الجمعة, 17 أبريل 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

المؤرخ الرسمي للملك لويس الرابع عشر

 المؤرخ الرسمي للملك لويس الرابع عشر
عدد : 01-2020
بقلم المهندس/ طارق بدراوى

جان راسين هو شاعر وكاتب مسرحي فرنسي نشط خلال عصر الملك لويس الرابع عشر ملك فرنسا المجيد ولد راسين في يوم 22 ديسمبر عام 1639م في البلدة الصغيرة فيرتي ميلون في مقاطعة فالوا والتي تقع على بعد نحو خمسين ميلا شمال شرقي العاصمة الفرنسية باريس في عائلة فقيرة الحال حيث كان والده مراقبا لإحتكار الدولة للملح في بلدته وعندما بلغ عمره سنتين توفيت والدته وبعد عام واحد توفي أبوه أيضا وبذلك فقد أصبح جان يتيم الأبوين في سن الثالثة من عمره وتولي جده وجدته لأبيه رعايته وعندما بلغ التاسعة من العمر إلتحق بالمدرسة الرهبانية بور رويال حيث تلقى تعليما كلاسيكيا ممتازا علي يد الأصوليين المسيحيين الذين ربوه على طريقتهم الخاصة ومبادئ عقيدتهم القاسية التي لا تسمح باللهو أو اللعب أو حتى الإبتسام فمفهوم الدين في فرنسا كان آنذاك صارما متجهما متشددا ولكن راسين مع هذا أدرك مبكرا جدا ان الرهبنة ليست حرفته وإنما حرفته الأدب والشعر حيث إستهوته تمثيليات سوفوكليس ويوريبيديس فترجم بعضها بنفسه ثم تعلم شيئا من الفلسفة ومزيد من الثقافة الكلاسيكية في كلية آركور بباريس وفيها أيضا تعرف على العديد من الكتاب المعاصرين والذين كان من بينهم جان دى لافونتين الذى صار بعد ذلك أشهر كتاب الخرافات في الأدب الفرنسي وعاش جان بعد ذلك لمدة عامين مع إبن عمه نيكولا فيتار الذي كان يتردد بين مدرسة البور رويال والمسرح وإستمع راسين إلى عدة تمثيليات ومن ثم إستقر رأيه على إتخاذ الأدب والشعر والكتابة المسرحية حرفة له ومما يذكر أن راسين كان معاصرا للمؤلف الكوميدي المسرحي والشاعر الفرنسي الكبير جون باتيست بوكلان والمعروف بإسم موليير والذى يعد أحد أهم أساتذة الهزليات في تاريخ الفن المسرحي الأوروبي ومؤسسُ فن الكوميديا الراقية وكان موليير في البداية في فترة التمثيل والإخراج المسرحيين إلى جانب حياته العملية في التأليف يقدم روايات من تأليف راسين والذى بدا الكتابة المسرحية عام 1658م ولكنها أخفقت فنيا ولم تكن من الجودة بحيث تستحق الإخراج ولكن موليير نفحه بمائة جنيه ذهبي وشجعه على أن يعيد الكرة فإنصرف راسين إلى فرقة مسرحية أخرى منافسة له وهال هذا الامر أقرباءه وراعهم ما نمى إليهم من أنباء مغامراته العاطفية فأرسلوه إلى أوزيس بجنوبي فرنسا عام 1659م وكان عمره 20 عاما مساعداً لعم له كان كاهنا لكاتدرائية فوعده بوظيفة كنسية إن هو درس اللاهوت ورسم قسا وبالتالي يكون له مرتب شهرى وفي هذا الوقت قرأ راسين لبعض علماء اللاهوت مثل القديس توما الأكويني وغيره وبعد مرور عام ولأنه لم يحصل على الوظيفة الكنسية كما أنه أيضا أدرك أنه لا يصلح أن يكون قسيسا فقد خلع ثوب الكهنوت وعاد إلى العاصمة باريس عام 1663م ومنذ ذلك الحين إنصب إهتمامه على الأدب والمسرح ولم يشك لحظة في قدراته على كتابة المسرحيات وإنتاجها وفي هذه المرحلة من حياته أصبح جان معروفا في حلقات الأدب الباريسية كما أصبح معروفا وصديقا لأشخاص ذوي نفع في البلاط الملكي الفرنسي ومن ثم اصبح إرتباطه بالقصر الملكي والملك لويس الرابع عشر وثيقا وسمي منذ عام 1677م المؤرخ الرسمي للملك لويس الرابع عشر .

وكان راسين المفعم بالنشاط والحيوية قد إختار أسلوب التراجيديا الذي برع فيه وكان سبب شهرته وكنتيجة لعلاقاته الطيبة مع رجال الملك لويس الرابع عشر إقترح عليه موليير موضوعا حوله راسين إلى مسرحية سماها طيبة أو التيباييد وأخرجها موليير في شهر يونيو عام 1664م ولكنه إضطر لوقف عرضها بعد أربعة عروض فقط بسبب الضجة التي أثارتها من جانب مدرسة البوررويال وقامت عمة راسين بتوجيه رسالة له من هناك تستحق أن نوردها بإعتبارها جزءا من دراما راقية تعدل في بلاغتها وتأثيرها في النفس أي شيء كتبه راسين حيث قالت له في هذه الرسالة حين نما إلى علمي أنك تنوي الحضور إلينا طلبت إلى أمنا الإذن لي برؤيتك ولكنني سمعت مؤخرا خبرا أثار في أشجانا عميقة وإني أكتب إليك وهناك مرارة في قلبي وأذرف الدمع الذي أرجو أن أسكبه غزيرا أمام الله لأنال منه خلاصه الذي أتوق إليه أشد مما أتوق لأي شئ آخر في العالم فقد علمت وللأسف الشديد أنك تخالط أكثر من أي وقت مضى معشرا إسمهم بحق رجس لكل من له أي نصيب من تقوى لأنهم محرومون من دخول الكنيسة أو تناول الأسرار المقدسة فإنظر الآن يا إبن أخي العزيز إلى أي حال صرت لأنك لابد عليم بما أشعر به نحوك من حنان وبأنه لم يكن لي من سؤال إلا أن تتبع الله في وظيفة شريفة لذلك أتوسل إليك أن ترحم نفسك وتفحص قلبك وتتأمل بجد أي هوة ترديت فيها وإنني لأرجو ألا يكون صحيحا ما أنبئت به ولكن إذا كان سوء طالعك قد بلغ مبلغا يحملك على مواصلة تجارة تشينك أمام الله والناس فعليك ألا تفكر في المجئ لرؤيتنا لأنك تفهم جيدا أنني لن أستطيع في هذه الحالة أن أكلمك لعلمي بأنك في حالة مؤسفة جدا مناقضة كل المناقضة للمسيحية الحقة ولن أكف في الوقت نفسه عن التضرع إلي الله ليرحمك لأن خلاصك عزيز جدا فها هنا عالم شديد الإختلاف عن ذلك الذي تسجله صفحاتنا عادة عالم من الإيمان العميق بالعقيدة المسيحية والولاء المحب لدستورها الأخلاقي وكتعليق علي هذه الرسالة فنحن لا نملك غير التعاطف مع إمرأة إستطاعت أن تكتب بمثل هذا الإخلاص في العاطفة وكان راسين قد علم أن كل الناس في البور رويال يعرفون أنه قد كتب تمثيليات للمسرح وكانت هذه المهنة في نظرهم حينذاك ليست في ذاتها مهنة شريفة جدا ومن جانب آخر لو نظرنا إليها في ضوء الدين المسيحي وتعاليم السيد المسيح فقد كانت مهنة رهيبة فالروائيون تجار سموم يقتلون نفوس الناس لا أجسادهم وقد أجاب كل من موليير وراسين على هذا الاتهام على حده وكان في جواب راسين من العنف والغضب ما جعله يندم عليه أشد الندم فيما بعد .

