الجمعة, 17 أبريل 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

الشاه محمد رضا بهلوى
- ج3-

الشاه محمد رضا بهلوى
- ج3-
عدد : 02-2020
بقلم المهندس/ طارق بدراوى

ومع حلول شهر أكتوبر عام 1977م كانت كل أنحاء إيران تموج بالثورة التي ظهرت مقدماتها بوضوح في تنامي مشاعر الرفض الشعبي لسياسات الحكومة وتدني المستويات المعيشية لأغلب الإيرانيين وإحتكار نظام الشاه للحياة السياسية في البلاد من خلال حزب راستخيز أى النهضة الذي قام بتأسيسه وفشل المشروعات التنموية والإقتصادية المقترنة بفساد الطبقة الحاكمة الذي فاق كل المعدلات وكان صوت الإمام الخميني هو الأعلى في إنتقاد سياسات الشاه وعلاقاته المستفزة لمشاعر الشعب الإيراني مع أمريكا وإسرائيل وكان الحضور المتميز للتيار الديني في الثورة الإيرانية مرتكزا على كاريزما الإمام الخميني المنحدر من نسل الأئمة وإستخدام المفردات المذهبية التي تحفز الوجدان الشعبي لدي الشيعة مثل المستضعفين والمستكبرين والطاغوت والشهادة وكربلاء بالإضافة إلى إنتشار رجال المؤسسة الدينية في طول البلاد وعرضها كل هذا أسفر عن ذوبان كل التيارات السياسية تحت عباءة الخمينى ومن ثم إندلعت أولى المظاهرات الكبرى في إيران يوم 7 يناير عام 1978م في مدينة قُم المقدسة حيث إتخذ طلاب الدراسات الإسلامية من مقال نشرته صحيفة إطلاعات اليومية يشتمل علي سباب للإمام الخمينى ذريعة للنزول إلى الشارع وكانت قم هي المدينة التي قام الإمام الخميني بالتدريس فيها عام 1963م وقد خرجت الإحتجاجات عن نطاق السيطرة في يوم 9 يناير عام 1978م وهاجم المتظاهرون مبان حكومية وكل ما إعتبروه رمزا للحداثة مثل دور السينما والمطاعم وإضطرت الشرطة للتدخل وأعيد الهدوء مرة أخرى للشارع ولكن بعد مصرع ستة من المتظاهرين وإثنين من رجال الشرطة وبعد هذه المظاهرة إجتاحت البلاد مظاهرات أخرى في مدن طهران وتبريز وشيراز ومشهد وأصفهان بمشاركة الطلاب والمعارضة السياسية والليبراليين واليساريين وتجار البازار والملالي مما أسفر عن إعلان الشاه الأحكام العرفية في يوم 24 سبتمبر عام 1978م وقامت قوات الأمن العراقية بمحاصرة بيت الإمام الخميني في مدينة النجف الأشرف التي كانت تعتبر منفاه وإشترطت على الإمام أن يوقف نشاطه السياسي ويعلن عن تراجعه عن المواجهة مع النظام الإيراني كشرط لبقائه في العراق لكن الإمام قرر الإستمرار في المواجهة فنفي للمرة الثالثة خلال 13عشر عام وذلك في يوم 4 أكتوبر عام 1978م فغادر النجف قاصدا دولة الكويت لكنها إمتنعت عن إستقباله إمتثالا للضغوط الإيرانية وبعد التشاور مع إبنه السيد أحمد الخميني قرر الهجرة إلى العاصمة الفرنسية باريس فوصلها يوم 6 أكتوبر عام 1978م .

