الأحد, 31 مايو 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

اللجوء السياسي إلي الأندلس
(الأوروبي نموذجا )

 اللجوء السياسي إلي الأندلس
(الأوروبي نموذجا )
عدد : 01-2021
كتبت دكتورة / زينب المنسي

إن قضية اللجوء السياسى علي قدر كبير من الأهمية خصوصا في أيامنا تلك فمنذ بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين خصوصا في أعقاب الربيع العربي وتعانى المنطقة العربية واوروبا من مشاكل اللاجئين حتى ان بعض القوى الدولية استغلت موضوع اللاجئين كورقة ضغط على المجتمع الدولى.

وبعيدا عن المعطيات السياسية فانني اتناول موضوع اللجوء كحدث انساني لابد من حدوثه حتي تكتمل الحلقات الحضارية بايجابياتها النافعة للبشرية علي المدي البعيد.

قد يكون اللجوء به مرارة للاجئين ولكنه في نهاية الأمر طوق النجاة لهم وهو بداية جديدة لحياتهم يتمون بها مشروع حضارى فى بلاد الملجأ، فالكثير من المجتمعات قامت وتحضرت علي اكتاف اللاجئين والمهاجرين، فقد عمل اللاجئين دوما علي اثبات انفسهم وتفوقهم في المجتمعات التي نزلوا اليها واصبحوا بمرورالوقت من أعلامها فالأرض ملك الله والسعي فرض الله ولنا في انبياء الله خير المثال وخير الأمثلة في سيدنا محمد (صلي الله عليه وسلم ) .

تناولت فى دراستى للماجستير والدكتوراة موضوع اللجوء من والى الأندلس منذ الفتح وحتى السقوط ولكن كان اهتمامي هنا بعرض نموذج اللجوء الأوروبي للأندلس للتأكيد علي أن عجلة اللجوء تدور بصفة مستمرة لا تعترف بأجناس أو جغرافيا أو تاريخ فكما أن اللاجئون العرب اليوم يصلون إلي الشواطئ الأوربية لاجئين فقد وصل قبل مئات السنين الأوروبيين الي ملك العرب في الأندلس لاجئين ..

حقيقة تتميز بعض الأقاليم بأنها أرض لأحلام الكثيرين وملاذً لهم يهفون إليها , وتتنوع مظاهر الهجرات واللجوء والهروب إليها . قد يكون ذلك نتيجة لثراء هذه الأقاليم وغناها , أو يكون نتيجة لحكمة أنظمة الحكم بها ووعيها , أو يكون لقدسية ومكانة هذه الأقاليم الدينية ومكانتها , مثلما هو الوضع فى مكة والمدينة والقدس الشريف .

وقد تميزت الكثير من الأقاليم الاسلامية على مر العصور بكونها ملجأ للكثيرين , وإذا إستثنينا العامل الدينى سبباً من أسباب اللجوء والنزوح لإقليم معين , وجدنا أن أكثر الأقاليم التى استقبلت لاجئين ونازحين على مستوى العالم الاسلامى هي الاندلس , التي كانت أرضاً لأحلام الكثيرين عربا وغير عرب .

كان للأندلس خصوصية معينة , فبالإضافة إلى غنى الإقليم واعتداله وترحيب حكامه باللاجئين , فإن ظروف موقع الأندلس جعل من المهاجرين واللاجئين إليه يعتزون به وطناً , وشجعهم علي التفاني في العمل به , لأجل تنميته , وكان لمشاكل نشأة الدولة فى الأندلس أكبر الأثر فى استقبالها للعديد من اللاجئين , فمن تلك المشاكل حاجة عبد الرحمن الداخل لاستقبال العديد من الأنصار, واستقبال عبد الرحمن الناصر للكثير من طريدي الفاطميين , وفتح المنصور بن أبي عامر بلاد الأندلس علي مصراعيها أمام البربر , هذا فضلاً عن العديد من الظروف السياسية , سواء كانت داخل الأندلس أم خارجها , والتي شجعت علي ازدياد حدة اللجوء إلي هذا البلد , وهو ما يدفعنا للقول بأن حضارة الأندلس , ما هي إلا بوتقة لانصهار الحضارات الإنسانية .

واتخذ اللجوء إلى الأندلس عدة مظاهر , فهو إما هروب من الحاكم أو هروباً تحت تأثير الخوف من الظلم أو نتيجة الإضطهاد العقدى أو الهروب من شظف العيش , ومن الممكن أن نصنف تلك الحالات إلى الآتى :-اللجوء السياسى -اللجوء الدينى -اللجوء الانسانى ونستطيع أن نعد حالات اللجوء الإنسانى أهم الحالات , فقد كان اللجوء فيها بأعداد كثيرة , وكان اللاجئون فيها من العامة الذين بنوا الحضارة , وجاء لجوئهم تلقائياً بحثاً عن العيش , لا يحتاج إذن من حاكم أو أمير , ولم يكن لهم مطامع كبيرة سوي العيش في أمان , ولم يهتم بذكرهم المؤرخون والرحالة . ولايعنى ذلك أننا نقلل من شأن السياسيين أو الأعلام والعلماء , فقد أثروا بأشكال كثيرة فى مناحى الحياة , ولعل أهم اللاجئين الذين اثروا فى أحداث الاندلس زرياب وقادة طالعة بلج , وكذلك بعض أمراء الأوربيين .

