بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com
موسوعة كنوز “أم الدنيا"
أبو فراس الحمداني هو الحارث بن سعيد بن حمدان الحمداني التغلبي الربعي وهو قائد عسكرى وشاعر عربي وهو إبن عم علي بن أبي الهيجاء بن حمدان بن الحارث المعروف بسيف الدولة الحمداني أمير الدولة الحمدانية التي شملت أجزاء من شمالي سوريا والعراق وكانت عاصمتها حلب في القرن العاشر الميلادى وكانت هذه الدولة إمارة إسلامية شيعية أسسها أبو محمد الحسن بن أبي الهيجاء الشهير بلقب ناصر الدولة في مدينة الموصل بالجزيرة الفراتية وإمتدت لاحقا بإتجاه حلب وسائر بلاد شمال الشام وأقسام من جنوب إقليم الأناضول وقد قامت هذه الدولة عندما ولى الخليفة العباسي أبو الفضل جعفر المقتدر بالله ناصر الدولة على الموصل وأعمالها وكان هذا الأخير صاحب طموحٍ سياسي واسع فراح منذ أن تولى تلك المنطقة من الجزيرة الفراتية يسعى حثيثا لتكوين إمارة خاصة به فإستعان بالقوة العسكرية في سبيل تحقيق رغبته وسيطر على عدد من بلاد شمال العراق ثم طلب الأمان من الخليفة والإعتراف بسلطته على المناطق التي كان قد فتحها فوافق الخليفة على طلبه ولما إستولى البويهيون الشيعة على الحكم في بغداد وتسلطوا على الخلافة العباسية أجبروا الحمدانيين على الإنكماش في الموصل ودفع الجزية لمعز الدين البويهي أما سيف الدولة الحمداني شقيق ناصر الدولة فقد غادر الموصل وتوجه إلى شمالي الشام حيث إنتزع مدينة حلب وضواحيها من أيدى الإخشيديين عام 944م وحاول أن يوسع مساحة دولته بإتجاه الجنوب فإستولى على حمص ولكنه لم يستطع إنتزاع دمشق من الإخشيديين ومن جانب آخر فقد كان له دور كبير في الحروب الإسلامية البيزنطية في مواجهة الإمبراطورية البيزنطية في أوج قوتها والتي إستطاعت في بدايات القرن العاشر الميلادى السيطرة على بعض الأراضي الإسلامية وفي أثناء مصارعة عدو متفوق بكثير عدة وعتادا شن سيف الدولة الحمداني غارات في عمق الأراضي البيزنطية متمكنا من فتح بعض المناطق وإستمر ذلك حتى عام 955م وكان أبو فراس الحمداني معه في هذه الحروب يدا بيد وبعد ذلك قاد القائد الجديد للقوات البيزنطية نقفور الثاني ومساعدوه هجوما قصم قوات سيف الدولة الحمداني وإستولى البيزنطيون على قلقيلية بجنوب إقليم الأناضول كما إحتلوا مدينة حلب نفسها لفترة وجيزة في عام 962م وقد تميزت السنوات الأخيرة لسيف الدولة الحمداني بالهزائم العسكرية لعجزه المتزايد نتيجة المرض وإنخفاض سلطته التي أدت إلى ثورة أقرب مساعديه عليه وكانت وفاته في أوائل عام 967م تاركا دولة ضعيفة فقدت أنطاكية والساحل السورى لبيزنطة لتصبح مناطق تابعة للإمبراطورية البيزنطية في عام 969م وكان ميلاد أبي فراس الحمداني عام 320 هجرية الموافق عام 932م ويعود نسبه من ناحية الأب إلى قبيلة تغلب المعروفة ومن ناحية الأم إلى قبيلة تميم إلا أنّ بعض المؤرخين قد شككوا في نسبه من ناحية والدته فذكروا أنها رومية الأصل ومهما يكن من أمر كان لأبي فراس الحمداني عروبة راسخة في مواقفه وتوفي أبوه وهو في حدود الثالثة من عمره إذ قتل على يد إبن أخيه ناصر الدولة وذلك بسبب خلاف وقع بينهما على إمارة الموصل ونشأ أبو فراس في عنفوان الدولة الحمدانية وعوضه الله بوالدته التي ساعدته على صعود درجات المجد مذللةً كل العقبات التي إعترضته في أثناء صعوده وقد ساعدها على ذلك ذكاؤه وفطنته وشخصيته التي إكتسبت الخصال الحميدة من عائلته العريقة كما تعهده بالرعاية إبن عمه وزوج أخته الأمير سيف الدولة الحمداني ولما تعدى سن الطفولة أجاد الفروسية والرماية حتى أصبح فارسا شجاعا مغوارا وسم بالشجاعة والبسالة والحنكة وهكذا تم تجهيزه ليصبح فارسا شجاعا إذ أنه كان يستبشر به خيرا وكان معجبا بمناقبه وحين إستولى على حلب إصطحبه معه حيث أقام هو وأسرته فنشأ قائدا يدافع عن إمارة إبن عمه ضد الروم وهجمات جيش قائدها الدمستق وكان يتقدم في المعارك ضد الروم ويحرص على المشاركة فيها لا ترهبه شدتها ولا يهاب وطيسها وكان يكره القعود عن منازلة الروم ويقاتل جنبا إلى جنب مع سيف الدولة الحمداني .
وكان من الغزوات التي شارك فيها أبو فراس مع سيف الدولة الحمداني معاركه العديدة ضد الروم والقبائل العربية المتمردة ويقول أبو فراس عن ذلك غزونا مع سيف الدولة وفتحنا معه حصن العيون ببلاد الثغور الرومية وهي المناطق الفاصلة بين حدود الدولة الإسلامية والدولة البيزنطية شمالي الشام وجنوبي الأناضول في عام 339 هجرية الموافق عام 950 م وكان أيضا من المعارك التي خاضها أبو فراس الحمداني في بداية حياته العسكرية كانت معركته مع قسطنطين الدمستق عام 340 هجرية الموافق عام 951م حينما كلفه سيف الدولة الحمداني ببناء حصن رعبان بشمال الشام بعد أن ضربته الزلازل فبني الحصن في سبعة وثلاثين يوما وإلتحم مع ملك الروم فهزمه ومن الطريف أن أبا فراس قد إنتصر على ملك الروم وكان لم يكمل 21 عاما من عمره ومن ناحية أخرى أحضر سيف الدولة الحمداني لأبي فراس المعلمين الذين علموه كافة العلوم الفكرية والأدبية وظهرت عليه موهبة الشعر وأصبح شاعرا متميزا وهو في ريعان شبابه وتميز شعره بسلاسة الألفاظ وجسامة المعاني وصدق العاطفة بعيدا عن الإبتذال والمجاملة والتكسب وكان يشارك في مجالس الأدب مذاكرا الشعراء ومنافسا لهم وقضى معظم سنين حياته في حلب التي إمتازت آنذاك ببيئتها الراقية التي لم يكن لها مثيل بين بيئات العالم الإسلامي في تلك الفترة لا سيما في مجالات الفكر والأدب وكان هذا بفضل سيف الدولة الحمداني الذى كان محبا للأدب والفكر وإشتهر بلاطه في حلب بالحشد الكبير من العلماء والأدباء الذين أقاموا في كنفه وتحت رعايته وكان لهذه الحياة التي عاشها أبو فراس في ظل سيف الدولة وقربه منه الأثر الكبير في حياته لما تمتع به ذلك الرجل من صفات نبيلة فقد كان شجاعا كريما مهاب الجانب يمتلك القدرة على إصطفاء الرجال ووضعهم في مكانهم المناسب فهو لم يخطئ في تقدير مواهب أبي فراس فصنع منه شخصية فذة كان لها دور كبير في حياة الدولة الحمدانية السياسية وشاعرا ترك إرثا أدبيا عظيما وكان أبو فراس الحمداني يتنقل بين الحين والآخر في بلاد الشام وكانت المواجهات والحروب كثيرة بين الحمدانيين والروم في أيام أبي فراس الحمداني وكان من أهداف الروم الإستيلاء على قيليقية وهي المنطقة الممتدة بمحاذاة الساحل الشمالي للبحر المتوسط جنوبي