وتلا خصام راسين مع البور رويال خصام مع موليير بعد قليل ففي شهر ديسمبر عام 1665م قدمت فرقة موليير مسرحية راسين الإسكندر الأكبر وكان موليير كريما ومجاملا كعادته فهو كان علي علم بأن راسين لم يعجب به ممثلا تراجيديا وأن المؤلف الشاب يهيم بأجمل ممثلاته وإن لم تكن أكفأهن لذلك أخرج نفسه وممثلاته من شخصيات المسرحية وأعطى الدور النسائي الأول لممثلة تسمي تريز دبارك ولم يضن بمال على الإخراج وقد لقيت هذه المسرحية إستقبالا حسنا من جانب المشاهدين ولكن راسين لم يرض عن التمثيل فرتب حفلة خاصة مثلت الفرقة الملكية فيها المسرحية وحمله سروره بهذا التمثيل على سحبها من موليير وإعطائها لهذه الفرقة المنافسة وأقنع الآنسة دبارك التي أصبحت عشيقته بأن تترك فرقة موليير وتنضم إلى الفرقة الأقدم وعرضت المسرحية في مكانها الجديد بالأوتيل دبورجون ثلاثين مرة في مدة أكثر قليلاً من شهرين وعلي الرغم من أنها لم تكن من روائع راسين لكنها وطدت مكانته وأكسبته صداقة الناقد بوالو وحين قال له راسين بفخر إنني أنظم شعري في يسر مدهش أجابه بوالو أريد أن أعلمك كيف تنظمه في عسر ومنذ ذلك الحين علم الناقد العظيم راسين قواعد الفن الكلاسيكي وقدم راسين بعد ذلك رائعته أندروماك في شهر نوفمبر عام 1667م والتي بلغ فيها راسين أوج قوته المسرحية وأسلوبه الشعري وكانت هذه المسرحية مسرحية رعب لا مسرحية عاطفة وكانت الحبكة الدرامية فيها عبارة عن شبكة مركبة ومعقدة من العلاقات الغرامية فأوريست يحب هرميون التي تحب إبيروس الذي يحب أندروماك التي تحب هكتور الذي مات وكان إبيروس بن أخيل قد تم منحه ثلاث جوائز لما أبلى في إنتصار اليونان على طروادة ومنح أيضا طروادة مملكة له وصارت أندروماك أرملة هكتور أسيرة له وهرميون زوجة له وكانت أندروماك ما تزال شابة وجميلة وكانت لا تكف عن البكاء ولا عن ذكر زوجها النبيل الراحل وتخاف على طفلهما أستياناكس الذي ينقذه راسين بإنحراف مسرحي عن القاعدة من الموت ويفد أوريست إلى إبيروس مبعوثاً من اليونان ليطلب منه تسليم أستياناكس وقتله بإعتباره المنتقم المحتمل لطروادة في المستقبل ويرفض إبيروس هذا الطلب ويقول ما معناه إنهم يخشون أن تولد طروادة بهكتور من جديد وأن إبنه قد ينتزع مني الحياة التي حفظتها عليه سيدي إن الإفراط في التدبر يجر إفراطاً في الحذر إنني لا أستطيع أن أبصر المكاره من هذا البعد الكبير وأنا أفكر فيما كانت عليه هذه المدينة قاصدا طروادة فيما مضى جبارة في حضارتها شديدة الخصوبة في أبطالها سيدة على آسيا ثم أتأمل في النهاية ما صارت إليه وما إنتهى إليه حظها فلا أرى غير أبراج غطاها الرماد ونهر صبغت مياهه الدماء وحقول هجرت وطفل مقيد بالأغلال ولست أظن أن طروادة تقوى على الثأر وهي على هذه الحال آه لو كان إبن هكتور قد قدر عليه الموت فلم أبقينا عليه عاما كاملا ألم نكن قادرين على تقديمه قربانا وكان يجب أن يسحق تحت مئات القتلى في طروادة يومها كان كل شيء مباحا وعبثا كان الشيوح والأطفال يتضرعون لنا بضعفهما في الدفاع عن نفسيهما ولكن النصر والقدرة وهما أشد منا قسوة حرضانا على القتل وأفقدانا التمييز في ضرباتنا إن غضبي على المغلوبين جاوز حد الصرامة ولكن أيجب أن تبقى قسوتي بعد غضبي أينبغي أن أغتسل متلبثا في دم طفل برغم ما يتملكني من شفقة عليه لا يا سيدي فليبحث اليونان عن فريسة أخرى وليلاحقوا ما بقي من طروادة في غير هذا المكان وفي حقيقة الأمر كان إبيروس مغرما بأندروماك أمه إلى حد عرضه الزواج منها مع أنه كان يستطيع أن يتخذها جارية له وأن يتخذ الطفل أستياناكس ولدا ووريثا له ولكنها رفضته فهي لا تستطيع أن تنسى زوجها الراحل هكتور الذي قتله آخيل أبو إبيروس فما كان منه إلا أن هددها بأن يسلم الطفل لليونان فروعها تهديده ومن ثم رضيت بالزواج منه ولكن هرميون زوجته تشتعل غضبا لأنها نبذت وتعتزم قتل إبيروس رغم أنها لا تزال تحبه وتقبل ما يعرضه أوريست من حب وولاء شريطة أن يقتل إبيروس فيوافق كارهاً وهكذا فإننا نجد في كل خطوة وفي كل شخص من شخوص هذه المسرحية صراع في الدوافع يرقى إلى أدق العقد النفسية المعروفة في الأدب وفي النهاية يقتحم الجند اليونان الهيكل ويقتلون إبيروس عند المذبح الذي يتبادل فيه عهود الزواج مع أندروماك وتحتقر هرميون أوريست وتجري إلى المذبح وتغمد مدية في جسد إبيروس الميت ثم تطعن نفسها وتموت .

