الدكتور محمد ابو الفرج العش يكتب:
صدر لي عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث ادارة المتاحف والآثار بالدوحة عام ١٤٣٤ هـ - ٢٠٠٣ م الطبعة الثالثة من كتاب النقود العربية الإسلامية.
قام بالاشراف الفني عليه الاستاذ علي حسن الجابر ؛ والمراجعة الاستاذ إبراهيم جابر الجابر
تناول الكتاب مجموعة هامة من النقود العربية الساسانية ، والنقود العربية الساسانية الطبرانية التي ضربت في العهد العباسي، والنقود العربية المتأثرة بالنمط البزنطي، والنقود الأموية، ونقود الثوار المنتقضين في آخر العهد الأموي ، والنقود العباسية ، يتخللها نقود الثوار أو الذين حاولوا الحصول على الحكم الذاتي .
أهم طريقة للكتابة في موضوع المسكوكات تكون في اتباع تصنيف دقيق ، ويتلخص هذا التصنيف بمراعاة التسلسل الزمني : تسلسل الدول وتسلسل الخلفاء والحكام مع مراعاة تصنيف مدن الضرب حسب النظام الأبجدي . بعض مدن الضرب يسبقها أحياناً كلمة (مدينة) أو (معدن) ، ويقصد بالمعدن دار السكة ، أي معمل الضرب ، ولقد التزم الأجانب بهذا المعنى ، فقالوا بالانكليزية MINT وبالفرنسية ATELIER ولقد وجدنا أنه من الأفضل أن نضع بالتصنيف اسم المدينة العاري من الزيادة ضمن التصنيف الأبجدي مثل (بلخ) ، ووضعنا (مدينة بلخ) في تصنيف حرف الميم ، وكذلك (معدن باجنيس) مثلاً في حرف الميم .
ولقد انتهجت في كتابي أسلوباً علمياً في وصف النقود : مثلاً بعض النقود الأموية متشابهة بمأثوراتها ، لذا نعطي الوصف كاملاً في دراسة النقد الأول ، ثم نعطي وصفاً مختصراً للأمور المتغيرة ، حتى لا نشغل صفحات دون فائدة. بعض النقود النادرة والفريدة بحاجة إلى دراسة عميقة ، فقد نكتب صفحة أو صفحتين أو ثلاث حسب اللزوم لبيان أهمية النقد ، كما هو الأمر في دراسة نقد قطري بن الفجاءة العربي الساساني . وهو درهم عرف سابقاً ، ويوجد منه نسختان في العالم ، وفي مجموعتنا يوجد درهم ثالث . انبرى لدراسته عدد من علماء المسكوكات ، لكنهم لم يصلوا إلى نتيجة ، ولم يستطيعوا معرفة صاحب النقد، أجرينا مقارنات بين در همنا والدراهم المنشورة لقطري بن الفجاءة ، وأحصينا المدن التي ضرب بها النقود والتواريخ، فتأكدنا من أن هذا الدرهم له دون شك ، وذلك بعد أن توصلنا إلى تفكيك الحروف الفهلوية ، وعرفنا اسمه الذي كتب مع لقب غير مألوف.
يظهر على النقود العباسية أسماء غير اسم الخليفة : هذه الأسماء بعضها للولاة . وبعضها للوزراء أو المتنفذين، وبعضها للمشرف على الضرب . تعرفنا على أكثر هذه الأسماء في المصادر التاريخية ، لكن بعضها لم نعثر عليه ، ولم يذكر منها شيئاً علماء المسكوكات الذين سبقونا . وسنظل متابعين هذا الموضوع لنتعرف عليها بإذن الله ، وهي بلاشك نقود نادرة وأكثرها فريد، تضيف لمعلوماتنا ثروة .
أكثر أسماء المدن معروفة، لكن بعض الدراهم تحمل أسماء مدن غير معروفه وهذه أيضاً ذات أهمية بالغة ، سنتابع البحث عنها .
من طرائف هذه المجموعة وجود خطأ في اسم الخليفة أو في التاريخ المضروب مثلاً ورد اسم المهدي على درهم، وذكر التاريخ ١٧٦ هـ . هذا التاريخ من عهد الرشيد . ترى هل الدرهم ضرب في عهد المهدي أو في عهد الرشيد ؟ يوجد نقد مشكل اسم الخليفة عليه غير واضح، ويمكن تقدير اسم (المنتصر) ، والتاريخ مناسب له ، إلا أن اسم ولي عهد المستعين مذكور بوضوح، فهل يجوز نسبة النقد للمنتصر بعد التأكد من اسم ولي العهد ؟
ورد على دينارين في هذه المجموعة ضرب هذا الدرهم ... مع أن النقد دينار لا درهم .. هذه الأغلاط تكون أحياناً هامة .
