الجمعة, 17 أبريل 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

الإمام الليث بن سعد

 الإمام الليث بن سعد
عدد : 08-2023
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com
موسوعة كنوز “أم الدنيا"


الإمام الحافظ العالم شيخ الإسلام أَبو الحارِث الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي القلقشندى فقيه ومحدث وإمام أهل مصر في زمانه وصاحب أحد المذاهب الإسلامية المندثرة وهو يعد أحد أشهر الفقهاء في زمانه وفاق في علمه وفقهه إمام المدينة المنورة وثاني الأئمة الأربعة الإمام والفقيه الحافط مالك بن أنس غير أن تلامذته لم يقوموا بتدوين علمه وفقهه ونشره في الآفاق مثلما فعل تلامذة الإمام مالك وكان ثالث الأئمة الأربعة الإمام والفقيه الحافظ محمد بن إدريس الشافعي يقول عنه إن الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به وقد بلغ الإمام الليث مبلغا علميا عاليا من العلم والفقه الشرعي وقد عرف بأنه كان كثير الإتصال بمجالس العلم بحيث قال المحدث إبن بكير البغدادى الصيرفي سمعت الليث يقول سمعت بمكة سنة ثلاثة عشرة ومائة من الزهرى وأنا إبن عشرين سنة ولذا فنظرا لمكانته وعلمه كان متولي مصر وقاضيها وناظرها يرجعون إِلى رأيه ومشورته ويأخذون بهما وللأسف الشديد لم تفصل كتب السير والتراجم الكثير حول سيرة الإمام الليث بن سعد وحياته أكثر من أنه ولد في قرية تسمى قلقشندة إحدى قرى مركز طوخ التابع لمحافظة القليوبية بدلتا مصر في شهر شعبان عام 94 هجرية لأسرة تعود أصولها لمدينة أصبهان أو أصفهان إحدى مدن إيران ومرکز محافظة أصفهان حاليا والتي تقع على بعد 340 كيلو متر جنوب العاصمة طهران وكان من موالى التابعي والقائد العسكرى المسلم خالد بن ثابت بن ظاعن الفهمي والذى شارك في فتوحات بلاد الشام ومصر وبلاد المغرب العربي لذا ينسب الليث إلى بني فهم بالولاء وهي قبيلة قيسية مضرية من القبائل العربية القديمة التي إستوطنت غرب شبه الجزيرة العربية وإشتهرت بالفصحى وقد تلقى الليث العلم على أيدى تابعي مصر ثم رحل عن مصر وهو في العشرين من عمره إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج عام 113 هجرية فسمع من علماء بلاد الحجاز ثم عاد إلى مصر وقد علا ذكره وجلس للفتيا حتى إستقل بالفتوى في زمانه وعظمه أهل وولاة وقضاة مصر وتولى قضاء مصر في ولاية حوثرة بن سهل في خلافة آخر الخلفاء الأمويين مروان بن محمد كما عرض عليه الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور ولاية مصر لكنه إعتذر عنها حيث سأله أتلي لي مصر فقال لا يا أمير المؤمنين إني أضعف عن ذلك إني رجل من الموالي يقصد أن أصله من غير العرب فقال له الخليفة ما بك ضعف معي ولكن ضعف نيتك عن العمل في ذلك لي أتريد قوة أقوى مني ومن عملي فأما إذا أبيت فدلني على رجل أقلده أمر مصر فقال عثمان بن الحكم الجذامي رجل صلاحٍ وله عشيرة وفيما بعد تقابل الإمام الليث مع الخليفة المنصور في القدس فقال له الخليفة أعجبني ما رأيت من شدة عقلك والحمد لله الذي جعل في رعيتي مثلك وكان للإمام الليث موقف آخر مع الخليفة العباسي الثالث محمد المهدى حيث قال يعقوب بن داود وزير الخليفة المهدى قال لي أمير المؤمنين المهدى لما قدم الإمام الليث العراق إلزم هذا الشيخ فقد ثبت عندى أنه لم يبقَ أحد أعلم بما حمل منه ومن بعده كان للإمام الليث موقف أيضا مع الخليفة العباسي الخامس هارون الرشيد فقد روى أبو نعيم عن عبد الله بن صالحٍ قال سمعت الليث بن سعد يقول لما قدمت على أمير المؤمنين هارون الرشيد قال لي يا ليث ما صلاح بلدكم قلت يا أمير المؤمنين صلاح بلدنا بإجراء النيل وإصلاح أميرها ومن رأس العين يأتي الكدر فإذا صفا رأس العين صفت السواقي فقال صدقت يا أبا الحارث .


