بقلم المهندس/ طارق بدراوى
موسوعة كنوز “أم الدنيا”
أمين حامد هويدى والمعروف باسم أمين هويدى قائد عسكري وسفير وسياسي ووزير مصري تولى رئاسة المخابرات العامة المصرية ووزارة الحربية في وقت واحد بعد نكسة الخامس من شهر يونيو عام 1967م في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وذلك للمرة الأولي والأخيرة التي يجمع فيها شخص واحد بين هذين المنصبين وإستمر كذلك حوالي 8 شهور حيث تم إسناد منصب وزير الحربية للفريق أول محمد فوزى إلي جانب كونه القائد العام للقوات المسلحة المصرية في شهر فبراير عام 1968م وكان قد تم تعيينه في هذا المنصب بعد إقالة المشير عبد الحكيم عامر في يوم 11 يونيو عام 1967م وتفرغ بذلك أمين هويدى لإدارة المخابرات العامة المصرية وكان مولده في قرية بجيرم التابعة لمركز قويسنا بمحافظة المنوفبة في يوم 22 سبتمبر عام 1921م في أسرة ميسورة الحال فألحقه أبوه بالدراسة حيث تلقى تعليمه في المرحلتين الإبتدائية والثانوية في مدرسة المساعي المشكورة بشبين الكوم وفي تلك الفترة تفتح وعي الشاب الريفي البسيط على العديد من الأحداث السياسية التي كانت تشهدها مصر في تلك الفترة حيث كان يتابع عن كثب شأنه في ذلك شأن العديد من أبناء جيله ما يجري بين الأحزاب السياسية والقصر الملكي من مناوشات وعن تلك الفترة قال أمين هويدي كان والدي يرسلني إلى محطة شبين الكوم للسكك الحديدية لكي أكون في إنتظار القطار القادم من القاهرة لكي أشتري له نسخة من صحيفة البلاغ التي كان يملكها عبد القادر باشا حمزة وكان يكتب فيها كبار الكتاب في مصر حينذاك وفي مقدمتهم العقاد وبعد أن أنهي دراسته في المرحلة الإبتدائية والمرحلة الثانوية بمدرسة المساعي المشكورة بشبين الكوم إلتحق بالكلية الحربية في أوائل عام 1939م وتخرج منها في منتصف شهر يوليو عام 1940م برتبة ملازم ثان وتم إلحاقه بالكتيبة الرابعة مشاة وكانت متمركزة حينذاك في أسوان وكانت مهمتها الأساسية حماية خزان أسوان من أى إعتداء قد يتعرض له وقرب نهاية العام حصل علي فرقة مدفع الهاون 81 مم وبعد أن إنتهي منها نقل إلي الجيش المرابط الذى تم تأسيسه عام 1940م أثناء وزارة علي ماهر باشا الثانية التي تولت حكم البلاد من يوم 18 أغسطس عام 1939م وحتي يوم 27 يونيو عام 1940م علي يد كل من عبد الرحمن باشا عزام وصالح حرب باشا وزيرا الأوقاف والدفاع الوطني في هذه الوزارة وكان عبارة عن قوة نظامية محلية تتألف من المجندين الذين يزيدون عن حاجة الجيش العامل وتكون مهمته القيام بمهام يتم تكليفه بها في مجال الخدمات الإجتماعية والعامة وفي حالة قيام الحرب تكون مهمته حراسة المرافق العامة وأداء الخدمات العسكرية وراء صفوف الجيش النظامي وعلي أن تكون مدة الخدمة فيه ستة شهور ووافق مجلس الوزراء حينذاك علي ندب ضباط من الجيش المصرى من أجل تدريب قوات الجيش المرابط كان منهم الملازم أول أمين هويدى والذى ظل يؤدى هذه المهمة لمدة 3 سنوات أي حتي عام 1943م حين نقل ليعمل مدرسا في مدرسة ضباط الصف بطريق السويس الصحراوى والتي ظل يعمل بها لمدة سنتين ما بين شهر أغسطس عام 1943م وحتي شهر أغسطس عام 1945م .
وفي شهر سبتمبر عام 1945م شارك أمين هويدى في تأسيس مدرسة المشاة بألماظة وقام بالتدريس فيها وبعد سنتين وفي شهر يونيو عام 1947م تم نقله إلي سلاح حرس الحدود وظل به حتي شهر أكتوبر عام 1949م حيث تم نقله للعمل كمدرس في الكلية الحربية وكان قد تمت ترقيته إلي رتبة اليوزباشي أي النقيب ويقول أمين هويدى عن هذه الفترة إن هذا السلاح كان يعد بمثابة دولة داخل الدولة حيث كان مسؤولا عن مكافحة تهريب المخدرات والسلاح وحماية حدود مصر من جميع الإتجاهات وكانت هناك مناطق في مصر لا يسمح بدخولها إلا بعد الحصول علي تصريح من إدارة هذا السلاح مثل الصحراء الغربية والبحر الأحمر وسيناء وكان لأفراده حق الضبط والحبس والمحاكمة وإصدار الأحكام بلا إستئناف وبعيدا عن القضاء العادي وفي منتصف عام 1951م حصل هويدى علي ماجستير العلوم العسكرية من كلية أركان الحرب المصرية وإنضم في هذه الفترة إلى تنظيم الضباط الأحرار والذى قام بضمه هو الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وبعد قيام ثورة يوليو عام 1952م وفي منتصف شهر نوفمبر عام 1952م تم نقله إلي قسم الخطط بهيئة عمليات القوات المسلحة وحصل علي رتبة الصاغ أي الرائد كما إلتحق بمعهد الصحافة والترجمة والنشر بجامعة القاهرة وحصل منه علي شهادة الماجستير وتم نقله ليعمل أستاذا بكلية القادة والأركان وفي يوم 9 أبريل عام 1955م حصل علي بعثة بكلية القادة وأركان الحرب بليفنورث بولاية كانساس بالولايات المتحدة الأميريكية وهي أعلي كلية عسكرية أميريكية تقبل دارسين أجانب ليسا من أبوين أميريكيين وكان قد وصل إلي رتبة البكباشي أي المقدم وأنهي دورته الدراسية هناك في يوم 25 يونيو عام 1956م وعاد إلي مصر ومع قرار تأميم قناة السويس الذى أعلنه الرئيس جمال عبد الناصر في يوم 26 يوليو عام 1956م أثناء خطابه بميدان المنشية بمدينة الإسكندرية بمناسبة العيد الرابع لقيام ثورة يوليو عام 1952م قام علي الفور بوضع خطة الدفاع عن العاصمة القاهرة في حالة وقوع عدوان عليها بسبب قرار التأميم ثم تم نقله إلي رئاسة الدفاع عن القاهرة ثم إلي رئاسة جيش التحرير الذى كان بقيادة كمال الدين حسين عضو مجلس قيادة الثورة والذى كانت مهمته الدفاع عن بور سعيد وقام أيضا بوضع خطة الدفاع عنها في حالة تعرضها للعدوان ثم تم نقله مرة أخرى إلي القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية ومنها إلي قيادة العمليات الحربية في يوم 10 أكتوبر عام 1956م قبل قيام العدوان الثلاثي بمدة 19 يوم .