وفي اليوم التالي إستقر الإمام الخميني في منزل أحد الإيرانيين في ضاحية نوفل لوشاتو وسرعان ما حضر مندوبو قصر الإليزيه ليبلغوه بأن الرئيس الفرنسي فاليرى جيسكار ديستان يؤكد ضرورة إمتناعه عن مزاولة أي نشاط سياسي ورد الإمام بصراحة وبشدة إن مثل هذه القيود تتعارض مع إدعاء الديموقراطية وأنه حتى لو إضطر إلى التنقل من مطار لآخر ومن بلد إلى آخر فإنه سوف لن يتنازل عن أهدافه وهكذا فإن إقامة الإمام الخميني مدة أربعة أشهر في هذه الضاحية الباريسية جعل منها محط أنظار العالم كله وأهم مركز للأخبار حوله وكان لإلقاء الإمام المحاضرات المتعددة واللقاءات الكثيرة مع الوفود التي ترددت علي محل إقامته من جميع أنحاء العالم الدور المهم في إفهام العالم آرائه حول الحكومة الإسلامية وأهداف ثورته وخلال يوم 9 ويوم 10 ديسمبر عام 1978م طالب الإمام الخميني من منفاه بخروج مظاهرات واسعة في أنحاء البلاد كافة لإحياء ذكرى إستشهاد الإمام الحسين الموافق يوم 9 ويوم 10 من شهر المحرم ولما كانت الأحكام العرفية مطبقة حبذ الجنرال غلام علي أويسي قائد حرس الشاه منع المتظاهرين من النزول والإصطدام المباشر معهم ولكن الشاه رفض حقنا للدماء وسحب الجيش دباباته من وسط العاصمة طهران وإحتفظ بتواجد سري قرب المباني الحكومية لتأمينها وحمايتها وعلى هذا النحو إحتل المتظاهرون المدينة وظلوا لمدة يومين يهتفون بسقوط الملكية وإقامة الجمهورية الإسلامية ومع بلوغ المظاهرات هذا الحد حثت بعض الشخصيات السياسية المهمة مثل شهبور بختيار آخر رؤساء الوزارات في عهد الشاه وسفيري الولايات المتحدة الأميريكية وبريطانيا شاه إيران على مغادرة البلاد لتهدئة الرأي العام وكانت العلاقات بين السادات والشاه محمد رضا بهلوي خلال فترة السبعينيات من القرن العشرين الماضي قوية وجمعت بينهما صداقة حميمة كما سلف الذكر وكان شاه إيران دائم الإتصال بالسادات وكانا يتبادلان معا الأراء حول قضايا المنطقة محل الإهتمام المشترك خاصة بعد إبرام إتفاقية السلام في كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل وكان الشاه يدعو السادات دائماً بأخي الحبيب وخلال اللقاءات الرسمية التي جمعت بينهما تعرفت زوجتا الزعيمين السيدة جيهان السادات والشاهبانو فرح ديبا على بعضهما البعض وصارتا صديقتين مقربتين وكانت الشهبانو على إتصال دائم بجيهان السادات خلال خريف عام 1978م ومع تفاقم الأوضاع في إيران دعت جيهان السادات الشاه والشهبانو للقدوم إلى مصر وبالفعل هبطت طائرة الشاه والشهبانو في أسوان في يوم 16 يناير عام 1979م وحرص السادات على إقامة مراسم رسمية لإستقبال الشاه وأقام حفل عشاء على شرفه حيث كان الشاه حتى تلك اللحظة الحاكم الفعلي لإيران ونزل الشاه وزوجته في فندق أوبروى المبني على جزيرة وسط النيل بأسوان ولم تمض فترة طويلة حتى علم الشاه أن حاشيته ورجاله في إيران قد تخلوا عنه ولم يعد هناك مجال لفعل أى شئ وبعد مرور 6 أيام تلقى الشاه دعوة من ملك المغرب الحسن الثاني للذهاب إلى مراكش ورغم تجديد دعوة السادات للشاه للبقاء في مصر مؤكداً له أن مصر أٌقرب إلى إيران من أجل تنظيم المقاومة التي كان يعد لها الشاه لم يشأ الشاه أن يثقل على السادات وقرر الرحيل إلي المغرب .