ومما كان يتميز به الإمام الليث أنه كان ذا ثروة كبيرة ولعل مصدرها كان الأراضي التي كان يملكها لكنه كان رغم ذلك زاهدا وفق ما نقله معاصروه وإلي جانب زهده كان من أبرز صفاته الكرم والسخاء والعطاء فمع كثرة علمه وفقهه وورعه كان رحمه الله كريما معطاءا حتى عرف بهذه الصفة وصارت من سجاياه التي لا تنفك عنه بحال من الأحوال فكان يطعم الناس في الشتاء الهرائس بعسل النحل وسمن البقر وفي الصيف سويق اللوز في السكر أما هو فكان يأكل الخبز والزيت وقيل في سيرته إن دخله بلغ ثمانين ألف دينار ومع ذلك لم تجب عليه الزكاة قط لأنه كان كريما فكان ينفق ةمعظم دخله ويتصدق به ويعطي الفقراء طوال أيام السنة ولا يحول عليه الحول وعنده منها دينار واحد وعلاوة علي ذلك كان له في كل يوم مجلس لأصحاب الحوائج فكان ما يأتيه سائل كبرت حاجته أو صغرت إلا أعطاه منها وقال قتيبة بن سعيد عن ذلك كان الإمام الليث بن سعد يركب في جميع الصلوات إلى الجامع ويتصدق كل يوم على 300 مسكين وقال قتيبة أيضا رجعنا مع الليث بن سعد من الإسكندرية ومعه ثلاث سفن سفينةٌ فيها مطبخه وسفينةٌ فيها عياله وسفينةٌ فيها أضيافه وبخصوص كرم وعطاء وجود وعظيم فضل الإمام الليث بن سعد نجد له مواقف عديدة في هذا الشأن منها قول الإمام مالك كتبت إليه في قليل عصفر نصبغ به ثياب صبياننا وثياب جيراننا فأنفذ إلينا ما صبغنا به ثيابنا وثياب صبياننا وثياب جيراننا وبعنا ما تبقي بألف دينار فيا لكرم الإمام الليث ومن مواقفه أيضا ما ذكر من أنه سمع عن كلام منصور بن عمار في الجامع فأعجب بما قال وأرسل إليه وأعطاه عطاءا وكرر هذا العطاء ووعده بأن له مثله كل سنة وذلك ما رواه محمد بن موسى الصائغ حيث قال سمعت منصور بن عمار وهو أحد أعلام التصوف السني يقول تكلمت في جامع مصر يوما فإذا رجلان قد وقفا على الحلقة فقالا أجب الليث فدخلت عليه فقال أنت المتكلم في المسجد قلت نعم قال رد علي الكلام الذى تكلمت به ففعلت فرق وبكى حتى أنني أشفقت عليه ثم قال ما إسمك قلت منصور قال إبن من قلت إبن عمار قال أنت أبو السرى قلت نعم قال الحمد لله الذي لم يمتني حتى رأيتك ثم قال يا جارية فجاءت فوقفت بين يديه فقال لها جيئي بكيس كذا وكذا فجاءت بكيس فيه ألف دينار فقال يا أبا السرى خذ هذا إليك وصن هذا الكلام أن تقف به على أبواب السلاطين ولا تمدحن أحدا من المخلوقين بعد مدحك لرب العالمين ولك علي في كل سنة مثلها فقلت رحمك الله إن الله قد أحسن إلي وأنعم قال لا ترد علي شيئا أصلك به فقبضتها وخرجت قال لا تبطئ علي فلما كان في الجمعة الثانية أتيته فقال لي إذكر شيئا فتكلمت فبكى وكثر بكاؤه فلما أردت أن أقوم قال إنظر ما في ثني هذه الوسادة وإذا خمسمائة دينار فقلت عهدى بصلتك بالأمس قال لا تردن علي شيئا أصلك به متى اراك ثانية فقلت الجمعة الداخلة قال كأنك فتت عضوا من أعضائي فلما كانت الجمعة الداخلة أتيته مودعا فقال لي تكلم بشئ أذكرك به فتكلمت فبكى وكثر بكاؤه ثم قال لي يا منصور إنظر ما في ثني الوسادة فإذا ثلاثمائة دينار قد أعدها لي لأداء فريضة الحج ثم قال يا جارية هاتي ثياب إحرام منصور فجاءت بإزار فيه أربعون ثوبا قلت رحمك الله أكتفي بثوبين فقط فقال لي أنت رجل كريم ويصحبك قوم فإعطهم ونظر إلي الجارية التي تحمل الثياب معه وهذه الجارية أيضا لك .