وبعد إنتهاء العدوان الثلاثي وفي شهر يناير عام 1957م تم إختياره للعمل في المخابرات العامة المصرية رئيسا لقسم المعلومات والتقديرات وكان ذلك في الفترة الإنتقالية بين السيد علي صبرى الذى تسلم الجهاز من عضو مجلس قيادة الثورة زكريا محيي الدين والذى كان قد كلفه الرئيس جمال عبد الناصر في عام 1954م بتأسيس جهاز المخابرات المصرية وليمكث السيد علي صبرى في منصب رئيس الجهاز فترة قصيرة ليخلفه صلاح نصر وتزامل حينذاك أمين هويدى مع الرعيل الثاني من رجال هذا الجهاز الذى كان ما يزال وليدا في ذلك الوقت والذين كان منهم فتحي الديب وشعراوى جمعة ومحمد نسيم وعزت سليمان وإبراهيم بغدادى ومحمد فايق ورفعت جبريل وكانت مهمة هذا القسم جمع كل ما يمكن من معلومات حول العديد من القضايا وعمل تقدير للموقف في ضوء هذه المعلومات وكانت القضايا الملحة في هذا الوقت تتصل بمساعدة الثورة الجزائرية وجنوب اليمن ودعم حركات التحرر الأفريقية علاوة علي العلاقات بين مصر وسوريا حيث كانت سوريا في ذلك الوقت والتي كانت تربطها علاقات تاريخية مع مصر ترفع راية الوحدة مع مصر وكانت غالبية الشعب السورى تنادى بشعارات الوحدة خاصة وأنها كانت تتعرض لضغوط وتهديدات من كل من تركيا وإسرائيل مما دفع سوريا إلي الاتفاق مع مصر علي إرسال قوات مصرية إلي ميناء اللاذقية خلال عام 1957م لدعم الموقف السورى والتخفيف من حدة هذه الضغوط والتهديدات مما قارب في المواقف والتوجهات بين البلدين الشقيقين وزاد من المد الوحدوى بينهما وفي شهر نوفمبر عام 1957م وجهت الدعوة لمجلس الأمة المصرى من أجل تشكيل وفد من أجل عقد جلسة مشتركة مع مجلس النواب السورى بدمشق لبحث خطوات الوحدة بين البلدين وصدر بيان مشترك علي إثر هذه الجلسة يؤيد هذه الخطوة وفي يوم 31 ديسمبر عام 1957م رد مجلس النواب السورى زيارة وفد مجلس الأمة المصرى وتم عقد جلسة مشتركة بين وفد من مجلس النواب السورى ومجلس الأمة المصرى وصدر بيان علي إثرها أيضا يؤكد ويدعم البيان السابق وخلال شهر يناير عام 1958م تم تكثيف المباحثات والإتصالات السياسية والدبلوماسية بين الجانبين المصرى والسورى للإعداد لإعلان الوحدة الإندماجية بين البلدين وفي يوم أول فبراير عام 1958م أعلن صبرى العسلي رئيس الوزراء السورى قيام الوحدة بين مصر وسوريا من شرفة مجلس الوزراء المصرى وأتبعه الرئيس السورى حينذاك شكرى القوتلي بخطبة ثم تلاهما الرئيس جمال عبد الناصر وتقرر إجراء إستفتاء في البلدين علي قيام الوحدة وعلي رئيس الجمهورية في يوم 21 فبراير عام 1958م .
وفي يوم 3 فبراير عام 1958م سافر وفد من المخابرات العامة المصرية ضم أمين هويدى وشعراوى جمعة لقياس ردود أفعال أفراد الشعب السورى علي قيام الوحدة بين مصر وسوريا وتقييم الأوضاع علي الطبيعة من وجهة نظر المخابرات العامة وتبين لهما بعد زيارة العديد من المدن السورية غير العاصمة دمشق مثل حلب وحماة واللاذقية أن غالبية الشعب السورى تؤيد الوحدة كما أن الأمر لا يخلو من وجود بعض الغير متحمسين لها بل والمعارضين أيضا لها وكان يتم إعداد تقارير يومية ويتم إرسالها بالطائرة ليتسلمها مندوب من المخابرات العامة ويتم عرضها علي رئيسها لكي يتولي تقديمها لمؤسسة الرئاسة وكان من رأى المسئولين في المخابرات العامة حينذاك إتمام الوحدة لكن مع التريث وعدم القفز مباشرة نحو الوحدة الكاملة لأنها سوف تتعرض لطعنات وضربات كل القوى المناوئة لهذه الخطوة بالإضافة إلي عدم وجود حدود مشتركة بين البلدين وهو الأمر الذى يعد في منتهي الأهمية في حالة وجود أي تحركات مضادة خارجية أو داخلية وبالفعل تم إجراء الإستفتاء المشار إليه وأعلنت النتائج في اليوم التالي 22 فبراير عام 1958م بموافقة 98% من الناخبين علي قيام الوحدة بين مصر وسوريا وهو اليوم الذى إتخذ حينذاك عيدا للوحدة وبإختيار الرئيس عبد الناصر رئيسا لدولة الوحدة التي أطلق عليها الجمهورية العربية المتحدة والتي تضم الإقليم الشمالي وهو سوريا والإقليم الجنوبي وهو مصر ووصل الرئيس عبد الناصر بعد يومين في يوم 24 فبراير عام 1958م إلي دمشق وإستقبله الشعب السورى إستقبالا أسطوريا وإستمرت دولة الوحدة سنتين وسبعة شهور تقريبا حتي حدث الإنفصال في يوم 28 سبتمبر عام 1961م وفي حقيقة الأمر كانت هذه الوحدة منذ قيامها مصدر قلق لكل القوى الغربية المعادية وبعض القوى العربية أيضا إلي جانب إسرائيل بالطبع والتي تآمرت كلها وعملت منذ أول يوم أعلنت فيه الوحدة علي هدمها بالتعاون مع قوى داخلية كانت لها أطماعها في الإستيلاء علي سدة الحكم في سوريا ولم يكن هذا الأمر مفاجأة لرجال المخابرات العامة المصرية فقد كان الرجال يرصدون كل ما يحدث ويسجلونه ويرفعونه في تقاريرهم لمؤسسة الرئاسة متوقعين أن تصل الأمور إلي ما وصلت إليه خاصة وأن حديث الإنفصال كان يتحدث به الكثير من السوريين علنا علاوة علي أن بعض من منفذى الإنفصال كانوا ممن يعملون في مكتب المشير عبد الحكيم عامر بدمشق والذى كان يدير منه الإقليم الشمالي أي سوريا نائبا عن الرئيس جمال عبد الناصر والذى كان موجودا وقت الإنفصال في سوريا .
