بقلم المهندس/ فاروق شرف
إستشاري وخبير الترميم والمنشآت التاريخية
بدعوة كريمة من الصديق المحترم المهندس المدني/ مجدى غبريال صاحب الجهد الوطنى والخيرى فى الصيانة والحفاظ على دور العبادة بأثارنا الإسلامية والقبطية . وبدعوة جليلة من نيافة الأنبا بيجول أسقف ورئيس دير السيدة العذراء مريم المحرق.. قمت بزيارة دير السيدة العذراء مريم المعروف بالمحرق نسبةً إلى أن هذه المنطقة كانت مليئة بالحشائش والنباتات الضارة والتى تم حرقها ولكن بمرور الوقت إستقر لقب الدير بالمحرقة .
يعتبر دير المحرق أحد مسارات العائلة المقدسة فى مصر خلال رحلة هروبها من بيت لحم فى فلسطين، حيث تعتبر الفترة التى قضتها العائلة فى هذا المكان من أطول الفترات، وتعتبر المغارة التى سكنتها العائلة هى أول كنيسة فى مصر بل فى العالم كله.
الدير : يقع على سفح جبل يسمى جبل قسقام الذى يقع غرب مدينة القوصية على بعد خمسة عشرة كيلومتر وعلى بعد 48 كيلومتر شمال أسيوط .. وعلى بعد 327 كيلومترا جنوب محافظة القاهرة وقسقام إسم قديم منذ عصر الفراعنة حيث كان يطلق على المنطقة الصحراوية القديمة .. و قسقام تتكون من مقطعين : قس ومعناها مدفن .. وقام : الحلفاء التى كان يصنع منها الحصير لوضعها لكفن الموتى .. أما التسمية بدير السيدة العذراء مريم فيرجع سبب التسمية لأن السيدة مريم أقامت فى القاعة والمغارة التى صارت هيكل للكنيسة الأثرية فيه , لهذا تعتبر العذراء شفيعة الدير وشفيعة رهبانه ولآهالى المنطقة المحيطة به , فيقدمون النذور بأسمها وتقوم العذراء بفعل الآيات والعجائب مع محبيها , ولهذا أصبح المكان مقدساً لهذا يطلق عليه القدس الثانى أو جبل الزيتون .
الدير يعتبر من أوسع الأديرة فى صحراء مصر بل وفى الشرق حيث تبلغ مساحته أكثر من عشرين فداناً ويحيط حول الدير الصحراء والتلال والكثبان الرملية غرب الدير بمسافات شاسعة بأمتداد الصحراء , وشمال الدير وشرقة تلتقى عين الإنسان بالحقول الخضراء الجميلة التى تريح النظر وتبهج النفس بفضل وصول مياة النيل حتى هذه الحدود وبهذا يكون هذا الدير هو الحد الفاصل بين الحياة فى العالم وحياة الوحدة فى البرية .
الدير مبارك ومريح للنفس وجوه مهدئ للأعصاب وأهميته عظيمة بزيارة العائلة المقدسة لهذه المنطقة والمكوث بها مدة زمنية تقترب من 185 يوما الأمر الذى أضاف لمصر العظمة والإمتياز العالمى المتفرد بمسار العائلة المقدسة .. فالدير يعتبر آخر بقعه في صعيد مصر بلغتها العائلة المقدسة في رحلتها التاريخية المباركة من الشمال إلى الجنوب والتي تحولت إلى هيكل كنيسة العذراء الأثرية.
الزيارة كانت صباح يوم السبت الماضى الموافق 2/12/2023م وكان فى الإنتظار الكرم والجود وحسن الأستقبال الكريم من الراهب الأب الكريم / إكسيوس ثم بعد ذلك زيارة الراهب الأب المهندس / رفائيل .. والراهب الأب الفنان / سيداروس .. وكل من قابلنا قام بالترحيب الجميل ونأمل فى المرة القادمة مقابلة جميع الآباء الرهبان بالدير.