وعن منزلته العلمية فقد تحصل الليث بن سعد على قدر كبير من العلم من خلال سماعه من تابعي عصره في مصر والحجاز والعراق والشام حتى قال المؤرخ والفقيه شهاب الدين احمد بن على بن حجر العسقلاني في الرحمة الغيثية في الترجمة الليثية إن علم التابعين في مصر تناهى إلى الليث بن سعد كما ألم بفقه الإمام والفقيه أبي حنيفة النعمان والإمام مالك بن أنس بل وكان على إتصال بهذا الأخير وبالعديد من علماء عصره من خلال المراسلات المتبادلة ويصلهم بالمال خاصة الإمام مالك بن أنس ومن ثم علت منزلة الليث بن سعد في زمنه حتى إستقل بالفتوى في زمانه وكان منهجه في الفتيا الأخذ بما اقره أهل الأثر من الكتاب والسنة والإجماع ولا يأخذ من أهل الرأى وقد خالف الإمام الليث فقه معاصره الإمام مالك بن أنس كثيرا خاصة فيما يتصل بآراء الإمام مالك الفقهية التي بناها على عمل أهل المدينة المنورة والذى كان أحد أصول فقه الإمام مالك وقد فضل الإمام الليث بن سعد الإعتماد في مذهبه الفقهي على ما صحّ عنده من الأحاديث النبوية المشرفة وإجماع الصحابة الكرام وهو ما يتضح من رسالته إلى الإمام مالك التي قال فيها فإذا جاء أمر عمل به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمصر والشام والعراق على عهد الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان لم يزالوا عليه حتى قبضوا لم يأمروهم بغيره فلا نراه يجوز لأجناد المسلمين أن يحدثوا اليوم أمرا لم يعمل به سلفهم من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم وقد أثني على الإمام الليث الكثير من علماء أهل السنة والجماعة فتناقلت كتب التراجم والسير أقوالهم في حقه فهذا الفقيه وراوى الحديث يحيى بن بكير يقول ما رأيت أحدا أكمل من الليث وقال أيضا كان الليث فقيه البدن عربي اللسان يحسن القرآن والنحو ويحفظ الحديث والشعر حسن المذاكرة وقال عنه الإمام والفقيه أحمد بن حنبل الليث بن سعد ثقة ثبت وقال الإمام الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن يوسف بن سعيد بن خراش صدوق صحيح الحديث وقال راويا الحديث الإمامان العجلي والنسائي الإمام الليث بن سعد ثقة وعلاوة علي ذلك كان لليث بن سعد أيضا منزلته في علم الحديث وتعد رواياته عن عطاء بن أبي رباح عن السيدة أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما وعن عبد الله بن أبي مليكة عن الإمام عبد الله بن عباس رضي الله عنهما والملقب بترجمان القرآن وعن نافع مولى إبن عمر عن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب وعن المقبرى عن الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه من أعلى روايات الحديث النبوي إسنادا .