وفي أوائل الستينيات من القرن العشرين الماضي تم ترشيح أمين هويدى ليشغل منصب السفير المصرى بدولة يوغوسلافيا التي كان رئيسها جوزيف بروز تيتو من أقرب المقربين إلي الرئيس جمال عبد الناصر وتربطهما صلات صداقة حميمة نظرا لتقارب العقائد وتطابق الظروف إلي جانب أنهما كانا مع رئيس الوزراء الهندى جواهر لال نهرو من تزعموا قيادة كتلة دول عدم الإنحياز منذ مؤتمر باندونج بدولة إندونيسيا عام 1955م إلا أن ظروفه العائلية حالت دون تغيبه عن مصر في هذا التوقيت لكن مع حلول عام 1962م وحصول الجزائر علي إستقلالها في يوم 5 يوليو عام 1962م تم ترشيحه ليكون أول سفير لمصر في دولة الجزائر بعد إستقلالها وقام بمرافقة الوفد الجزائرى الذى زار مصر حينذاك إعترافا من المسؤولين الجدد بالدولة المستقلة حديثا بجميل مصر وبالدعم اللامحدود الذى قدمته للثورة الجزائرية حتي حصلت علي إستقلالها من دولة فرنسا بعد إحتلال دام 132 عام وكان أمين هويدى غير بعيد عن الثورة الجزائرية وكان علي علم بكل أحداثها من خلال المخابرات العامة المصرية وما قدمته من دعم لتلك الثورة ولكنه لم يمكث في الجزائر لمدة طويلة وتم نقله ليشغل منصب سفير مصر في المملكة المغربية وفى مقابلة مع الرئيس عبد الناصر قبل سفره ذكر الرئيس أنه يود لو أن حكومة جلالة ملك المغرب تعترف بالحكم الجمهورى فى اليمن وأنه سيحضر مؤتمر دول الدار البيضاء حينما يتحدد موعد إنعقاده بصفة نهائية وذكر أن تماسك الشعب المغربي لا يضمنه إلا الحكم الحالي في المغرب والذى يحافظ على وحدة الشعب بإقتدار علي الرغم من الخلافات الإثنية بين العرب والبربر ووصل أمين هويدى إلي العاصمة المغربية الرباط في أواخر عام 1962م وواجه هناك مشكلة أن مقر إقامة السفير كان متنازعا عليه بين البعثة الدبلوماسية المصرية والبعثة الدبلوماسية السورية حيث كان هذا المقر هو مقر سفير الجمهورية العربية المتحدة وقت الوحدة مع سوريا وبعد الإنفصال تنازعت البعثتان علي من يكون له الحق في المقر وعندما لم يصلا إلي إتفاق قامت السلطات المغربية بغلق المقر لحين تسوية هذه المسالة ولذلك فقد إضطر أمين هويدى للإقامة في أحد الفنادق بالعاصمة المغربية الرباط كما تأخر تقديم إعتماده كسفير لمصر في المغرب مدة 3 شهور بدون سبب واضح وقد ردها الرئيس جمال عبد الناصر للملك الحسن الثاني حيث أجل إعتماد أوراق سفير المغرب في مصر لمدة 4 شهور وكان هذا الأمر بمثابة مشكلة أخرى واجهت أمين هويدى حيث لا يمكن لسفير أي دولة أن يبدأ عمله ويجرى إتصالاته الرسمية في الدولة التي تم تعيينه سفيرا لبلاده بها إلا بعد قبول أوراق إعتماده التي يقدمه بها رئيس دولته لملك أو رئيس الدولة التي تم تعيينه بها وكانت المشكلة الثالثة التي واجهت أمين هويدى بالمغرب هي تأخر صرف مرتبات المدرسين المصريين المعارين للمغرب من أجل حل قضية التعريب والمقصود بها تعليم اللغة العربية لأبناء الشعب المغربي الذى كان لا يتقن إلا اللغة الفرنسية وكان ذلك يسبب مشاكل كبيرة لهؤلاء المدرسين حيث كانوا لا يستطيعون سداد إيجارات منازلهم ومستلزمات حياتهم اليومية التي يحصلون عليها من المتاجر ومحلات البقالة والجزارين وخلافه والتي يتعاملون معها وتتراكم عليهم الديون لأصحابها مما كان يتسبب في خلق مشاكل عديدة لهم وفي تكوين صورة سيئة للغاية للمصريين وقد إستطاع أمين هويدى حل هذه المشكلة بالإتفاق مع مسؤولي البنك العربي بصرف سلف لهؤلاء المدرسين علي أن يسددوها للبنك عندما يحصلون علي رواتبهم المتأخرة وتم تنفيذ هذا الاتفاق من جانب كلا الطرفين وكان هناك بعض القضايا الأخرى والتي كان قد تكلم معه فيها الرئيس عبد الناصر قبل سفره إلي المغرب كما ذكرنا في السطور السابقة تتعلق بإتفاق دول مؤتمر الدار البيضاء والإعتراف بجمهورية اليمن الوليدة وقضية التبادل التجارى وكان من المفروض أن يتعامل معها أمين هويدى لكي يذللها توطيدا للعلاقات بين البلدين الشقيقين .