الأناضول وذلك تمهيدا للولوج إلى بلاد الشام والقضاء على سيف الدولة الحمداني ثم الإندفاع نحو الجنوب في سبيل نصرة المسيح والإمبراطور البيزنطي الذى يمثله على الأرض وبلوغ أطراف الإمبراطورية البيزنطية المؤدية إلى بيت المقدس وإنتزاعه من المسلمين ولذا ففي عام 348 هجرية الموافق عام 959م إجتاح القائد البيزنطي الدمستق ليون فوقاس مدينة طرسوس والتي تقع بجنوب الأناضول على ساحل البحر المتوسط وإستولى على حصن الهارونية قرب مرعش بجنوب إقليم الأناضول يوم 1 شوال عام 348 هجرية الموافق 5 ديسمبر عام 959م ثم توجه إلى ديار بكر بجنوب إقليم الأناضول أيضا فتصدى له سيف الدولة الحمداني وكان من قواده أبي فراس الحمداني فعاد إلى الشام وهو يقتل ويدمر ويهدم الحصون والقلاع وتوج حملته بأسر صاحب الموصل والشقيق الأكبر لسيف الدولة الحمداني محمد بن ناصر الدولة الحمداني .
وفي العام التالي 349 هجرية الموافق عام 960م خرج سيف الدولة الحمداني على رأس جيش كبير تعداده ثلاثون ألف مقاتل وإصطحب معه إبن عمه أبي فراس الحمداني بهدف الإنتقام من الروم وردا على الهزيمة التي لحقت به في العام المنصرم وتوغل سيف الدولة الحمداني بجيشه في الأراضي البيزنطية حتى خرشنة وهي بلد من بلاد الروم المقابلة للثغور الشامية وتقع قرب ملطية بشرق إقليم الأناضول وهو يقتل ويسبي ويحرق ويفتح الحصون من دون أن يحفل بما خلفه وراءه ليون فوقاس من جند في الشام وكان هذا خطأ عسكرى كبير من جانبه كلفه غاليا وكان من الواجب ألا يقع فيه حيث تجنب ليون الدخول في معركة سافرة مع سيف الدولة الحمداني وجيشه الذى كان يتفوق عليه في العدد والعتاد وفضل أن يكمن له في ممرات جبال طوروس التي تقع بجنوب شرق الأناضول وينحدر منها نهر الفرات نحو شمال شر ق سوريا فالعراق فإحتل الدروب الرئيسية التي لابد أن يجتازها سيف الدولة بجيشه في طريق عودته وفعلا بلغ الجيش الحمداني بعد إنتصاره سفح جبال طوروس من الجهة الشرقية وإتخذ طريقه في درب صخرى ضيقٍ إشتهر بإسم مغارة الكحل وهو يعد من أهم الدروب التي كانت تسلكها الفرق العسكرية الإسلامية خلال معاركها مع الروم البيزنطيين ذهابا وإيابا وكانت القوات البيزنطية قد إحتشدت في هذا الدرب حتى إذا تقدم جيش سيف الدولة الحمداني بمن معه من الأسرى وبما يحمل من الأسلاب والغنائم إنقض عليه ليون بقواته فدارت بين الطرفين معركة في يوم 15 رمضان عام 349 هجرية الموافق يوم 8 نوفمبر عام 960م تعرض فيها سيف الدولة الحمداني لخسارة جسيمة وصلت إلى حد الكارثة فقد وضع ليون السيف في قُواته ووقع أبو فراس الحمداني في الأسر حين أصيب بسهم بقي نصله في فخذه وحمل إلى قلعة خرشنة الواقعة على نهر الفرات وسجن بها بينما نجا سيف الدولة الحمداني بمعجزة مع عدد ثلاثمائة مقاتل بشق الأنفس وعاد إلى مقره بحلب وإسترد ليون الأسرى البيزنطيين والغنائم وإستولى على خزائن سيف الدولة الحمداني وأسلحته ودوابه وظل أبو فراس الحمداني أسيرا لدى البيزنطيين لفترة حتى تخلص من أسره بطريقة إختلف المؤرخون فيها فقيل إنه هرب بأن ركب جواده وأهوى به من أعلى الحصن إلى نهر الفرات وقيل إن إبن عمه سيف الدولة الحمداني إفتداه بالمال .