أهم محتويات الدير والتى قمنا بزيارتها:-
1- كنيسة السيدة العذراء الأثرية
وهى البيت المهجور الذى عاشت فيه العائلة المقدسة وبقى على مساحته حتى القرن 19 الميلادى حيث أصبح للكنيسة ثلاثة خوارس .. ، بعدها تحول فى العصر المسيحى إلى كنيسة وأنشئت حجرتان على جانبى الهيكل، وأهم مافى الهيكل المذبح الحجرى وهو الحجر الذى جلس عليه السيد المسيح وهو طفل ويؤكد التقليد على قدم هذا المدبح أن السيد المسيح له المجد هو الذى باركه بيمينه الإلهية ليدوم مدى الأزمان والأجيال وأن الذبيحة لا تنقطع من فوق هذا المذبح ويبقى المكان أكثر أمناً .. كما يوجد بالكنيسة حاملان للأيقونات :
الأول : امام الهيكل مباشرة ( الحجاب )
الثانى : بجوار الأول وهو منقول من الكنيسة التى كانت للأحباش سابقاً
الكنيسة رائعة تبعث الطمأنينة ببساطتها وإنسياب عمارتها مع تزيينها ببيض النعام الذى يرمز إلى عناية الرب الدائمة للمؤمنين خاصةً وأن أبواب الهيكل الداخلية والخارجية منخفضة الإرتفاع لكى يشعر الداخل إلى بيت الرب بالخشوع والإحترام.
2- الحصن الأثرى القديم وكنيسة الملاك ميخائيل
يرجع تاريخ الحصن الأثرى إلى القرنين السادس أو السابع الميلادى، وهو من أصغر الحصون الموجودة فى الأديرة العامرة حاليا والحصون عموما، حيث بنيت لحماية الرهبان، من غارات البربر الوحشية وأولها بنى فى دير أبى مقار فى أواخر القرن الخامس الميلادى بأمر من الملك زينون والد القديسة إيلارية التى سلكت فى الحياة الرهبانية بزى رجل تحت إسم الراهب إيلارى ببرية شيهيت.
ويتكون الحصن من 3 طوابق:
الأول : منها من عدة غرف وحوض للترمس ومغطى بلوح من السكوريت للحماية وكان يستمد الماء من البئر الذى كان بجوار الكنيسة الأثرية قديماً.
الثانى : عبارة عن مدخل للحصن من هذا الطابق عن طريق قنطرة خشبية متحركة تستخدم للدخول وتعتبر حماية برفعها ضد أي هجوم أو تعدى.
الثالث : به كنيسة بإسم رئيس الملائكة ميخائيل وبالكنيسة مذبح واحد وخرسان وبها منجلية أثرية من الخشب ترجع إلى القرن ال 12 الميلادى .. الكنيسة بها عمودان واحد چرانيتى والآخر من الرخام يحملام عقد من الطوب الأحمر الحامل للسقف الخشبى المكون من البراطيم الخشبية وخشب الطبق من الخشب الموسكى المتجانس .. وأثناء الزيارة من خلال خبرتنا الطويلة نوصى ببعض الأعمال حسب أصول الصناعة والمواثيق الدولية وذلك بالكنيسة الأثرية لبعض الأعمدة وللسقف وهو بضرورة دراسة عمل مزاريب للتخلص من ماء الأمتار سريعاً لأن بإستمرارها تكون الخطورة على اخشاب السقف.
3- كنيسة السيدة العذراء الجديدة الشهيرة باسم "مارجرجس"
- أنشأ هذه الكنيسة القمص عبد الملاك الأسيوطى رئيس الدير فى أواخر القرن 18 الميلادى بإمكانيات بسيطة، وفى سنة 1878م، بدأ القمص ميخائيل الأبوتيجى رئيس الدير فى إنشاء كنيسة جديدة باسم السيدة العذراء، على أنقاض كنيسة مارجرجس، وانتهى منها فى سنة 1880م. وأطلق على المذبح البحرى اسم يوحنا المعمدان وعلى المذبح القبلى مارجرجس، على أساس أن المذبح الأوسط هو بالاسم الجديد للكنيسة وهو اسم السيدة العذراء.