وأثناء إقامة الشاه في المغرب توالت الأخبار المفجعة على الشاه الواحد تلو الآخر ففي يوم 1 فبراير عام 1979م وصل الإمام الخميني إلى طهران قادما من باريس وسط ترحيب حار من ملايين الشعب الإيراني بعد 14 عاماً أمضاها في منفاه خارج البلاد وفي يوم 7 فبراير عام 1979م خرجت مظاهرات مليونية تؤيد إنهاء الحكم الملكي وإقامة الجمهورية الإسلامية وبدأ الجنود الإيرانيون في الفرار أمام المتظاهرين وفي يوم 11 فبراير عام 1979م إقتحم المتظاهرون الثكنات العسكرية وإستولوا على الأسلحة وتم إغتيال عبد العلي بدره قائد القوات البرية وأمين بجلاري نائب قائد الحرس الملكي في مقر عملهما لرفضهما تحييد الجيش وفر شهبور بختيار رئيس الوزراء إلى فرنسا والتي ظل مقيما لها حتي تم إغتياله يوم 6 أغسطس عام 1991م علي يد الحرس الثورى الإيراني وبثت إذاعة طهران القومية نبأ إنتصار الثورة وإنهيار معقل الديكتاتورية وفي اليوم التالى إنتشرت الأنباء عن مذابح الضباط في الشوارع وأوامر الإعدام التي أصدرها المتعصبون وفي ظل هذه الظروف العصيبة أدرك الشاه أن فصلاً جديدا قد بدأ في حياته ولم يعد هنا أمل للعودة إلى البلاد وكان الكسندر دي مارنش رئيس جهاز المخابرات الفرنسية قد إلتقى بالشاه في مراكش وأبلغه بأن الخميني قد أمر تابعيه المتعصبين بخطف أفراد من العائلة الملكية المغربية كرهائن ومبادلتهم بالشاه وأسرته فإضطر الشاه للرحيل من المغرب رغم معارضة ورفض الملك الحسن الثاني الذي وضع طائرته الخاصة تحت تصرف الشاه وأسرته وخلال تلك الفترة رفضت أغلب بلدان العالم إستضافة الشاه وأسرته خوفاً من الإضرار بمصالحها مع الدولة الجديدة في إيران وكان في مقدمتها الولايات المتحدة الأميريكية وبريطانيا وفرنسا وبعد إتصالات مع السلطات في جزر البهاما التابعة للتاج البريطاني توجه الشاه إلى هناك حيث إستأجر فيلا ومكث هناك لمدة شهرين وعشرة أيام ثم أخبرته الحكومة البريطانية عبر سفيرها السابق في طهران دنيس رايت أنها لا ترغب في وجوده على أراضيها وتذكر الشهبانو فرح ديبا أنه مع رفض السلطات في جزر البهاما تجديد أوراق إقامتهم راحت سفارات الدول حول العالم الواحدة تلو الأخرى ترفض إستضافة الشاه وكان الرئيس المصرى أنور السادات هو الرئيس الوحيد الذي جدد دعوته مرة أخرى لقدوم الشاه إلى مصر ولكن الشاه كان يرى أن السادات قد وقع لتوه إتفاقيات كامب ديفيد ثم معاهدة السلام في شهر مارس عام 1979م والتي أثارت مشاعر الغضب ضده في الداخل والخارج وكانت هذه المتاعب تكفيه فلم يقبل الشاه دعوته حتي لا يتسبب له في المزيد من المشاكل وفي النهاية عرضت المكسيك إستضافة الشاه بطلب من الدكتور هنري كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة الأميريكية السابق وكان الشاه قد إلتقى بالرئيس المكسيكي خوسيه لوبيز بورتيو في أثناء توليه وزارة المالية قبل توليه منصب الرئيس وأبدى إعجابه به .

وخلال هذه الأحداث المتلاحقة كان الشاه يعاني من تضخم في الطحال بسبب إصابته بسرطان الغدد الليمفاوية مما تطلب إستئصاله ونظراً لحالته الصحية الحرجة طلب من الولايات المتحدة الأميريكية السماح له بالعلاج لديها ووافق الرئيس الأميريكي جيمي كارتر في يوم 19 أكتوبر عام 1979م على دخول الشاه إلى الولايات المتحدة وكان كارتر يخشى من وقوع مكروه للسفارة الأميريكية والرعايا الأميريكيين في طهران بسبب دخول الشاه للأراضي الأميريكية وفي يوم 24 أكتوبر عام 1979م أجريت عملية إستئصال المرارة للشاه في مركز ميموريال سلون كيترينج لعلاج السرطان في نيويورك ولكن كان من الضروري إستئصال الطحال بعد ذلك وبعد أسبوعين أي في يوم 4 نوفمبر عام 1979م وفي الساعة العاشرة صباحا حدث ما كان يخشي منه الرئيس الأميريكى ودفع كارتر ثمن السماح للشاه بالدخول إلي الولايات المتحدة غاليا حيث داهم حوالي عدد 500 من الطلاب الأصوليون المناصرين للثورة الإيرانية السفارة الأميريكية في طهران وقاموا بكسر أقفال الأبواب الخارجية للسفارة وفتحوها وإقتحموا ساحتها بسهولة ثم قاموا بالسيطرة علي كل مباني السفارة خلال ثلاث ساعات وحاول موظفو السفارة تدمير الوثائق الموجودة بها لكن سرعان ما تمكن المهاجمون من مصادرتها وإحتفظوا بالدبلوماسيين الذين كان يزيد عددهم عن 60 فردا كرهائن وذلك بهدف