ذكر على كثير من النقود رموز وإشارات أشرنا إليها ، وهي عادة تميز نقود حاكم من نقود آخر ، وربما كان الرمز للمشرف على السكة ، فإذا غاب الرمز أو ذكر رمز آخر استدللنا على أن المشرف قد تغير .
لابد من ذكر القطر والوزن لكل نقد . هذا يفيدنا من نواح عديدة : أولاً للتمييز بين نقد وآخر مشابه له ، نلاحظ الأجزاء والأضعاف للنقود ، ندرك الفروق الضئيلة في القياس والوزن، وهي تدل على الصنع اليدوي وصحة السك بالضرب دون استعمال طريقة الصب .
إذا كانت المأثورات واحدة على النقود المدروسة المتتالية نضع خطاً بدلاً منها ونشير فوقه أو تحته إلى كلمة أو اسم أو رمز . ليكون الوصف مختصراً في أضيق الحدود.
سعينا أن نكون واضحين في تعريف الأسماء الواردة على النقود وبيان دور أصحابها في التاريخ، وأعطينا ما فيه الكفاية دون إسهاب أو اقتضاب ، وأشرنا إلى المصادر والمراجع المعتمدة الضرورية لتكون دليلاً لمن يحب الاستزادة .
يلاحظ القاريء أننا استعملنا مصطلحات تختلف عن مصطلحات زملائنا العرب الذين كتبوا في هذا الموضع ؛ وقد فضلنا أن نستعمل كلمات مطابقة لوظيفة هذا المصطلح . بعض المصطلحات وجدناها في المصادر القديمة التي تكلمت عن النقود ، فرأيناها مناسبة جداً ، فآثرنا الاستفادة منها . إليكم بعض هذه المصطلحات :
المأثورة : وهي الكتابة المثبته على النقد وذات موضوع واحد . مثلاً : المأثورة الوسطى في الوجه لا إله إلا الله لا شريك له هي مأثورة التوحيد .
المأثورة الوسطى في الظهر "محمد رسول الله" وقد زيد عليها صلى الله عليه أو وأضاف الفاطميون علي ولي الله . ويكتب أحياناً فوق هذه المأثورة التركيب "لله" أو "للخليفة"، ويذكر لقب الخليفة في الأسفل .
المدار : خصصنا هذه الكلمة للمأثورة الدائرية ، وقد وجدناها مستعملة بهذا المعنى عند المؤرخين القدماء . يكتب عادة في المدار (مدينة الضرب) و (التاريخ) ، وقد يكون المدار مزدوجاً .
الطوق : يفصل بين المأثورة الوسطى والمدار أحياناً طوق من خط أو من حبيبات تشكل دائرة منتظمة ، هذا هو الطوق الداخلي : أما الطوق الخارجي فإنه يكون على الأكثر مؤلفاً من حبيبات أو لآلىء ، وقد يكون مزدوجاً أو مؤلفاً من ثلاثة أطواق .
الحلقة : يلاحظ وجود حلقات صغيرة أو كبيرة موزعة بانتظام قريباً من الطوق الخارجي ، قد تكون ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً أو أكثر ... وقد تكون صغيرة وكبيرة ، رصفت بالتناوب مثلا : Oooo Oooo oooo .
هذه الحلقات تستعمل بأشكال مختلفة ، قد تستمر على شكل خمس حلقات صغيرة في عهد خليفة ، فإذا تغير الخليفة وجدنا اختلافاً إما بعددها أو بحجمها أو بترتيبها بين صغيرة وكبيرة . وقد لوحظ هذا الأمر جلياً عندما كانت النقود خالية من أسماء الخلفاء .
الهامش : هو الفراغ الخارجي بعد الطوق الخارجي . يكون على الأكثر فارغاً ، ولكن على النفود العربية الساسانية نراها مشغولة بأهلة ونجوم ، يتخللها مأثورة عربية مثل “بسم الله” أو «بسم الله ربي» أو «الحمد الله» ... وقد تبدو كلمة فهلوية أو أكثر في الربع الثالث . نرى في هامش بعض النقود الأموية والعباسية بعض الكلمات أو مأثورات تحمل شعار ثورة أو فرقة دينية .
***
هذه بعض الأمور التي أحببنا أن يطلع عليها القاريء قبل الاستفادة من الكتاب ليكون على بينة ، فلا يفاجأ بالطريقة أو الأسلوب أو المصطلح... نرجو أن نكون قد سددنا ثغرة في علم المسكوكات ، والله الموفق .
|