ومثلما كانت الأندلس قبلة اللاجئين السياسيين واللاجئين لأسباب إنسانية , كانت بلاد الأندلس قبلة الكثيرين من المضطهدين لأسباب دينية ومذهبية , فرحبت بهم وأثرت فيهم , وأثروا فيها مثل أبي علي القالي والبغدادي وابن شرف القيرواني.

أما في الفترة المتأخرة من تاريخ الاندلس فإن موضوع اللجوء قد اختلف علي الصعيدين سواء بالنسبة للمضيف أو اللاجئ ، فاللاجئ هنا أصبح فى كثير من الأحيان يعتبر أن اللجوء خطوة في سبيل صعود نجمه أو ولايته للحكم فأصبح اللاجئ يقصد سلطان أو ملك مـعين لمجرد علمه بأن هناك اختلاف سياسي بين دولته ودولة المضيف، ومن ناحية أخري وجدنا المضيف يعتبر اللاجئين وكأنهم قطع شطرنج أو رهائن يقايض بها ويستغلها وقتما أراد . مع ملاحظة أن موضوع اللاجئين واستغلالهم سياسياً أثار مخاوف الكثير من الحكام فوجدنا موضوع اللاجئين بنداً ثابتاً في كثير من المعاهدات بين الممالك الأوربية والدول الإسلامية ووجدنا الكثير من اللاجئين يشكلون حلاً لمشكلات سياسة عدة في غرب المتوسط .

وعامة نجد تأثيرات اللاجئين فى الأندلس واضحة للعيان فى الكثير من المجالات وتأتى الرياح بما لاتشتهى السفن , فيمر الوقت , وتتعرض الأندلس لكثير من النكبات والمشاكل السياسية والاقتصادية , وأثر ذلك على تنامى فكرة اللجوء والنزوح من الأندلس , وأراد القدر أن تُعلم الأندلس الدنيا , إذ حمل لاجئوها الأندلسيين مشعل الحضارة معهم إلى جميع الأقاليم التى لجأوا إليها , فأقاموا المدن ونشروا الفكر والثقافة والحضارة فى كل مكان , ولعبوا دوراً بارزاً فى نهضة أوروبا الحديثة , وتنوعت تأثيرات لاجئى الأندلس على الأقاليم التى هاجروا إليها , خاصة في مجالات العلوم والفنون والآداب والفقه , فما تزال فنون الموشحات الأندلسية ظاهرة التأثير في فنون شمال أفريقيا والشام , وكذلك لا تزال التأثيرات الأندلسية واضحة في مختلف مجالات الحضارة الإسلامية .

جدير بالذكر أن العلاقات بين الممالك النصــرانية وغيرها من الممالك الأوربية مع الدولة العربية الإسلامية في شبة الجزيرة الأيبرية لم تكن علاقة حروب مستمرة , وإنما كانت هناك علاقات سياسية احتل فيها اللجوء جانب كبير سواء لجوء المسلمين لأوروبا أو العكس , وبمرور الوقت أصــبح اللجوء المتبادل أمرا عاديا ومتعارف عليه بين مسلمى الأندلس وجيرانهم الأوروبيين وترتبت عليه العديد من النتائج السياسية والحضارية لكافة الأطراف. وسنذكر عدة أمثلة عن اللاجئين من أمراء وسياسي أوربا للأندلس ومن هؤلاء . غليالم بن برناط بن غليالم دوق تولوزGuillaume الثائر علي مملكة الفرنجة عام 232هـ /846 م أيام الأميرعبد الرحمن وجاء لجوء الملكة طوطة وحفيدها سانشو السمين وأوردنيو الرابع أيام الناصر والحكم المستنصر في إطار الصــراعات السياسية التي سادت بين الأسر الحاكمة في الممالك النصــرانية , ولجوئهم إلي الأندلس , إنما يعبر عن مدي ما بلغته القوي السياسية والعسكرية والحضارية لحكام الاندلس من قوة في تلك الاثناء بينما اختلف اللجوء أيام عصر الطوائف فشكل خطورة علي ملك المسلمين لانقسامهم مثلما صارت الأمور مع اللاجئ ألفونسو السادس (ابن الملك فرناندو الأول العظيم Fernando (1035- 1065 م)) الذي استغل لجوئه لمملكة طليطلة فيما بعد فاستولي عليها بعدما كشف بواطن ضعفها وأدرك تشتت حكامها . وكذلك الأميرغرسية بن فرناندو الأول ولجوئه إلي بلاط المعتمد بن عباد ولأهمية اللجوء وما لعبه من خطوره تمثلت في ايواء دولة للمعارضين والفارين من دولة أخري وما يتبع ذلك من مشكلات أدت في بعض الأحيان لقيام الحروب فقد حرص حكام المسلمين والممالك النصرانية والدول الأوربية علي ادراج بند اللجوء السياسي من بلد لآخر والضوابط التي توفر الحماية لكل من البلدين.

واخيرا فلايسعني سوي القول باننا كما رصدنا ظروف العصور الوسطي بسلبياتها وايجابياتها فلا عجب اذن أن يشكل اللجوء الآن بظروفه المختلفة شكلا من اشكال الحياة لأصحابه كل الحق في الأيواء والتمتع بالأمان فتلك ضريبة لا مفر منها من ضرائب الصراع بين البشر .
 
 
الصور :