وكان أيضا من سمات مذهب الإمام الليث الفقهي رؤيته لوجوبية ما داوم النبي صلى الله عليه وسلم على فعله كالتشهد الأول بعد ركعتين في صلاة المغرب أو الصلوات الرباعية كما كان يرى جواز تخصيص القرآن بالسنة كرأيه في وجوب قراءة المأموم حتى وإن جهر الإمام لقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب وهو في ذلك خصص عموم قوله تعالى وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَإسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ويرى الشيخ مصطفى عبد الرازق أن الليث بن سعد توجه بالحركة الفقهية إلى الناحية الخلقية الروحية ويستدل على ذلك بكثرة ما روى الليث من أحاديث تتعلق بحسن السلوك وكمال الخلق إلى جانب ما يتعلق بأحكام الحدود والمعاملات وجدير بالذكر أنه على الرغم من أن الإمام مالك بن أنس كان إماما لأهل الأثر إلا أن الإمام الشافعي كان يرى بأن الإمام الليث بن سعد كان متبعا للأثر أكثر من الإمام مالك بن أنس وكذلك كان رأى معاصريهما من الفقهاء الذين ألموا بفقه الإمام مالك وفقه الإمام الليث كسعيد بن أبي أيوب الذى قال لو أن مالكا والليث إجتمعا كان مالك عند الليث أبكم ولباع الليث مالك فيمن يزيد وكان في ذلك إقرار منه بأن الليث أفقههما وللأسف فقد تعرض مذهب الإمام الليث بن سعد للزوال بعد فترة وجيزة من وفاته وهو ما يتبين من قول الشافعي المتوفي عام 204 هجرية بعد نحو ثلاثين عاما فقط من وفاة الليث بأن الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به كما ذكرنا في صدر هذا المقال فلم يصل لأيدينا سوى شذرات مما نقل من علمه أمثال كتابي عشرة أحاديث من الجزء المنتقى الأول والثاني من حديث الليث الذي كان مضمونا في كتاب الفوائد للإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده وجزء فيه مجلس من فوائد الليث بن سعد وقد أرجع المفكر المصرى أحمد أمين في كتابه ضحى الإسلام سبب ضياع مذهب الليث إلى عدم إعتنائه هو وتلاميذه بتدوين مذهبه في كتب ومما يذكر عن الإمام الليث بن سعد أن أهل مصر كانوا ينتقصون الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان حتى نشأ فيهم الليث بن سعد فحدثهم بفضائله فكفوا ألسنتهم عنه وكان للإمام الليث بن سعد في كل يوم غير مجلس أصحاب الحاجات الذى ذكرناه في السطور السابقة ثلاثة مجالس أخرى كان يجلس فيها أما أولها فيجلس لنائبة السلطان في نوائبه وحوائجه وكان الليث يغشاه السلطان فإذا أنكر من القاضي أمرا أو من السلطان كتب إلى أمير المؤمنين فيأتيه العزل وأما ثانيها فكان يجلس لأصحاب الحديث وكان يقول نجحوا أصحاب الحوانيت فإن قلوبهم معلقةٌ بأسواقهم وأما ثالثها فكان يجلس للمسائل يغشاه الناس فيسألونه في أمور دينهم ودنياهم فيجيبهم .