وبعد عودة أبي فراس الحمداني من الأسر ولاه سيف الدولة الحمداني على مقاطعة منبج وما حولها من القلاع فإستقر فيها وهي منطقة تقع بين حلب ونهر الفرات شمال شرق محافظة حلب في شمال سوريا على بعد 30 كم غرب نهر الفرات وعلي بعد 80 كم من مدينة حلب فأحسن حكمها وإدارتها والذود عنها لما عرف عنه من الذكاء والفطنة والنجابة والقدرة على تحمل المسؤولية وخلال ما تبقى من العام الهجرى 349 هجرية وخلال عام 350 هجرية الموافقين لأواخر العام الميلادى 960م وعام 961م هدأت نسبيا الحروب بين الحمدانيين والروم وخلال هذه الفترة إجتهد سيف الدولة الحمداني بالتعاون مع قادته وعلى رأسهم أبي فراس الحمداني في توفير المال والرجال لكي يستطيع الإستمرار في قتال وجهاد البيزنطيين ودفعهم بعيدا عن حدود الديار الإسلامية فجند مقاتلين من القبائل العربية الضاربة في الجزيرة الفُراتية والشام من بني عقيل ونمير وكلاب والذين شكلوا العمود الفقرى لقواته المسلحة كما جند المتطوعة الذين رغبوا في الجهاد ضد البيزنطيين هذا إلى جانب العنصر الأعجمي كالترك والديلم والذين تبوأ بعضهم مراكز قيادية في دولته وإستغل الشعور الديني لإقناع جنوده بأنهم يؤدون فريضة الجهاد بقتال الروم كما إستغل طمعهم المادى في الحصول على الغنائم لكي يحثهم على القتال كما كان يغدق عليهم مما يتخلّف في ميادين القتال من الأموال والأسلاب ولذا فقد إشتهر غلمانه بشدة البأس في القتال وقام بتقسيم جيشه إلى فرق عسكرية من الفرسان والمشاة من حملة الأقواس والسهام وقد شكلت طليعة الجيوش وكان الفرسان يحملون الرايات الملونة والمزخرفة بالآيات القرآنية والنقوش وكانوا يغطون أبدانهم شأن المشاة بالتروس الضخمة ويحملون بأيديهم الرماح الطويلة والأقواس التي يرمون بها النشاب كما إستعمل الجيش الحمداني آلات ذات أصوات حادة كانوا يقرعونها أثناء الحرب فتقوم بعمل مزدوج إثارة الحماس في نفوس الجند المسلمين والرعب في نفوس الجند البيزنطيين حيث تختلط أصواتها بأهازيج الجند الحماسية وبهدير الإبل التي تحمل معدات الحرب فتثير أيضا الفزع في خيولهم فتجمح وتهرب .