تسليم الشاه وأسرته وحدثت أزمة دولية كبيرة وأعلن الرئيس الأميريكي جيمي كارتر حينها أن الحكومة الإيرانية مسؤولة عن إحتجاز هؤلاء الرهائن وسلامتهم وأن الشاه يستطيع الرحيل من أمريكا حينما تسمح صحته بذلك وجدير بالذكر أن إيران قد أعلنت بعد الإستيلاء علي الوثائق التي كانت موجودة بالسفارة الأميريكية بطهران أنها كانت بمثابة وكر للجواسيس وأنها هي التي نظمت إنقلاب عام 1953م ضد رئيس مجلس الوزراء الشرعي المنتخب محمد مصدق وأنه قد تم العثور على وثائق في السفارة تشير إلى أن بعض الموظفين بها كانوا يعملون كعملاء مع وكالة الإستخبارات الأميريكية وفي وقت لاحق أكدت وكالة المخابرات المركزية الأميريكية والحكومة البريطانية على دورهما في الإنقلاب ضد مصدق كما أعلنت إيران أيضا أنه كانت هناك أيضا وثائق ومستندات سرية تثبت أن الولايات المتحدة كانت تحاول زعزعة إستقرار النظام الإيراني الجديد وأن بعض من الإيرانيين المعادين للثورة الإسلامية في إيران كانوا على إتصال مع الولايات المتحدة ثم تم نشر هذه الوثائق بما في ذلك البرقيات والمراسلات والتقارير الصادرة عن وزارة الخارجية الأميريكية ووكالة الإستخبارات المركزية في سلسلة من الكتب التي تحمل إسم وثائق وكر التجسس وبحلول عام 1995م تم نشر 77 مجلدا من الوثائق المكتشفة من وكر التجسس والعديد من هذه المجلدات متاحة الآن على شبكة الإنترنت .

وقد بذلت الولايات المتحدة الأميريكية عدة محاولات للتفاوض على إطلاق سراح الرهائن المحتجزين في إيران باءت كلها بالفشل الذريع ومن ثم خططت للقيام بعملية عسكرية تنفذها القوات الخاصة الأميريكية بالإشتراك مع جناح الجسر الجوى وجناح النقل الجوى ومشاة البحرية لإنقاذهم في يوم 24 أبريل عام 1980م أطلقت عليها الإسم الكودى مخلب النسر ولكنها فشلت أيضا وأدت إلى تدمير طائرتين ومقتل ثمانية جنود أميريكيين وإيراني مدني واحد وقد إنتهت هذه الأزمة بالتوقيع على إتفاقية الجزائر في الجزائر يوم 19 يناير عام 1981م وأفرج عن الرهائن رسميا في اليوم التالي بعد دقائق من أداء الرئيس الأميريكي الجديد رونالد ريجان اليمين وذلك بعد مرور 444 يوما من التحفظ عليهم وقد مثلت هذه الأزمة بلا شك حادثة محورية في تاريخ العلاقات بين إيران والولايات المتحدة الأميريكية ويعتقد بعض المحللين السياسيين أنها كانت سببا رئيسيا في هزيمة الرئيس الأميريكي جيمي كارتر في الإنتخابات الرئاسية التي أجريت في شهر نوفمبر عام 1980م وعلي العكس فقد عززت هذه الأزمة من وضع الإمام الخميني في إيران كما كانت أيضا بداية فرض عقوبات إقتصادية أميريكية على إيران وبعيدا عن هذه الأزمة ففي خلال شهر نوفمبر عام 1979م جدد الرئيس المصرى السادات وزوجته دعوتهما لإستضافة الشاه للمرة الثالثة ومع نهاية شهر نوفمبر عام 1979م رأى الأطباء أنه من الممكن أن يغادر الشاه المستشفى وفي يوم 30 نوفمبر عام 1979م كانت المفاجأة غير المتوقعة التي تلقاها الشاه وأسرته وهي رفض المكسيك منحه حق اللجوء السياسي وحينها بحث البيت الأبيض السبل الممكنة لإستضافة الشاه وزوجته حيث تقرر إرسال الشاه وزوجته إلى قاعدة لاكلاند الجوية في سان أنطونيو بولاية تكساس فنزلا بمبني للعلاج النفسي في المستشفى العسكري فيما يشبه الإقامة الجبرية ولم تسمح صحة الشاه بالبقاء في تكساس وكذلك كان البيت الأبيض يرغب في مغادرة الشاه للولايات المتحدة بسبب أزمة الرهائن الأميريكيين وأخيرا في يوم 12 ديسمبر عام 1979م أبلغ البيت الأبيض الشاه أن بنما على إستعداد لإستضافته وبالفعل سافر الشاه وزوجته إلى بنما ونزلا هناك في فيلا من 4 حجرات ولكن بسبب النزاع الذي نشب بين الأميريكيين والبنميين حول حقوق السيادة على قناة بنما تأثرت أسرة الشاه بذلك وأصبحت تعيش تحت مراقبة الشرطة البنمية ليلا ونهارا والتي كانت تحصي خطواتهم وإكتشفت الشهبانو فرح ديبا أن جميع مكالماتهم وأحاديثهم مسجلة وفي الوقت نفسه تقدمت طهران بطلب إلى الحكومة البنمية لتسليم الشاه وأسرته وكان القانون البنمي في ذلك الوقت ينص على إعتقال الشخص المراد تسليمه فور تلقي الطلب ويبدو أن الحكومة البنمية قد رأت أن الإقدام على هذه الخطوة سيكون له الأثر في إطلاق سراح الرهائن الأميريكيين وبدأت في إتخاذ الإجراءات لإلقاء القبض على الشاه وأسرته .