ومما روى عن فقه الإمام الليث بن سعد قول المؤرخ والمحدث أبي نعيم الأصبهاني عن راوى الحديث الفقيه الحسن بن مليحٍ حدثنا لؤلؤ خادم الخليفة العباسي هارون الرشيد قال جرى بين الخليفة هارون الرشيد وبين زوجته وإبنة عمه زبيدة بنت جعفر مناظرةٌ وملاحاة في شئٍ من الأشياء فقال هارون لها في عرض كلامه أنت طالق إن لم أكن من أهل الجنة ثم ندم وإغتم كلاهما بهذه اليمين ونزلت بهما مصيبة لموضع إبنة عمه منه فجمع الفقهاء وسألهم عن هذه اليمين فلم يجد منها مخرجا ثم كتب إلى سائر البلدان من عماله أن يحمل إليه العلماء والفقهاء من بلدانهم فلما إجتمعوا جلس لهم وأدخلوا عليه وكنت واقفا بين يديه لأمر إن حدث يأمرني بما شاء فيه فسألهم عن يمينه وكنت المعبر عنه وهل له منها مخلص فأجابه الفقهاء بإجابات مختلفة وكان إذ ذاك فيهم الليث بن سعد فيمن أشخص من مصر وهو جالس في آخر المجلس لم يتكلم بشئ والخليفة هارون الرشيد يراعي الفقهاء واحدا واحدا فقال بقي ذلك الشيخ في آخر المجلس لم يتكلم بشئ فقلت له إن أمير المؤمنين يقول لك ما لك لا تتكلم كما تكلم أصحابك فقال قد سمع أمير المؤمنين قول الفقهاء فإذا أراد أن يسمع كلامي فليخلي مجلسه فصرف أمير المؤمنين من كان بالمجلس من الفقهاء والناس ثم قال للإمام الليث تكلم فقال يدنيني أمير المؤمنين فقال ليس بالحضرة إلا هذا الغلام وليس عليك منه عين فقال الليث يا أمير المؤمنين أتكلم على الأمان وعلى طرح التعمل والهيبة والطاعة لي من أمير المؤمنين في جميع ما آمر به قال لك ذلك قال يدعو أمير المؤمنين بمصحف جامعٍ فأمر به فأحضر فقال يأخذه أمير المؤمنين فيتصفحه حتى يصل إلى سورة الرحمن فأخذه وتصفحه حتى وصل إلى سورة الرحمن فقال يقرأ أمير المؤمنين فقرأ فلما بلغ الآية السادسة والأربعين والتي نصها وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ قال قف يا أمير المؤمنين ها هنا فوقف فقال يقول أمير المؤمنين والله فإشتد على الرشيد وعلي ذلك فقال له هارون ما هذا قال يا أمير المؤمنين على هذا وقع الشرط فنكس أمير المؤمنين رأسه وكانت زوجته زبيدة في مكان مسبلٍ عليه ستر قريب من المجلس تسمع الخطاب ثم رفع هارون رأسه إليه فقال والله قال الذى لا إله إلا هو الرحمن الرحيم إلى أن بلغ آخر اليمين ثم قال الليث إنك يا أمير المؤمنين تخاف مقام الله سبحانه وتعالى فقال هارون بلى إني أخاف مقام الله فقال الليث يا أمير المؤمنين فهي جنتان وليست بجنة واحدة كما ذكر الله تعالى في كتابه ويقول الخادم عند ذلك سمعت التصفيق والفرح من خلف الستر وقال هارون أحسنت والله أيها الشيخ بارك الله فيك ثم أمر بالجوائز والخلع للإمام الليث بن سعد ثم قال هارون يا شيخ إختر ما شئت وسل ما شئت تجب فيه فقال يا أمير المؤمنين وهذا الخادم الواقف على رأسك فقال وهذا الخادم فقال يا أمير المؤمنين والضياع التي لك بمصر ولإبنة عمك أكون عليها وتسلم إلي لكي أنظر في أمورها قال بل نقطعك إقطاعا فقال يا أمير المؤمنين ما أريد من هذا شيئا بل تكون في يدى لأمير المؤمنين فلا يجرى علي حيف العمال وأعز بذلك فقال لك ذلك وأمر أن يكتب له ويسجل بما قال وخرج من بين يدى الخليفة أمير المؤمنين بجميع الجوائز والخلع والخادم وأمرت زبيدة زوجة أمير المؤمنين له بضعف ما أمر به زوجها الخليفة هارون الرشيد فحمل إليه وإستأذن في الرجوع إلى مصر فحمل إليها معززا مكرما .