وبعد الإنتهاء من هذه الإستعدادات والتجهيزات وهذه الهدنة القصيرة بين الروم والحمدانيين عاد القتال بين الطرفين بعنف حيث إستأنف نقفور فوقاس حملاته العسكرية فإستولى في شهر ربيع الأول عام 351 هجرية الموافق شهر أبريل عام 962م على الحصون والمدن التابعة لإمارة حلب في خطوة متقدمة للوثوب إلى حلب نفسها فسقط في يديه وأيدى قادته من المدن دلوك ورعبان ومرعش وعينتاب كما قام بإرسال قوة عسكريةً بقيادة إبن أُخته تيودور إستولت على منبج وحاصر الروم قلعتها حتى سقطت وكان أبو فراس خارج المدينة مع نفر من أصحابه فإلتقى بجيش الروم ففر أصحابه وصبر هو فقاتل ولم يستسلم إلا بعد أن جرح وأُسر ثانية وحمل إلى قلعة خرشنة مرة أخرى وواصل الروم سيرهم إلى حلب وفي يوم 18 ذى القعدة عام 351 هجرية الموافق يوم 18 ديسمبر عام 962م وصل البيزنطيون بقيادة نقفور إلي حلب بجيش ضخم قوامه 80 ألف فارس وفاق بعناصره وعتاده حجم الجيش الحمداني وأحاط أفراد الجيش الرومي بجيش سيف الدولة وهاجموه وجرى قتال ضار بين الطرفين ولم يستطع سيف الدولة الصمود بجيشه القليل العدد فإنهزم وفر متجها إلي قنسرين شمالي حلب وحوصرت حلب بداية من يوم السبت 20 ذى القعدة عام 351 هجرية الموافق يوم 20 ديسمبر عام 962م فخرج شيوخ حلب بعد مرور يومين يطلبون من نقفور أن يفك حصاره فإشترط تسليم سيف الدولة له فأخبروه أنه قد فر من المدينة فطمع في الإستيلاء عليها عنوة وأرسل يومها رسولا إلى شيوخ حلب يعرض على المدينة الأمان مقابل أموال وعلي أن يمكنوا جيشه من الدخول من باب والخروج من باب آخر وينصرف عنهم فطلبوا مهلة لِلتشاور فقبل ذلك وفي اليوم التالي خرج شيوخ حلب إلي نقفور بقبول العرض لكن هذا الأخير تشكك في نواياهم وأنهم ربما قد أعدوا كمينا لقواته حين يدخلون المدينة فأنكر بعض الحاضرين ذلك وأقسموا أنه لم يبق بالمدينة من يحمل السلاح فأدرك نقفور ضعف دفاعات المدينة وصرفهم على أن يأتوه في اليوم التالي وفي المساء هاجم البيزنطيون أسوار المدينة وإعتلوا أقصر بقعة في السور بالقرب من باب قنسرين وحاولوا هدمها فواجههم أهل المدينة ببعض المقاومة وأصلحوا السور وكبروا فتراجع البيزنطيون إلى جبل جوشن وإستغل بعض أوباش الناس واللصوص إنشغال أهل حلب بالدفاع عن المدينة فهاجموا منازل الناس وخانات التجار لينهبوها فإنشغل شيوخ البلد عن الدفاع عن السور ولحقوا بمنازلهم فلما رأى البيزنطيون السور دون دفاع نصبوا السلالم عليه ودخلوا المدينة وذلك في ليلة الثلاثاء 22 ذى القعدة عام 351 هجرية الموافق ليلة 22 ديسمبر عام 962م وتمكنوا من إقتحام المدينة وقام الروم بإرتكاب مجزرة كبيرة وعدة فظائع بها حيث أعملوا السيف في أهلها وأحرقوا البيوت والدور والمساجد والأشجار والمزروعات والمعالم الحضارية من أسواق وقصور بما فيها قصر سيف الدولة الحمداني وأطلقوا سراح الأسرى البيزنطيين وسبوا عدد 10 آلاف شخص معظمهم من الشباب وبعد فترة أفرج عنهم وعادوا إلى العاصمة القاحلة والمحطمة حيث كانت قد إستحالت حلب وأعمالها خرابا وجدير بالذكر أن الروم لم يفلحوا فقط في إقتحام قلعة المدينة التي إستعصت عليهم حيث تمكنت حاميتها من دفعهم في كل مرة حاولوا إقتحامها على الرغم من سوء أوضاع المعتصمين بها وما تعرضوا له من الشدة والجوع بسبب قلة المؤونة حتى أنهم كانوا يتسللون ليلا للبحث عن الأقوات ومثلت حاميتها مصدر خطر على الجنود البيزنطيين المحاصرين لها حيث كان جنود الحامية ينقضون عليهم من حين إلى آخر مما أثار تيودور إبن أُخت نقفور والذى أصر على الإستيلاء على القلعة بأى ثمن على الرغم من معارضة القائد نقفور الذى رأى أن ينصرف عن القلعة حيث أن من في القلعة ليس أمامهم حل سوى الإستسلام في النهاية حيث أنهم لا يجدون قوتا لكن تيودور صمم علي الهجوم علي القلعة وعندما إقترب من بابها رماه أحد الجنود بسهم فقتله وحملت جثته إلى نقفور دون رأس فطلب من حامية القلعة تسليم من قتل إبن أخته فرمى المدافعون عن القلعة إليه برأس تيودور .
