجر بكل هدوء و الطيور تغني في السماء. تستقبل اسرة فضل الدين الذي ينتمي لإحدي القبائل العربية النبيلة التي ارتحلت الي مصر عقب دخول العرب لها عام ٦٤٢ ميلادي؛ ميلاد رضيع ذكر.


يربت الشيخ فضل الدين علي كتف الأم التي استلقت علي سريرها المصنوع من النحاس، قائلا:

الحمد لله على سلامتك يا أم القاضي. ربنا رزقنا بولد جميل.

الأم بنبرة هادئة مستبشرة: الحمد لله، يا رب يجعله من الصالحين.خلاص قررت تسميه "القاضي" ؟

الأب: أيوه، عايز أسميه “القاضي”. نفسي يكبر ويبقى عالم كبير وقاضي عادل.

الأم: اسم جميل ومعناه كبير. إن شاء الله ربنا يحقق لك أمنيتك ويكبر ويبقى زي ما تتمنى.

الأب: إن شاء الله. هنعلمه القرآن والعلوم الشرعية من صغره، ونربيه على حب العلم والعدل.

الأم: وأنا هكون دايمًا جنبه، أساعده وأدعمه في كل خطوة.

الأب: ربنا يبارك فيكِ يا أم القاضي. مع بعض هنقدر نربيه تربية صالحة.

الأم: آمين يا رب. يلا نبدأ نجهز له كل حاجة عشان يكبر في بيئة مليانة حب وعلم.


وهكذا يولد الشيخ القاضي في بيئة معروفة بالعلم والتقوى.و منذ صغره، أظهر الشيخ القاضي ذكاءً فطريًا وحبًا للعلم. لذا أرسله والده إلى الكتاب، حيث بدأ في تعلم القرآن الكريم و مبادئ العلوم الشرعية. كان الشيخ القاضي يتفوق بين أقرانه وزملائه، مم جعله محط إعجاب الجميع.


ففي الكُتاب ، وهو مكان بسيط مبني من الطوب اللبن، به حصير على الأرض ومصابيح زيتية معلقة على الجدران. يجلس الأطفال في حلقات حول شيخ الكتاب، يتعلمون القرآن الكريم و تجويده فيصيح الشيخ حسن

شيخ الكتاب: (بفرحة) ما شاء الله عليك يا "جاضي"، أنت فعلاً نابغة. حفظت سورة البقرة بسرعة وفهمتها كويس.


الطفل القاضي: شكراً يا سيدنا الشيخ، أنا بحب أتعلم وأفهم كل حاجة.

الشيخ حسن: (بابتسامة) ربنا يبارك فيك يا ولدي. لازم ابشر والدك بمدى نبوغك وتفوقك.



و في المسجد، بعد صلاة العصر. حيث الجو هادئ والمصلين يخرجون من المسجد. جلس شيخ الكتاب ووالد القاضي في زاوية المسجد يتحدثان:

شيخ الكتاب: السلام عليكم يا أبو القاضي. إزيك؟ عامل إيه؟

الأب: وعليكم السلام يا سيدنا الشيخ حسن. الحمد لله، بخير. إيه الأخبار؟

شيخ الكتاب: جايب لك خبر يفرحك. ولدك القاضي نابغة، ما شاء الله عليه. حفظ سورة البقرة بسرعة وفهمها كويس.

الأب: الحمد لله، ده خبر يفرح القلب. ربنا يبارك فيك يا شيخ حسن على تعبك معاه.

شيخ الكتاب: ده واجبي يا أبو القاضي. إن شاء الله يكبر ويبقى عالم كبير وقاضي عادل زي ما تتمنى.

الأب: إن شاء الله. هنعلمه ونربيه على حب العلم والعدل.

شيخ الكتاب: أنا واثق إنه هيبقى فخر لنا كلنا. ربنا يوفقه ويبارك فيه.

الأب: آمين يا رب. شكراً ليك يا شيخ الكتاب على كل اللي بتعمله معاه.

شيخ الكتاب: العفو يا أبو القاضي. ده واجبنا كلنا نساعد في تربية الاجيال و خصوصا البذرة الصالحة داهيت.