- الكنيسة بها ثلاث مقصورات إثنان للقديسة العذراء مريم الملكة والثالثة بها رفات القديس القمص ميخائيل البحيرى.
- الأيقونات تم رسمها بالفن البيزنطى والتى ترجع للقرن ال 19 الميلادى حيث رسمها الفنان نقولا تاودورى الأورشليمي و دمترى جرجس الأورشليمي.
- صحن الكنيسة مصمم على نمط القرون الوسطى حيث أن النساء لهن مكان بالدور الثانى.
- أما غرفة المعمودية فتوجد بالناحية الشرقية القبلية خارج الكنيسة وبأسفلها يوجد مدفن لرؤساء الدير فى القرن العشرين.
4- كنيسة السيدة العذراء الجديدة
- تم تأسيس هذه الكنيسة فى عام 1940م، فى رئاسة المتنيح الأنبا أغابيوس مطران ديروط وصنبو وقسقام وقد تم بناؤها فى رئاسة القمص قزمان بشاى وإنتهى العل بها فى عام 1964م كاملة بمناراتها؛ وقد أنشئ فيها معمودية بعدما كانوا يعمدون فى كنيسة مارجرجس، مما يضطر لدخول النساء والزوار الكثيرين الذين يردون إلى الدير لعماد أطفالهم إلى كنيسة مارجرجس مما كان يسبب قلقاً وإزعاجاً للرهبان.
- وأصبحت هذه الكنيسة مخصصة للزوار، وقد قام بتجديد هذه الكنيسة المتنيح الأنبا ساويرس رئيس دير المحرق فى سنة 1993م.
- بها ثلاث مذابح الأوسط ( الرئيسى )على إسم السيدة العذراء والقبلى على إسم القديس الأنبا أبرام والبحرى على إيم تكلاهيمانوت الحبشى .. أما الطافوس فيوجد أسفل المذابح الثلاثة وهو حالياً مدفن المتنيحين من رهبان الدير.
- تم إنشاء غرفة جديدة للمعمودية فى الناحية الشرقية البحرية خارج الكنيسة لذلك لإستيعاب عدد كبير من المعمدين وبها ثلاثة أجران.
5- كنائس قديمة أخرى
من تاريخ الدير ووثائقه تم التعرف على كنيستين كانتا بالدير، ليستا بموجودتين الآن وهما: كنيسة القديس يوحنا المعمدان : وكانت مخصصة للرهبان الأحباش إلا أنه غير معروف تاريخ إنشائها، وأقدم خبر عنها ـ تم التوصل إليه حتى الآن ـ يرجع إلى منتصف القرن 17 الميلادى؛ وكانت الكنيسة بجوار الكنيسة الأثرية من الجهة البحرية ثم أزيلت فى القرن 19 الميلادى وأنشئ مكانها الصالة الخارجية للكنيسة الأثرية والغرف الملحقة ولم يبق منها إلى اليوم إلا المذبح الحجرى وبعض الأيقونات.
وكنيسة القديسين بطرس وبولس: وكانت للرهبان الأحباش وقد أنشئت على سطح الصالة الخارجية للكنيسة الأثرية فى القرن التاسع عشر ولكنها أزيلت فى الثلاثينات من القرن 20 الميلادى.
6- كنائس أخرى حديثة بالدير:
- كنيسة العائلة المقدسة.
- كنيسة الأنبا انطونيوس.
- كنيسة الأنبابولا.
لم نتمكن من زيارتهما لضيق الوقت و نأمل زيارتها فى القريب إن شاء الله
7- الكلية الأكليريكية
فى عهد البابا شنودة الثالث، اهتم بالكلية الإكليريكية فرأى أن يُنْقَل القسم المتوسط الموجود بالقاهرة إلى الدير المحرق، وكان أنسب مكان لها هو مدرسة الرهبان لكى تعود الطلبة على جو الريف بعيدين عن أضواء القاهرة، وحتى يكون لدير العذراء مريم المحرق رسالة علمية يساهم فى خدمة الإكليريكية، حيث تم نقل القسم المتوسط إلى دير المحرق.