وأخيرا فقد إضطر نقفور أن ينسحب من المدينة بعد بضعة أسابيع من إحتلالها بعد أن بلغته أنباء مؤامرة تحاك ضده في البلاط البيزنطي في القسطنطينية وأن المسلمين قد إحتشدوا في دمشق والعراق ومصر وتنادوا لنصرة حلب والزحف إليها والثأر من الروم وفي واقع الأمر كان سقوط حلب يعد صدمة كبيرة في العالم الإسلامي لا سيما وأن الجميع قد توقع أن تكون الحملة البيزنطية علي حلب مقدمة لِحملات أُخرى سيقوم بها البيزنطيون على الجزيرة الفراتية والموصل وفي الأخيرة كان الناس ثائرون غاضبون فأغلق الأهالي الأسواق وإجتمعوا في المسجد الجامع من أجل ذلك كما إجتمعوا بالأمير ناصر الدولة الذى وعدهم بالمضي في الجهاد وكان سيف الدولة قد أقام في قنسرين حتي إنسحب البيزنطيون من حلب يراقب تطور الأحداث وما كاد الجيش البيزنطي ينسحب من حلب حتى عاد إليها ليجدها خرابا فإنصرف إلى إزالة آثار العدوان وإعادة تعميرها وحرص علي أن يعيد إليها ما تفرق من سكانها كما أنه بدا يعيد ترتيب وتجهيز جيشه وفي واقع الأمر فقد كانت إمارة حلب الحمدانية في تلك الحقبة الزمنية تمر بمرحلة صعبة لفترة مؤقتة بعد أن خربها نقفور وقام الروم بنقل أبي فراس الحمداني إلى العاصمة البيزنطية القسطنطينية وطالت فترة أسره فقام بتوجيه جملة رسائل إلى إبن عمه سيف الدولة في حلب يتذمر فيها من طول الأسر وقسوته ويلومه على المماطلة في إفتدائه ويشكو الدهر وكان يرسل أيضا القصائد المليئة بمشاعر الألم والحزن والحنين إلى الوطن فتتلقاها أمه باللوعة حتى توفيت قبل عودة وحيدها من الأسر ولم تكن أخبار حلب وما مرت به من أحداث جسيمة وتخريبها على يد نقفور بطبيعة الأمر تصل إلى أبي فراس فكان يتذمر من نسيان سيف الدولة له ولما أتم سيف الدولة إستعادة إمارته وملكه في حلب وأتم إستعداداته وتجهيز جيشه عاد وهاجم الروم في عام 354 هجرية الموافق عام 966م وهزمهم وإنتصر عليهم وأسر أعدادا يسيرة من الروم فأسرع إلى إفتداء أسراه والذين كان منهم إبن عمه أبو فراس الحمداني وبعد مضي حوالي عام أى في عام 354 هجرية الموافق عام 967م توفي سيف الدولة الحمداني وكان له مولى إسمه قرعويه طمع في التسلط، فنادى بأبي المعالي سعد الدولة الحمداني إبن سيده وإبن أخت أبي فراس أميرا على حلب آملا أن يبسط يده بإسم أميره على الإمارة بأسرها وأدرك أبو فراس الحمداني نوايا قرعويه فدخل مدينة حمص وإستقل بها عن سلطة أبي المعالي وحدثت وحشة بينه وبين إبن أخته أبي المعالي والذى أوفد إليه جيشا من الأعراب من بني كلاب وغيرهم بقيادة قرعويه ودارت معركة بين الطرفين قتل فيها أبو فراس وكان عمره آنذاك 37 عاما وكان ذلك في شهر ربيع الأول عام 357 هجرية الموافق شهر مارس عام 968م في بلدة صدد جنوب شرق حمص مخلفا وراءه ذكرا وبطولات وشعرا حفظها التاريخ عبر الأجيال .