وفي المغرب حرص أمين هويدى على حل الخلافات الشديدة بين أعضاء السفارة ومكاتبها الإستشارية وكذلك تلك التى كانت موجودة بين أفراد الجالية الكبيرة وإضطر لنقل بعض الأفراد من مواقعهم وكان رد فعل النجاح في هذا الأمر عظيما على سمعة الجالية المصرية بين أفراد الشعب المغربى كما تم إستبدال مبنى السفارة القديم المتهالك بمبنى آخر لائق وإنشاء مدرسة رياض أطفال لأبناء الجالية المصرية والعربية لتعليم القرآن الكريم والدين واللغة العربية أسهم فيها المدرسون المصريون عن طريق التطوع وتولى إدارتها سيدات فضليات من الجالية المصرية بنجاح وإقتدار وعلاوة علي ذلك فقد تم إقامة معرض دائم فى الدار البيضاء يتبع شركة مصر للتجارة الخارجية وقام أمين هويدى أيضا ببعض الزيارات إلى مدينتي مراكش وفاس حيث كان يوجد المركز الثقافي المصرى وقد كانا عاصمتان قديمتان للمغرب وبعد تواجده في المغرب بحوالي 3 شهور وفى إحدى الليالى إتصل به كبير رجال القصر الملكي المغربي وحدد له موعدا ظهر اليوم التالى لتقديم أوراق إعتماده مضيفا أنه سيحضر لمرافقته فى الموكب الذى سيتحرك من فندق إقامته إلى القصر الملكى وفى صباح اليوم التالى وبمكالمات متتالية إعتذر عن الحضور موكلا ذلك إلى شخص آخر تم تخصيصه ورأى أمين هويدى أن يحضر أعضاء السفارة والمكاتب الفنية الإستشارية وعقيلاتهم وعلى رأسهن السيدة حرمه حفل تقديم أوراق الإعتماد وقد كان وتحرك الموكب وجلس هويدى مع مرافقه في عربة ملوكى فاخرة تجرها خيول كثيرة فى شوارع الرباط متجها إلى القصر الملكي وإصطف الشعب المغربى على جانبى الطريق ليحيى سفير الجمهورية العربية المتحدة أجمل تحية فهو شعب طيب ذو أصالة عربية تشعر بها فى كل مكان ودخل أعضاء السفارة والعقيلات أولا ثم دخل هويدى بعدهم القاعة التى يتصدرها الملك وناوله أوراق الإعتماد وجلس إلى جواره وفاجأه الملك بإلقاء خطاب رغم أن كبير رجال القصر الملكي ذكر أنه لا تبادل للخطابات ورد هويدى علي خطاب الملك بكلمة مناسبة ثم سلم عليه وحياه وخرج وعاد به الموكب إلى الفندق وكان هويدى حينما فاتح الملك فى قضية دار إقامة السفير المصرى إبتسم وقال ربنا يسهل وبعد أيام من تقديم أوراق الإعتماد طالب هويدى مقابلة الملك والذى إستجاب للطلب وقابله فى القاعة الكبرى بالقصر الملكى وكان معه أوفقير وزير الداخلية وبلافريج وزير الخارجية والوزير أحمد بن هميه ورحب الملك به وسأل عن الرئيس عبد الناصر ثم قال إنه قلق تماما لموقف قواتنا فى اليمن فقد تورطت مصر فى موقف كان من الواجب أن تتجنبه وهو يحزن حينما يستمع إلى أخبار خسائرنا الجسيمة هناك وأن قواتنا فى موقف حرج لا يدرى كيف ستخرج منه فاليمن بلاد جبلية والجنود المصريون لم يتدربوا على مثل تلك الأرض فالصحراء غير الجبال فى القتال وإستمر الملك يضرب على هذا الوتر ثم وقف هو ووزراؤه علامة على إنتهاء اللقاء ولكن هويدى وضربا لكل قواعد البروتوكول ظل جالسا فى مكانه وإستأذن فى دقائق معدودة قبل أن يحيى الحضور ويخرج فجلس الملك هو ووزراؤه مرة أخرى وعلامات الدهشة ترتسم على وجوههم .
وبسرعة بديهة شكر هويدى الملك على حسن إستقباله وأبلغه تحيات الرئيس عبد الناصر وتمنياته ثم قال له إنه علي حق فى أن يقلق من أجل مصر فهو بالتأكيد لا ينسى كيف وقفت مصر ورئيسها إلى جوار والده الملك محمد الخامس حينما نفى إلى خارج بلاده وأوشك أن يفقد عرشه وأنه بالتأكيد أيضا لا ينسى كيف وقفت مصر إلى جوار والده حتى عاد إلى عرشه مرة ثانية فكانت أول من إعترف به ملكا علي المغرب وأخيرا فإنه من المؤكد أيضا أنه لا ينسى الأيام الطيبة التى أمضاها فى مصر حينما كان وليا للعهد ولكل هذه الأسباب لابد وأن يقلق ولهذا لم يسمح لنفسه أن يغادر القصر إلا بعد أن يطمئنه على مصر وقواتها والخسائر موجودة وهذا شئ طبيعى ولكن لا يعنى ذلك حرج الموقف والدليل على هذا أن وكالة الفرانس برس أذاعت وهو قادم لمقابلة الملك أن ضابطا طيارا برتبة كبيرة من الجيش الأردنى ودبلوماسيا سعوديا لجأ كل منهما إلى صنعاء وهذا دليل على أن الثورة تحقق أغراضها وناشد هويدى أن يقوم المغرب بالإعتراف بالنظام الجمهورى الجديد في اليمن وأن هذا من شأنه أن يجعله يقف مع العدالة التى يطلبها الشعب اليمنى الذى يعيش فى القرون الوسطى وأن ما يشجعه على ذلك هو ما لمسه من حركة إصلاحية كبرى يقوم بها الملك من أجل الشعب المغربى ثم أكد له أن الرئيس عبد الناصر أوصاه بأن يركز على تنمية العلاقات بين البلدين وشكره الملك مبديا إعجابه بصراحته واعدا بإعادة تقييم موقف المغرب من اليمن وأضاف قائلا لهويدى عليك أن تدخل علي دون موعد سابق حتى ولو كنت أقضى أحلى ساعاتى وأنا ألاعب إبنتى مريم وبدأ هويدى بعد ذلك إتصالاته الرسمية ويقول في هذا الصدد كنت ألعب مباراة من جانب واحد فحتى جهاز اللاسلكى الذى أرسلته وزارة الخارجية للإتصالات