ولايفوتنا هنا أن نذكر أن الإمام الليث بن سعد كان من شيوخه علي سبيل المثال لا الحصر التابعي الفقيه والمحدث عطاء بن أبي رباح والإمام والمحدث الثقة سعيد بن أبي سعيد المقبرى والتابعي وراوى الحديث عبد الله بن أبي مليكة والمؤرخ والمحدث إبن شهاب الزهرى والفقيه والمحدث أبا الزبير المكي والإمام والفقيه جعفر بن ربيعة كما كان للإمام الليث بن سعد تلاميذ كثر إلتفوا حوله وأخذوا منه العلم منهم الإمام العالم عبد الله بن المبارك والفقيه وراوى الحديث يحيى بن بكير والإمام والفقيه المالكي عبد الله بن عبد الحكم وأخيرا كانت وفاة الإمام الليث بن سعد في مصر في يوم الجمعة 15 شعبان عام 175 هجرية عن عمر يناهز الثمانين عاما في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد وكانت جنازته عظيمة شارك فيها جميع طوائف أهل مصر وحزن عليه أهل مصر حتى كانوا يعزون بعضهم بعضا ويبكون وصلى عليه موسى بن عيسى الهاشمي والي الخليفة هارون الرشيد على مصر ودفن بمقابر الصدفيين في القرافة الصغرى بمنطقة عين الصيرة وكان قبره في البداية على هيئة مصطبة حتى بنى أبو زيد المصري أحد كبار تجار مصر على القبر قبة محمولة على عدد أربعة أعمدة رخامية بعد عام 640 هجرية فأصبح القبر داخل ضريح يعتبر حاليا من الآثار الإسلامية الفريدة ويوجد بالضريح حاليا ثلاثة مقابر أخرى الأولى لأم السلطان الكامل وعليها تابوت من الخـشـب يشبه تابوت الإمام الشافعي والثانية للسلطان الكامل وحولها مقصورة مطعـمة بالصدف والثالثة للسـيد محمد بن عـبد الحكم وفيما بعد تعاهد عدد من الأعيان تجديد القبة حيث إستمر أهل الخير يتبارون في زيادة هذا البناء ففي عام 780 هجرية جدد سيف الدين المقدم القبة ثم تم تجديدها مرة ثانية في أيام السلطان المملوكي الناصر فرج بن برقوق وفي العصر المملوكي الجركسي أنشا أبو بكر بن يونس في عام 811 هجرية مسجدا يحمل إسم الإمام الليث بن سعد وفي عام 884 هجرية أضاف الأمير يشبك بن مهدى مئذنة للمسجد في عهد السلطان المملوكي الملك الأشرف قايتباي ثم جدد السلطان المملوكي قنصوة الغورى المسجد في شهر رجب عام 911 هجرية ومن بعده جدده الأمير المملوكي موسى جوريجى ميرزا مستحفظان في شهر ذي القعدة عام 1138 هجرية ومما يذكر أن ملوك وحكام مصر كانوا يقصدون قبر الإمامين الليث والشافعي للزيارة خاصة السلطان قايتباي والسلطان الغورى وفي أوائل القرن العشرين الماضي وفي عام 1322 هجرية وفي عهد خديوي مصر عباس حلمي الثاني قامت وزارة الأوقاف المصرية بتجديد المسجد تجديدا شاملا وذلك يظهر من الكتابة الكوفية الموجودة على المنبر هذا ويقع مسجد الإمام الليث بن سعد حاليا بشارع الإمام الليث بحي الخليفة بجنوب القاهرة وهو يتكون من مستطيل تتقدمه عدة مداخل ويتم الهبوط إلى المدخل الأول بعدة درجات ويلى المدخل الخارجي باب يؤدى إلى طرقة كبيرة بها عمودان رخاميان ثم يأتى الباب الثالث الذي جدده السلطان الغورى وقد ركب على هذا الباب مصراعان من الخشب يتميزان بالزخارف المحفورة حفرا عميقا نقلا إليه من مسجد الإمام الشافعي ويؤدى الباب إلى المسجد المستطيل وينتهى بحائط القبلة حيث يوجد المحراب والمنبر وجدير بالذكر أنه قد نبغ وتميز من نسل الإمام الليث بن سعد إبنه شعيب وحفيده عبد الملك بن شعيب وكلاهما كانا من رواة الحديث النبوى الشريف المعروفين ولإبن حجر العسقلاني كتاب في سيرة الإمام الليث بن سعد سماه الرحمة الغيثية في الترجمة الليثية .
 
 
الصور :