وعن ابي فراس الحمداني وبعيدا عن ساحات الحروب والمعارك فقد كان أبو فراس طويلا قوى البنية عريض المنكبين مفتول العضلات ومن ثم كانت تبدو عليه أمارات القوة والبطش كما أنه كان من الشعراء المجيدين إذ خلف زهاء 70 نصا شعريا في مختلف بحور الشعر العربي وجل أغراضه حتى إن الصاحب بن عباد صنفه خاتمة الشعراء فقال عنه بدأ الشعر بملك وإنتهى بملك ويقصد أن الشعر بدأ بأمرؤ القيس الذى إشتهر بلقب أمير شعراء العصر الجاهلي وإنتهى بأبي فراس الحمداني هذا ولم يستطع ابو فراس تجميع قصائده في كتاب بسبب إنشغاله في الحملات العسكرية والحروب ضد الروم مما دفع بعضا من الكتاب والمؤرخين لتجميعها حيث جمع العالم اللغوى الشهير أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه بعض شعره وهو الذى كان قد أسند إليه سيف الدولة الحمداني مهمة الإشراف على تعليمه وأصبحت فيما بعد علاقتهما وثيقة وقوية كما جمع العالم اللغوى والشاعر عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي البعض الآخر وطبع ديوانه في بيروت مرتين في أواخر القرن التاسع عشر الميلادى كما طبع أيضا في دمشق عام 1944م كما ترجم الديوان إلى بعض اللغات الأجنبية وكان لمعاصرته للشاعر أبي الطيب المتنبى وإحتكاكه به الأثر البالغ في شعره كما أن تجنبه التكسب والمجاملات بشعره جنبه التفاهة والإبتذال مما جعله يتفوق ويتميز على الكثير من الشعراء في عصره ومن ثم فقد إقتصرت الأغراض الشعرية في شعر أبي فراس الحمداني على الموضوعات التي كانت تناسب شخصيته ومكانته وعزة نفسه وتتفق مع مفهومه للشعر وتتمثل هذه الأغراض في الفخر والحماسة والغزل والوصف والحكمة والرثاء ولم تزل قصائده بأبياتها تلامس سمع الزمان وقلبه منذ أن فاض بها لسان أبي فراس الحمداني وجنانه وحتى يومنا هذا وكان من أشهر هذه القصائد ما عرف بإسم الروميات وهي القصائد التي كتبها أبو فراس الحمداني خلال فترة أسره عند الروم وذلك نسبة لمكان أسره وبلا شك فقد كان لطول مدة أسره أثرها الكبير في صقل موهبته الشعرية وتهذيب وِجدانه هذا وقد تميزت قصائده بجزالتها وقوتها ورصانتها وصدق عاطفتها وأحاسيسها وعكست مشاعره وحبه وشوقه الشديد لوالدته وحنينه إليها وحزنه على مرضها وتعد قصيدته الشهيرة أراك عصي الدمع شيمتك الصبر مثالا حيا على شعر الروميات فقد صنفها عدد من النقاد ضمن الآداب العالمية الخالدة لقوة شاعريتها وصدق عاطفتها وتجرد الشاعر فيها بأناه الخاصة للتعبير عن عواطفه ومشاعره وقناعاته ومبادئه وما يتبناه من حكم وقيم ويقول في مطلع هذه القصيدة اراك عصي الدمع شيمتك الصبر أما للهوى نهي عليك ولا أمر بلى أنا مشتاق وعندى لوعةٌ ولكن مثلي لا يذاع له سر وقد غنت هذه القصيدة كوكب الشرق أم كلثوم في ستينيات القرن العشرين الماضي من تلحين الموسيقار الكبير رياض السنباطي وكان من رومياته أيضا مناجاته لحمامة كانت تقف على نافذة سجنه قائلا وقد ناحت بقربي حمامة أيا جارتا هل تشعرين بحالي معاذ الهوى ما ذقت طارقة النوى ولا خطرت منك الهموم ببال .