بقى فى ميناء الدار البيضاء لا يسمح بالإفراج عنه وبعد أسابيع إستدعاه الملك فجأة ولكنه كان يعلم لماذا هذا الإستدعاء حيث كانت الإنتخابات المغربية تدور على قدم وساق وكتب لطفى الخولى مقالا فى الأهرام يندد فيه بعدم نزاهة الإنتخابات المغربية فلما قرأ ما كتبه الخولى توقع إستدعاء من الخارجية مثلا ولكن أن يكون الإستدعاء من جانب الملك لمثل هذا الأمر العارض فكان يتجاوز تخيله وقابل الملك فى أحد مكاتبه بالقصر الملكي وكان متجهما وهو يستقبله وقال هل قرأت ما كتب فى الأهرام عن إنتخاباتنا فقلت نعم فرد وهل هذا هو الرأى الرسمى للقاهرة فى إنتخابات تجرى فى بلد صديق فقال يا جلالة الملك الأستاذ لطفى الخولى محرر كاتب فى الأهرام لا يعبر عن رأى رسمى فالصحافة حرة وليست موجهة فإرتفع صوت الملك محتدا وهو يقول تقول حرية يا معالى السفير صحافتكم مؤممة ولا تمارس أى حرية ورد هويدى بهدوء نحن أممنا ملكية الصحافة ولم نؤمم حريتها ولا آراء كتابها أممناها لنوقف تحدث البعض بلسان من يدفعون وهذا فى حد ذاته تطهير للأقلام لأن هناك صحافة غير مؤممة رسميا ولكنها مكممة فعلا ولسانها نصفه وطنى والنصف الآخر يتحدث بلسان من يدفع ودعاه الملك فى آخر اللقاء لكي يزور بنفسه الدوائر الإنتخابية حتى يتم تصحيح ما تقوله الصحافة المؤممة وكان أبو طالب وزير الإعلام المغربي حينذاك حاضرا هذه المقابلة وذكر أن الملك علق بعد خروج أمين هويدى قائلا أتمنى أن يكون لدي أربعة مثل هذا السفير وأضاف الرجل أيضا فى صراحة إنكم تخوضون معارك كثيرة وتجاوزتم الخطوط الحمراء بالنسبة للمصالح الإستعمارية ولن يتركوكم فإحذروا فهم يتربصون بكم ولم يمكث أمين هويدى سفيرا لمصر في المملكة المغربية سوى حوالي سنة عاد بعدها إلي القاهرة ويشاء القدر أن تستجد ظروف وتقوم الثورة في العراق ويسقط حكم عبد الكريم قاسم في يوم 8 فبراير عام 1963م ويتم الإعلان عن أن الثورة العراقية قد أسقطت عدو الشعب من أجل تحقيق الوحدة الوطنية والمشاركة الجماهيرية في إدارة وحكم البلاد ويتم تولية عبد السلام عارف رئاسة جمهورية العراق . وفي يوم 20 فبراير عام 1963م صدر قرار جمهورى بتعيين أمين هويدى سفيرا لمصر في العراق كما تم إبلاغه بضرورة إستقبال الوفد العراقي الذى سيصل صباح اليوم التالي 21 فبراير عام 1963م إلي القاهرة وبالفعل وصل هذا الوفد وكان في إستقباله أمين هويدى وتوجه الوفد لزيارة الرئيس عبد الناصر الذى أقام مأدبة عشاء له بمنزله بمنشية البكرى وفي صباح اليوم التالي 22 فبراير عام 1963م بدأت المباحثات بين الجانبين المصرى والعراقي وصرح الوفد العراقي بأنه علي الرغم من إيمانهم بضرورة تحقيق الوحدة العربية إلا أن الظروف الداخلية في العراق غير مواتية في الوقت الحاضر لتحقيقها وأن هناك بالفعل عرض من السوريين المناهضين للإنفصال للوحدة مع العراق بعد تخلصهم من مؤيدى الإنفصال كما قام بتحية مصر علي مساعدتها للثورة اليمنية التي قامت ضد حكم الآئمة وقيامها بإرسال قوات مصرية لدعم الثورة هناك وطالبوا الرئيس عبد الناصر بالتدخل لدى ممثلي الأكراد الذين كانوا ضمن أعضاء الوفد العراقي من أجل الوصول إلي حل مناسب للمشكلة الكردية حيث كانوا يطالبون بالحكم الذاتي في مناطقهم شمال العراق ورد عليهم الرئيس عبد الناصر بأنه لا مانع لديه من تحقيق الوحدة بين العراق وسوريا إذا رأت كل منهما أن ذلك يحقق مصالحهما وشكر الوفد علي تحيته لمصر علي مساهمتها في دعم الثورة اليمنية كما وعدهم بالتدخل لدى الأكراد وبذل أقصي جهد ممكن من أجل تسوية المشكلة الكردية ورد الوفد علي الرئيس عبد الناصر بأن العراق لا يريد وحدة عراقية سورية ولكنه يريد وحدة بين كل من مصر وسوريا والعراق عندما تتهيأ الظروف المناسبة لتحقيق ذلك وسافر الوفد في مساء نفس اليوم 22 فبراير عام 1963م إلي الجزائر وعاد في مساء اليوم التالي 23 فبراير عام 1963م وإستقبله الرئيس عبد الناصر مرة أخرى في يوم 25 فبراير عام 1963م وقدم أمين هويدى لأعضاء الوفد علي أنه المرشح ليكون سفيرا لمصر في بغداد ورحب وزير الخارجية العراقي الذى كان ضمن الوفد بهذا الإختيار وأرسل برقية للرئيس العراقي الجديد عبد السلام عارف للحصول علي موافقته علي هذا الترشيح والذى رد فورا عليها بالترحيب والموافقة وتحدد يوم 2 مارس عام 1963م لسفر أمين هويدى لكي يبدا عمله الجديد كسفير لمصر في العراق وفي ليلة 1/2 مارس عام 1963م قابل أمين هويدى الرئيس عبد الناصر قبل 3 ساعات من سفره إلي العراق والذى طلب منه بذل قصارى جهده في التقريب بين مصر والعراق وبناء جدار من الثقة بين الطرفين لأن الترسبات التي صنعها الإستعمار والقوى الرجعية بين البلدين خاصة في السنوات الخمس الأخيرة ليس من السهل محوها بسهولة ووعده بأنه سيكون هو المسؤول الوحيد أمامه عن العلاقات المصرية العراقية دون تدخل من أي شخص آخر .