و كنتيجة لذلك و لأن الخير و الشر أمران متلازمان و لأن النبوغ يصاحبه الحسد و الغيرة من الآخرين فقد ظهر "خالد" في نفس القرية، وُلد في أسرة فقيرة وكان يعاني من قلة الاهتمام والتقدير. كان والده يعمل في الحقول ولا يستطيع توفير الكثير لأسرته. عندما التحق حسن بالكتاب، شعر بالغيرة من زميله القاضي الذي كان يحظى بكل الاهتمام والتقدير من سيدنا شيخ الكُتاب والزملاء.

و كان أكثر الزملاء حبا و تقديرا للقاضي هو فتي يكبره بأشهر قليلة و التحقا معا بالكُتاب، يُدعي مطاوع، فتي قوي البنية، يتميز بجسمه القوي وعضلاته البارزة. عنيد الطبع، لا يتراجع عن موقفه بسهولة، لكنه دائمًا ما يسع للحق والعدل.

ينتمي مطاوع لقبيلة عربية أصيلة من الحجاز، وقد قدم إلى مصر مع أسرته ضمن جيش عمرو بن العاص. بعد استقرارهم في مصر، عملت أسرته في التجارة، وأصبحوا جزءًا من المجتمع المصري. مطاوع معروف بشجاعته وصدقه، ودائمًا ما يقف بجانب الحق، حتى لو كان ذلك يعني مواجهة الصعاب.كان يقوم بالدراسة مع القاضي في الكُتاب و في نفس الوقت يعمل في خدمة سيدنا شيخ الكُتاب كنوع من التقدير للعلم و أهله كما ورث عن عائلته.

بدأ الحسد يتغلغل في قلب خالد، خاصة عندما رأى كيف كان القاضي يتفوق في الدراسة ويحظ بإعجاب الجميع. شعر عواد بالظلم لأنه كان يعتقد أنه يستحق نفس التقدير والاهتمام. بدأ حسن في تدبير المكائد والمقالب لإيقاع القاضي في المشاكل، محاولًا تشويه سمعته أمام شيخ الكتاب و الزملاء.

في الكُتاب، حيث يجلس الأطفال في حلقات حول شيخ الكتاب. في جو مليء بالنشاط والحيوية، يتعلم الأطفال القرآن وأساسيات التجويد.


يهمس خالد: (بصوت منخفض لنفسه) لازم أعمل حاجة تخلي الشيخ يبطل يمدح القاضي. هخبي كتبه وأقول إنه ضيعها.

( يذهب خالد ويخفي كتب الشيخ القاضي في مكان بعيد)


مطاوع: (يرى ما يفعله خالد) إيه اللي بتعمله ده يا خالد؟

خالد: (بغضب) مالكش دعوة، دي حاجة تخصني.

مطاوع: (بهدوء) هقول للشيخ القاضي على اللي عملته.

(مطاوع يذهب ويخبر الشيخ القاضي بالخطة)

القاضي: (بهدوء) شكراً يا مطاوع. هنتصرف في الوقت المناسب.

(في اليوم المحدد، شيخ الكتاب يسأل عن الكتب)

شيخ الكتاب: فين كتبك يا قاضي؟ ليه مش معاك؟

خالد: (بسرعة) هو اللي ضيعها يا شيخ، مش لاقيها.

الشيخ القاضي: (بهدوء) خالد، ليه بتكذب؟ مطاوع شافك وإنت بتخبي الكتب.

شيخ الكتاب: (بغضب) إيه الكلام ده يا عواد؟ صحيح اللي بيقوله القاضي؟

خالد: (بتردد) أيوه يا شيخ، أنا كنت عايز أوقعه في مشكلة. آسف.

شيخ الكتاب: (بغضب) ده تصرف مش مقبول. لازم تتعلم تكون صادق وأمين.

الشيخ القاضي: (بهدوء) أنا مسامحك يا عواد، بس لازم تتعلم من غلطك.

الأطفال: (بإعجاب) القاضي فعلاً ولد محترم و أصيل.