وفى عام 1982 تحول القسم المتوسط إلى القسم العالى أى بقبول الحاصلين على الثانوية العامة وما يعادلها من الدبلومات الأخرى، حيث يدرس الطالب لمدة 4 سنوات، وبعدها يحصل على بكالوريوس فى العلوم اللاهوتية والكنسية.
8- معهد ديديموس للعرفاء والمرتلين
أنشئ المعهد بالدير المحرق، فى أواخر السبعينات لتخريج مرتلى الكنيسة والعرفاء الذين لا تستغنى عنهم الكنيسة القبطية لأنهم المتخصصون فى ممارسة طقس الكنيسة بانتظام والمعايشون له يومياً؛ ومدة الدراسة فى المعهد خمس سنوات يتلقى فيها الطالب بعض المناهج التعليمية ـ بالإضافة إلى الألحان والطقوس الكنسية بالكامل؛ مثل: "دراسة فى العهدين القديم والجديد، وتاريخ الكنيسة، حفظ المزامير، اللغة القبطية، اللغة العربية، الحساب".
9- الأسوار: سواء السور الحجرى أو الطوب اللبن فهى أسوار جيدة تقف شامخة حارسة على المفردات المقدسة وخدماتها.
وينقسم الدير من الداخل إلى ثلاثة أقسام بواسطة أسوار داخليه: يحتوي القسم الخارجي منها على كنيسة السيدة العذراء الجديدة، وعمارة للضيافة، وديوان الوكيل ومتعلقاته ومكتبات لبيع إصدارات الدير، وبعض الملحقات الخدمية من حظائر للمواشي ومخازن الوقود وغيرها، أما القسم الأوسط من الدير فهو يحتوي على قصر الضيافة وبعض الحدائق وخلفه يوجد المائدة، أما القسم الأخير فيحتوي على كنائس الدير وقلالى الرهبان.
من أهم توصياتنا ونحسب أننا ممن يحافظون على تراث الأجداد :
- الصيانة الدورية لجميل مفردات الدير وخاصة الأسوار ونخص سور الطوب اللبن والعمل على تطهيره كل سته أشهر لطرد الحشرات والقضاء عليها بالرش بالمبيدات الحشرية مع التركيز على إضاءة مداخلها ليلا لطرد الوطاويط.
- الصيانة المستمرة للأخشار المتمثلة فى الأبواب والشبابيك والدبل الخشبية بالحوائط وذلك للقضاء على النمل الأبيض الذى يتغذى على مادة السليولوز بالخشب وتحويله إلى بودر الأمر الذى تصبح الأخشاب ضعيفة إنشائياً.
- فتح الحديقة وتشغيل النافورة للزائرين مع ضرورى أن يكون العدد محدود فى كل مرة ومع ضرورة وجود مرافق من الدير للحفا على جميع مفرداتها.
كل الشكر والتقدير بل والإحترام والتبجيل للقائمين على هذا الدير التاريخى الأثرى العريق بدءاً من نيافة الأنبا بيجول أسقف ورئيس دير السيدة العذراء مريم المحرق الذى شملنا برعايته الكريمة وبالآباء المحترمين الذين قاموا بحسن إستقبالنا وهم كثر بالدير حيث يحتوى على أكثر من 135 راهباً فى حياة يومية عامرة بالأحداث، يظهرون بلحى كثيفة بعضها زارها الشيب، ويرتدون قلنسوة الرهبانية السوداء المطرزة بالصلبان، مما يضفى عليهم وقاراً يليق بهم، يتحركون بثبات على الأرض المقدسة، من القلاية للكنيسة الأثرية إلى المزارع والأراضى الموجودة فى الصحراء والأهم توفير كل سبل سعادة الزائرين لهذا الدير العريق ثقافياً وتاريخياً وأثرياً .
******************
مع أرق تحياتى: لكل من أراد حق المعرفة بحضارتنا العريقة والعظيمة وزيارة هذا المكان المقدس فحين سأل البابا شنودة الثالث عن الحج إلى القدس قال: «زيارة دير المحرق مهمة لأنه قدس ثانية»، وهو الدير الوحيد فى مصر الذى لم يخرب ولا يهجر فى تاريخه.
|