وفي حقيقة الأمر لم تكن مهمة أمين هويدى في العراق سهلة بعد خمس سنوات من القطيعة بين البلدين شهدت حربا إعلامية وسياسية ودبلوماسية بينهما بسبب الصراع بين عبدالكريم قاسم الذي قاد ثورة 14 يوليو عام 1958م في العراق وبين عبدالناصر حول زعامة حركة القومية العربية والذي إنعكس على أوضاع القوى والأحزاب القومية والتقدمية في العراق فكانت النتيجة أن إنقسمت إلى معسكرين يضم الأول الشيوعيين الذين ساندوا عبدالكريم قاسم في موقفه الرافض للوحدة الفورية والإندماجية مع مصر وسوريا وكانتا تشكلان آنذاك الجمهورية العربية المتحدة ورفعوا شعار جمهورية لا إقليم ووحدة كونفيدرالية لا إندماجية بينما تكتلت الأحزاب القومية وراء الرجل الثاني في قيادة الثورة وهو العقيد عبدالسلام عارف الذي كان يؤيد وحدة العراق مع مصر وسوريا تحت زعامة عبد الناصر وكانت تضم حزب البعث وحركة القوميين العرب وحركات وشخصيات سياسية أخرى كانت تعتبر نفسها إمتدادا لرؤية عبد الناصر للوحدة العربية وحسم عبد الكريم قاسم الصراع لصالحه فأقصى عارف عن موقعه كنائب لرئيس مجلس قيادة الثورة وإعتقله وقدمه للمحاكمة بتهمة محاولة إغتياله ولكنه خفف الحكم الذي صدر عليه بالإعدام إلى السجن المؤبد وكان في السجن حين نجح فريق من ضباط الجيش العراقي القوميين ومعظمهم من المنتمين لحزب البعث في القيام بإنقلاب 8 فبراير عام 1963م الذي أسفر عن إعدام عبد الكريم قاسم والإفراج عن عبدالسلام عارف ليتولى رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس قيادة الثورة وما كاد أمين هويدي يتولى مهام منصبه حتى إكتشف أن الوضع بالنسبة للعلاقات بين البلدين لم يختلف كثيرا فالعناصر العسكرية التي قامت بالثورة ينتمي معظمها إلى حزب البعث الذي كان قد إنتقل من موقع أتباع عبد الناصر إلى موقع المنافس له على زعامة القومية العربية بعد الخلاف الذي نشب بين الطرفين خلال الوحدة مع سوريا وتحول إلى حملات دعائية متبادلة في أعقاب إنفصال سوريا عن مصر في شهر سبنمبر عام 1961م والحزب هو الذي يملك كل مفاتيح القوة في بغداد ويشكل الأغلبية في المؤسسات التي تشكلت في أعقاب إنقلاب 8 فبراير عام 1963م بما في ذلك قيادة الجيش والشرطة والحكومة ومجلس قيادة الثورة بينما وضع عدد من الشخصيات التي تنتمي إلى الفصائل القومية المؤيدة للتيار الناصري في مراكز ثانوية لكي يبدو في الظاهر وكأن الحكم هو جهة تضم كل القوى القومية كان على رأسها الرئيس عبدالسلام عارف نفسه الذي لم تكن له أي سلطة فعلية على الرغم من أنه يشغل منصب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس قيادة الثورة .
ووصل أمين هويدى إلي العاصمة العراقية بغداد صباح يوم 2 مارس عام 1963م وليبدأ عمله كسفير لمصر هناك منذ ذلك اليوم وحتي شهر سبتمبر عام 1965م أي لمدة سنتين وسبعة شهور تقريبا ويصف هويدى هذه المدة بأن ايامها كانت من أشق الأيام في حياته ومن أحلاها أيضا وقد بدأ عمله بتقديم أوراق إعتماده للرئيس العراقي عبد السلام عارف في يوم 5 مارس عام 1963م أي بعد ثلاثة أيام من وصوله وكان السؤال الملح الذى تريد القاهرة جوابا عليه من ستتعامل مصر معه في العراق ومن تتركز السلطة في يده وذلك لكي تبني القاهرة سياستها وإستراتيجيتها وفي واقع الأمر كان الأمر في غاية التعقيد فالرئيس عبد السلام عارف الذى يمثل أعلي سلطة في البلاد لم يكن حزبيا ولكنه كان يميل تجاه حزب البعث تجنبا لمؤامراته ورغبته في حكم البلاد فعليا ولكن من وراء ستار مع منح رئيس الجمهورية سلطات شرفية ومن جانب آخر كان علي رأس الوزارة أحمد حسن البكر وكان بعثيا ومعه عدد 12 وزير بعثي وعدد 9 وزراء قوميين مستقلين لكن كانت أغلب الوزارات الحساسة في يد البعثيين ولا يمكننا إعتبار هذه الوزارة وزارة إئتلافية وكان قائد الجيش بعثيا بينما رئيس الأركان وباقي القادة لم يكونوا بعثيين وأيضا كان الحرس القومي الذى أنشئ بهدف حماية الثورة من أعدائها علي رأسه بعثيا وأخيرا كان جميع أعضاء المجلس الوطني لقيادة الثورة والذى تم تشكيله مع أول يوم من أيام قيام الثورة بعثيين فيما عدا رئيس الجمهورية ورئيس الأركان وكان هذا المجلس يعد هو السلطة العليا في البلاد ومعني ذلك بإختصار هو سيطرة حزب البعث والبعثيين علي أغلب مفاصل الدولة ولكن القوميين العراقيين كانوا لا يقبلوا بأن ينفرد حزب البعث هكذا بالسلطة حيث أن الثورة لم تنجح بجهود حزب البعث فقط ولكن كان نجاحها نتيجة تضافر جهود القوميين مع حزب البعث والخلاصة هنا هي أن القاهرة كانت تحاول بشتي الطرق حل معضلة التعامل مع حكم في ظاهره إئتلافي ولكنه بعثي في جوهره وهو الأمر الذى لم يكن يقبله القوميون العراقيون علاوة علي أن القاهرة كانت لها تجاربها وذكرياتها المرة مع البعث وفوق هذا الوضع المعقد غاية التعقيد كانت المشكلة الكردية تلقي بظلالها علي الساحة وفي هذا الوقت كان الصدام المسلح علي وشك الوقوع بين الأكراد والجيش العراقي .