وفي ظل هذا الموقف الدقيق وبالتحديد في شهر مارس عام 1980م إتصلت الشهبانو فرح ديبا بالسيدة جيهان السادات وأخبرتها بخطورة الوضع فأجابتها السيدة جيهان تعالوا نحن في إنتظاركم هنا في القاهرة وأبلغت السيدة جيهان الرئيس السادات الذي أعرب عن موافقته وتأييده لما قامت به زوجته وقال لها أبلغي فرح بأنني سأرسل إليهم طائرة الرئاسة فورا وحينما علم الرئيس الأميريكي كارتر بإحتمال سفر الشاه إلى مصر إنتابه القلق الشديد نظرا لما سيسفر عنه هذا الأمر من إضعاف الموقف الدولي للسادات والتأثير السلبي على جهود عملية السلام في الشرق الأوسط وبالفعل أجرى كارتر اتصالا هاتفيا بالسادات ليثنيه عن إستضافة الشاه غير أنه لم يفلح في ذلك بل إن السادات قد وجه تحذيرا مباشرة لكارتر وقال له حرفيا جيمى أريد الشاه هنا وأريده حيا وبالفعل وصل الشاه والشهبانو إلى القاهرة في يوم 24 مارس عام 1980م بعد 14 شهراً من الترحال في البلدان وإستقبلهما السادات وقرينته وأعد السادات قصر القبة مقرا لهما ولحق بهما الأولاد وتصف السيدة فرح ديبا حفاوة الإستقبال التي حظيت بها هي والشاه من قبل المصريين والذي تمثل في العبارات الودودة والتطوع للتبرع بالدم وكان المصريون يلقبون الشاه حينها بكلمة أخ وفي أواخر شهر مارس عام 1980م دخل الشاه مستشفى القوات المسلحة بالمعادي لإجراء عملية إستئصال الطحال التي أجراها الطبيب الأميريكي ديبيكي ومساعده الأسترإلى وبعض الجراحين المصريين وبدأت حالة الشاه تتحسن نسبيا لفترة قصيرة ولكنها سرعان ما بدأت في التدهور شيئا فشيئا إلى أن سقط في غيبوبة ليلة 27 يوليو عام 1980م ووافته المنية على أثرها وأقام الرئيس السادات له جنازة عسكرية مهيبة تولى بنفسه الإشراف على أدق تفاصيلها بدأت من قصر عابدين وتم عزف السلام الإمبراطوري الإيراني وحمل النعش ملفوفا بعلم إيران فوق عربة مدفع يجرها ثمانية من الخيول العربية وكان الرئيس السادات هو الرئيس الوحيد الذي يتقدمها وإلي جانبه ولي عهده رضا بهلوي الثاني وبصحبته قسطنطين الثاني ملك اليونان السابق وريتشارد نيكسون الرئيس الأميريكي الأسبق حيث وري جسد الشاه الثرى في مسجد الرفاعي بحي القلعة بقلب القاهرة في نفس الغرفة التي كان والده الشاه رضا مدفونا بها قبل نقل رفاته إلي إيران وبعد التطور الهائل الذي شهدته العلاقات المصرية الإيرانية خلال عصر السادات وبهلوي أصابت هذه العلاقات حالة من الفتور والتوتر بلغ حد القطيعة بعد إنتصار الثورة الإيرانية وقيام الجمهورية الإسلامية بزعامة الإمام الخميني ويرجع هذا الأمر إلى تنافر الرؤى والتوجهات السياسية بين البلدين خلال هذه الحقبة الزمنية بعدما كانت تسير على النسق نفسه سابقا .