وفي النهاية نختم مقالنا هذا عن أبي فراس الحمداني أنه قام الكاتب والشاعر المصرى الكبير المعروف والذى إعتبره البعض خليفة أمير الشعراء أحمد بك شوقي وشاعر النيل حافظ إبراهيم علي الجارم بتأليف رواية بإسم فارس بني حمدان تناول فيها قصة حياته وعلاقته بإبن عمه سيف الدولة الحمداني وجهاده ضد الروم وقصة أسره مرتين لدى الروم وجدير بالذكر أن علي الجارم كان مهتما بالتاريخ العربي فقدم العديد من الروايات الأدبية التاريخية منها غير رواية فارس بني حمدان رواية الذين قتلهم شعرهم ورواية هاتف من الأندلس عن حياة الشاعر الأندلسي إبن زيدون في الأراضي الأندلسية ويعرض من خلالها صفحات من تاريخ الحضارة الإسلامية في بلاد الأندلس ورواية الشاعر الطموح وكانت تتضمن دراسة عن حياة وشخصية الشاعر أبي الطيب المتنبي ورواية خاتمة المطاف وروايتي الفارس الملثم والسهم المسموم ورواية مرح الوليد وهي سيرة كاملة عن الخليفة الأموى الحادى عشر الوليد بن يزيد بن عبد الملك ورواية سيدة القصور عن آخر أيام الفاطميين في مصر ورواية غادة رشيد التي تناولت قصة كفاح شعب مصر ضد الإستعمار الفرنسي أثناء الحملة الفرنسية على مصر ما بين عام 1798م وعام 1801م ورواية شاعر ملك عن قصة المعتمد بن عباد حاكم إشبيلية وقرطبة ببلاد الأندلس في عصر ملوك الطوائف ورواية نهاية المتنبي وبالإضافة إلى ذلك فقد قام بترجمة لكتاب المستشرق البريطاني إستانلي لين بول قصة العرب في أسبانيا هذا وقد تم تحويل روايته فارس بني حمدان إلى فيلم سينمائي بنفس الإسم في عام 1966م من إنتاج حلمي رفلة وإخراج المخرج الكبير نيازى مصطفى وبطولة الفنان الكبير فريد شوقي الذى جسد شخصية أبي فراس الحمداني والفنان الكبير عماد حمدى الذى جسد شخصية سيف الدولة الحمداني والفنان الكبير محمود مرسي الذى جسد شخصية قرعويه والفنان الكبير أحمد خميس الذى جسد شخصية الشاعر أبي الطيب المتنبي والفنان الكبير عادل أدهم الذى جسد شخصية الإمبراطور البيزنطي والفنانة الكبيرة سندريلا السينما المصرية سعاد حسني التي جسدت شخصية نجلاء الخالدية زوجة أبي فراس وحبيبته والفنانة الكبيرة عزيزة حلمي التي جسدت شخصية والدة أبي فراس الحمداني والفنانة الكبيرة نعمت مختار التي جسدت شخصية فاطمة شقيقة نجلاء الخالدية والفنانة الكبيرة ليلى فوزى التي جسدت شخصية الإمبراطورة البيزنطية والفنانة الكبيرة ملك الجمل التي جسدت شخصية خادمة نجلاء الخالدية .
|