وبعد وصول أمين هويدى إلي العراق بأسبوع واحد فقط وفي يوم 8 مارس عام 1963م حدث الإنقلاب المتوقع في سوريا والذى أعلن في بيانه الأول أن من أهدافه القضاء علي دعاة الإنفصال وقد نجح هذا الإنقلاب نتيجة جهود مشتركة بين البعثيين والقوميين في سوريا مثلما حدث في العراق تماما وأصدرت كل من القاهرة وبغداد بيانا بتأييد ومباركة ما حدث في سوريا وتلقي أمين هويدى إتصالا تليفونيا من وزير الخارجية العراقي يدعوه إلي حضور إجتماع هام بمقر رئاسة الجمهورية العراقية من أجل تنسيق الجهود والإتفاق علي الخطوات القادمة للتعامل مع النظام السورى الجديد وأخبره بأنه مبدئيا إتفق المسؤولون العراقيون علي عدم إتخاذ أي خطوة من جانب العراق إلا بالتنسيق والإتفاق مع مصر إلا أنه فوجئ وهو في طريقه إلي الاجتماع بأن إذاعة بغداد تعلن بأن العراق قد وضع قواته غرب نهر الفرات تحت أمر القيادة السورية للإستعانة بها وقت الحاجة لتدعيم النظام السورى الجديد ولإجهاض أي محاولة للعدوان علي سوريا ومعني هذا هو إتخاذ إجراء منفرد من جانب العراق مع أن تصريح وزير الخارجية العراقي كان لم يمر عليه سوى دقائق معدودات والمهم أن المفاجآة الأكبر كانت أنه لاتوجد أي قوات عراقية غرب الفرات والأمر لم يكن يعدو سوى مناورة حزبية ستتكرر كثيرا في الأيام القادمة ووصل هويدى إلي مقر الإجتماع وكان السؤال الملح ماذا ستفعل القاهرة من أجل تدعيم النظام السورى الجديد وقامت مصر بالفعل في اليوم التالي 9 مارس عام 1963م بإصدار بيان حذرت فيه من أي محاولة من شأنها الوقوف في وجه أي من الشعوب العربية التي تستهدف تحقيق أمانيها في الوحدة وتحقيق الأهداف المشتركة وكانت الجماهير السورية حينذاك قد خرجت إلي الشوارع ترفع صور الرئيس عبد الناصر وتنادى بالوحدة بين مصر وسوريا من جديد وتهتف ضد الإنفصال ودعاته وطلبت القيادة السورية من القيادة العراقية إرسال وفد من بغداد إلي دمشق من أجل بحث كيفية مواجهة هذا التيار الوحدوى والسيطرة عليه حيث أن الوضع في الشارع السورى قد تحول إلي ما يشبه الإستفتاء علي عودة الوحدة بين مصر وسوريا وعلي الرئيس جمال عبد الناصر نفسه .
وبالفعل طار وفد من العراق إلي سوريا في اليوم التالي 10 مارس عام 1963م وبمجرد وصول الوفد إلي دمشق أعلن علي صالح السعدى رئيس الوفد العراقي بأنه جاء إلي دمشق وهو يحمل مشروعا من شأِنه تحقيق آمال الشعوب العربية في الوحدة المنشودة سماه مشروع التعاون بين الدول العربية المتحررة وهي الجمهورية العربية المتحدة وسوريا والعراق واليمن والجزائر وبحيث يمكن للقوات المسلحة في كل من هذه الدول التدخل عند اللزوم وإنزال الجنود في أراضي أي دولة منها وإجتياز حدودها في حالة تعرض أي منها لأى عدوان خارجي أو قيام أي قوى داخلية بعمل من شأنه تهديد النظم القومية التي تحكم هذه البلاد بما يقتضي بالضرورة تأسيس قيادة عسكرية مشتركة إلي جانب قيادة سياسية عليا للتنسيق سياسيا بين الدول الخمس وفي الواقع فإن هذا المشروع كان خياليا فالدول الخمس متباعدة وليس بينها حدود مشتركة إلا سوريا والعراق ومعني هذا بإختصار هو تحول هذا المشروع إلي مشروع تعاون عراقي سورى من شأنه دعم النظام القائم في كلا البلدين وتقرر إيفاد وفد عراقي برئاسة وزير الخارجية العراقي إلي القاهرة لعرض الأمر علي الرئيس عبد الناصر الذى رفض هذا المشروع لإدراكه أنه ما هو إلا وسيلة وحيلة لتمييع الموقف وخداع الشعب السورى وكسب الوقت حتي يتم السيطرة علي الشارع السورى وبذلك عاد الوفد العراقي إلي بلاده دون أن يحقق ما يريد إلا أنه في يوم 14 مارس عام 1963م فوجئ الجميع ببيان تبثه الإذاعة السورية بأسلوب درامي مفاده أنه في هذه اللحظات التاريخية تدخل الأجواء المصرية طائرة تقل وفدا سوريا رفيع المستوى وأنه سيتبعه وفد عراقي رفيع المستوى أيضا وذلك من أجل لقاء الرئيس عبد الناصر وبحث سبل تحقيق الوحدة بين مصر وسوريا والعراق وكان الشارع السورى ما يزال ينادى بالوحدة بين مصر وسوريا ويشجب الإنفصال وترفع الجماهير أعلام الوحدة وصور الرئيس جمال عبد الناصر وفوجئ أمين هويدى بإتصال تليفوني يطلب منه أن يكون جاهزا بعد دقائق معدودة لمرافقة الوفد العراقي المتجه إلي القاهرة ويصف هويدى هذا الموقف بأن الكل كان يلهث سواء في بغداد أو دمشق دون أن يلتقط أنفاسه ووصلوا جميعا الوفد السورى والوفد العراقي إلي القاهرة والكل ما يزال يلهث وفي هذه الأجواء بدأت مباحثات إعلان الوحدة بين كل من مصر وسوريا والعراق بين وفدى العراق وسوريا ووفد مصر وعلي رأسه الرئيس جمال عبد الناصر .