وقد تمثل هذا التباين والإختلاف في الرؤى في إستضافة مصر لشاه إيران الذي رفضت أغلب دول العالم أن تمنحه حق اللجوء السياسي فيها كما تبنت القاهرة مع إبرام معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل خارطة الطريق الرامية إلى إحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط وإقامة دولتين فلسطينية وإسرائيلية يعيشان جنباً إلى جنب في أمن وسلام دائمين وكل هذا ينافي بشكل صريح توجهات إيران الثورية بقيادة الخميني الذي كان يلقب الشاه بالطاغوت وأمريكا بالشيطان الأكبر ويتوعد بمحو إسرائيل من على وجه الأرض وعلي هذا النحو وضع الخميني مصر في قائمة الدول المعادية لإيران والحقيقة أن مصر لم تتخذ موقفا معاديا من إيران الثورية بل كان لديها الرغبة في التعامل مع الدولة الجديدة والإبقاء على العلاقات قائمة بين البلدين إلا أن ذلك كان ضربا من الخيال البعيد فمع إصدار القاهرة بيان 12 من شهر فبراير عام 1979م الذي أعربت فيه عن تطلعها لإستمرار العلاقات بين البلدين وتعزيزها في مختلف المجالات لم تلق هذه المبادرة المصرية أية إستجابة بل على العكس قوبلت بتصعيد من النظام الجديد في إيران وجاء بيان الخميني في يوم 26 من شهر مارس من العام نفسه الذي إعتبر إتفاقية السلام بين السادات وإسرائيل خيانة للإسلام والمسلمين والعرب وأيد موقف الدول العربية الرافض لإتفاقية السلام وفي يوم 30 من شهر أبريل عام 1979م قرر الخميني قطع العلاقات الدبلوماسية مع مصر وقد شهدت تلك الفترة حملات إعلامية ودعائية موجهة بين مصر وإيران للتشهير بزعيمي البلدين فكان السادات يرى الخميني عارا على الإسلام وكان الخميني يلقب السادات بالخائن والعميل الأميريكي مثله مثل الشاه وراحت الصحف المحلية والإذاعات الموجهة في القاهرة وطهران تدعو أفراد الشعبين للإنقلاب على الحكم وقد بلغ الأمر بالحكومة الخمينية آنذاك بأن تشفت في إغتيال السادت وجعلت من قاتله خالد الإسلامبولي شهيدا وبطلا وأطلقت إسمه على شارع في طهران كان يحمل إسم شارع الوزراء سابقا تكريما له وتخليدا لذكراه وقد ردت مصر بتسمية شارع في حي الدقي بإسم رضا يهلوى كما أنتجت لجنة تكريم شهداء الحركة الإسلامية العالمية في إيران عام 2008م فيلما وثائقيا بعنوان إعدام فرعون من إخراج محسن يزدي وينتقد الفيلم إبرام معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل ويؤيد إغتيال السادات ويدين سياساته ويصف الإسلامبولي بالشهيد وقد واجه الفيلم إنتقادات واسعة من قبل الساسة والصحفيين والفنانين المصريين وأدانت وزارة الخارجية المصرية والأزهر الشريف الفيلم وطلبتا من الحكومة الإيرانية وقف عرضه وفي النهاية نستطيع أن نقول بكل حياد إنه كما دفع الرئيس الأميريكي الأسبق جيمي كارتر ثمن سماحه لشاه إيران بالدخول إلي الولايات المتحدة مما أدى إلي أزمة الرهائن الأميريكيين في إيران ثم محاولته الفاشلة لتحريرهم وأدى ذلك إلي خسارته الانتخابات الرئاسية عام 1980م فقد كان أيضا من أهم أسباب إغتيال الرئيس السادات في يوم 6 أكتوبر عام 1981م علي يد الجماعات المتطرفة إستضافته لشاه إيران في مصر وإحتفاءه به وتشييع جنازته عسكريا عند وفاته في شهر يوليو عام 1980م .
 
 
الصور :