فجأة يقطع ذلك الحوار صراخ امرأة من اهل القرية قائلة "يا ناس، خدوا بالكم من العيال! العساكر بيكسروا السوق..يدوسوا المحاصيل و بيدخلوا البيوت"


يليها حالة من الذعر و الهلع و الصياح بين أهل القرية و هي الموجة المصاحبة دائما لقدوم المماليك بقيادة (أمير عشرة) المسئول عن جمع الضرائب من القرية.


دخلت مجموعة من عسكر المماليك القرية على خيولهم، مدججين بالسيوف والدروع اللامعة. بدأوا بالصياح وإصدار الأوامر بصوت عالي، مما أثار الذعر بين الفلاحين.

و هنا خرج القاضي و لحقه مطاوع مهرولا خشية عليه من إصابته بأي أذي و بالخارج شاهدوا تجمعا لفلاحي القرية و صوت شعبان المرتعش يقول لهم: "يا جماعة، عسكر المماليك جايين! خبوا اللي تقدروا عليه!”


فيرد سمعان: “يا ساتر يا رب! نعمل إيه دلوقتي؟”


و هنا يقطع حديثهم أحد فرسان المماليك : (بصوت عالي) “هاتوا المحاصيل و الحبوب! إحنا هنا بنجمع الضرائب!”

الفلاح عرفان: (يحاول التفاوض) “يا سيدي ، والله ما عندناش حاجة ندفعها. المحصول السنة دي كان ضعيف.”


العسكري الثاني: (يدفع الفلاح عرفان بقوة) “مافيش تنازل ادفعوا اللي عليكم والا هنكسر بيوتكم علي راسكم


و بينما يتجمهر الفلاحون في الساحة، متحدثين بصوت عالٍ ومعبرين عن استيائهم يحضر عمدة القرية محاط بالخفر و بجواره شيخ القرية و يوجّه العمدة كلامه بصوت عال لأهل البلد:

يا جماعة، اهدوا شوية! الأمير جاي النهاردة وعايزين نحل المشكلة دي.

شيخ البلد: (بصوت هادي) يا عمدة، لازم نطمن الناس. الأمير مش هيقبل بأي تأخير في الضرائب.

ثم يوجه عمدة القرية حديثه للأمير المملوكي بصوت مطمئن:

سيدي الأمير، الناس قلقانة بسبب الجفاف اللي حصل السنة دي. بس إحنا بنوعدك إن الضرائب هتتدفع في معادها.

شيخ البلد: (بصوت هادي) يا سيدي الأمير، إحنا شغالين مع الفلاحين عشان نجمع المحاصيل. كل واحد في القرية ملتزم بدفع اللي عليه.

الأمير المملوكي: (بصوت حازم) لازم تعرفوا إن التأخير مش مقبول. الدولة محتاجة الفلوس دي عشان نقدر نوفر الأمن طلبات الجنود

عمدة القرية: (بصوت واثق) فاهمين يا سيدي الأمير. إحنا حطينا خطة عشان نجمع المحاصيل و الضرايب في الوقت المحدد.

شيخ البلد: (بصوت مطمئن) نعم، سيدي الأمير. إحنا ملتزمين بتقديم الضرائب في معادها. هنشتغل مع أهل القرية عشان نحقق الهدف ده.

الأمير المملوكي: (بصوت راضٍ) كويس. أتمنى تلتزموا بوعودكم. هتابع معاكم بشكل دوري.

عمدة القرية وشيخ البلد: (بصوت واحد) شكراً لك، سيدي الأمير. هنكون عند حسن ظنك.



الفلاحين: (بعد مغادرة الأمير المملوكي و عساكره) “يا خسارة، كل تعبنا راح في لحظة. ربنا يستر علينا.”

المرأة الثانية.

و هنا ينظر الفلاح عرفان لصديقه سمعان موجها الحديث له بجدية:

لازم نلاقي طريقة نحمي نفسنا المرة الجاية. مش ممكن نفضل كده.

فيجيبه سمعان: “ربنا كبير، وإن شاء الله الأيام الجاية تكون أحسن.”



و هنا ينظر القاضي لصديقه مطاوع نظرة طويلة ذات معني بادلها مطاوع بالربت علي كتف صديقه إشارة منه بأنه معه و في كتفه و داعم دائم له.

يتبع..
 
 
الصور :