وفي القاهرة بدأت الوفود الثلاثة مباحثاتها ويستوجب علينا هنا أن نذكر أن هذه المباحثات لم تتم بمبادأة من أي من الدول الثلاث مصر وسوريا والعراق ولكنها تمت نتيجة ضغط الجماهير السورية التي كان حماسها حينذاك أمر لا يمكن تجاهله وكان الوفدان السورى والعراقي يتصوران أن الأمر لن يحتاج إلا عدة جلسات يتم بعدها صدور بيان مشترك بإعلان الوحدة بين مصر وسوريا والعراق إلا أن الأمر إحتاج إلي حوالي 5 أسابيع حتي تم التوصل إلي إتفاقية بين الدول الثلاث بتاريخ 17 أبريل عام 1963م وذلك بعد المرور بعدد 3 مراحل من المباحثات كانت المرحلة الأولي منها بين يوم 14 ويوم 17 مارس عام 1963م وكانت مرحلة إستكشافية لإستبيان النوايا من أجل معرفة أفكار ونوايا ورؤى كل دولة ومناقشتها وكان كل هم القاهرة التعرف علي من سيتم التعامل معه في كل من دمشق وبغداد حيث كان غير معلوم بالتحديد من بيده السلطات في كل منهما وكما قال الرئيس عبد الناصر إنه من غير المقبول أن تتعامل القاهرة مع أشباح كما أنه من غير المقبول أيضا أن يتم إتفاق بين القاهرة وحزب البعث في كل من سوريا والعراق ولكن لابد وأن يكون الإتفاق مع جبهة قومية ممثلة لكل التيارات وإستغرقت المباحثات 3 أيام وتم الإتفاق علي ضرورة حضور وفد من حزب البعث إلي القاهرة لتصفية الأجواء المتوترة بينه وبين الحكومة المصرية وإزالة ترسبات الماضي المؤلمة مع ضرورة عودة كل وفد إلي حكومته للتشاور والإستعداد للمرحلة الثانية من المباحثات وعاد الوفدان السورى والعراقي كل إلي بلده وفي العراق بدأت تظهر آراء معارضة لرؤية الرئيس عبد الناصر الذى يريد أن يقلل من ثقل البعث السورى لصالح جبهات قومية أخرى وفي واقع الأمر كان البعث العراقي غير مقتنع تماما بإتمام الوحدة إلا أنه كان لا يؤيد أن تتم الوحدة بين مصر وسوريا التي كان الشارع السورى يضغط بكل ثقله من أجل إتمامها بأسرع ما يكون لذا فقد إضطر للدخول طرفا فيها علي طريقة المثل الذى يقول فيها أو أخفيها وفي نفس الوقت كان أيضا البعث السورى لا يحبذ فكرة الوحدة لكنه إضطر للدخول طرفا فيها تحت ضغط الجماهير السورية وعلاوة علي ذلك فقد تطابقت رؤيتهما في عدم الترحيب برغبة الرئيس عبد الناصر بزيادة حجم الفئات القومية الأخرى في قيادتي الدولتين ولذا فقد كانت هناك محاولات من جانب البعثيين في كل من سوريا والعراق لتأجيل المرحلة الثانية من المباحثات الخاصة بتقرير الوحدة الثلاثية بين مصر وسوريا والعراق .
وفي تلك الأيام في بغداد بدأت تندلع مظاهرات شبه يومية تأييدا للوحدة بين مصر والعراق وسوريا وتهتف بإسم الرئيس عبد الناصر زعيم القومية العربية فصدرت التعليمات بمنع المظاهرات إلا بتصريح رسمي وبالطبع كان يصعب الحصول عليه كما كانت الصحف قد بدأت تناقش موضوع الوحدة وتستطلع آراء المواطنين حوله وسرعان ما صدرت التعليمات بوقف هذا الأمر بشكل قاطع وفي سوريا بدأت صحف البعث تغمز وتلمز حول أخطاء الوحدة السابقة عام 1958م وحول موضوع الإنفصال عام 1961م وتلقي بمسؤوليته علي القاهرة وتنتقد الإتحاد الإشتراكي العربي وتصفه بأنه لملمة عمال وفلاحين وفي يوم 13 مارس عام 1963م كتب محمد حسنين هيكل بجريدة الأهرام مقالا بعنوان إني أعترض هاجم فيه حزب البعث السورى هجوما عنيفا ردا علي ما كانت تنشره صحفه في دمشق ضد مصر وتسبب هذا المقال في حالة غضب في العراق وإستدعي الرئيس عبد السلام عارف السفير أمين هويدى لمقابلته وبالطبع أدرك هويدى سبب الإستدعاء وتوجه للمقابلة التي تمت في حضور رئيس الوزراء أحمد حسن البكر ووزير الخارجية العراقي طالب شبيب والذين أجمعوا علي أن ما شنه هيكل من هجوم علي حزب البعث السورى يمس في الوقت نفسه حزب البعث العراقي وطالب كل منهم بضرورة أن يعتذر هيكل لحزب البعث السورى ورد هويدى موضحا بأن هيكل لم يقل أي كلمة جارحة وإنما كان يرد بكل موضوعية علي ما تنشره صحف البعث عن مصر وإن الأطراف كلها إذا كان لديها الإصرار والعزيمة علي إتمام عملية الوحدة بينها عليها أن تتجاوز مثل هذه الأمور العارضة ويعلق هويدى علي هذا الموقف قائلا لقد تولد لدى شعور بأن العراق وسوريا يتعاملان مع مصر كأنهما أخوان وأن مصر إبن عم مع أن المفروض أن يكونوا الثلاثة أخوة وفي يوم 19 مارس عام 1963م حان موعد المرحلة الثانية المشار إليها في السطور السابقة والتي طار في موعدها وفد سورى إلي القاهرة وكانت المظاهرات العارمة ما زالت علي أشدها في دمشق تطالب بالوحدة وكان أهم ما يشغل بال الوفد السورى في هذا الوقت كيفية السيطرة علي الشارع السورى وطالب الوفد الجانب المصرى بإصدار بيان عن موقف مصر من الوحدة مع التنويه عن خطورة الوحدة الفورية وضرورة عمل دراسات كافية من أجل تنفيذها تجنبا لحدوث إنفصال آخر بعد فترة كما دارت المباحثات حول الوحدة السابقة وإستخلاص الدروس من هذه التجربة والأخطاء والسلبيات التي أدت إلي الإنفصال وكيفية تلافيها وكان من المفترض عقد مباحثات ثلاثية بين مصر وسوريا والعراق بعد أسبوع للإتفاق النهائي علي الوحدة بين الدول الثلاث وهي المرحلة الثالثة والأخيرة في هذه المباحثات إلا أنه تم تأجيلها لتكون في يوم 6 أبريل عام 1963م . |