وبلا شك كانت هذه أعظم مسرحيات راسين وهي خليقة بأن تقارن بأعمال وليم شكسبير من حيث الحبكة الدرامية متينة البناء ومن حيث الشخوص الذين كشف عنهم في عمق ومن حيث المشاعر المدروسة في كل تعقيدها وحدتها والشعر الذى فيه من الروعة والتناغم ما لم تسمعه فرنسا منذ زمن بعيد ومما يذكر أن عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين قد قام بترجمة هذه المسرحية بأسلوبه السلس إلي اللغة العربية وكانت لهذه المسرحية الأثر الأكبر في إعتراف الناس بأندروماك رائعة من روائع الأدب ومن ثم فقد وطدت مقام راسين في البلاط الملكي وبذلك دخل أسعد عقد في عمره متنقلا من نصر إلى نصر ومتحديا موليير بملهاة من قلمه وكانت هذه الملهاة وإسمها المتخاصمون وهي عبارة عن عرض ساخر للمحامين الجشعين وشهود الزور والقضاة الفاسدين وقد تم عرضها في شهر نوفمبر عام 1668م وكانت هذه الملهاة صدى لتجربة راسين مع القانون ذلك أنه إلتمس رهنا على دخل دير وحصل عليه ولكن راهبا نازعه دعواه وتلا ذلك دعوى قضائية إمتد بها الأجل حتى ضاق بها راسين ذرعاً فتخلى عنها وثأر لنفسه بكتابة المسرحية ولم تسر هذه المسرحية المشاهدين في أول عرض لها ولكن حين مثلت في البلاط الملكي ضحك لويس الرابع عشر من قلبه على نكتها ضحكا جعل الجمهور يغير رأيه فيها فأقبل علي مشاهدتها مما كان له تأثير كبير علي تحقيق راسين لأرباح ومن ثم فقد أدت هذه الملهاة المتوسطة الجودة في ملء جيب راسين بالمال وفي عام 1869م عرض راسين مسرحيته التالية بريتانيكوس وهي تراجيديا رومانية وكان يعتبرها في رأيه أكثر أعماله إتقانا وكثيرا ما كان يفضلها علي أندرو ماك وكان راسين يستهدف من كتابته هذه المسرحية أن يصبح سيد التراجيديا في فرنسا آنذاك سواء في كتابة المسرحيات التراجيدية التاريخية أو تلك المسرحيات التراجيدية التي تستوحى من أساطير أو مسرحيات يونانية قديمة وكان راسين بارعا في تصوير العواطف فأظهر في هذه المسرحية براعته أيضا في تناول حدث تاريخي وصاغه صياغة درامية مثيرة وجاعلا للعواطف فيها دورا كبيرا والحق أن هذه المسرحية ليست أفضل ما كتب راسين ولا هي بالمسرحية التي يمكن أن توضع في مجال مقارنة مع تراجيديات أخرى لمؤلفين كبار ومع ذلك فهي من أجود مسرحياته مع ما فيها من بعض العيوب ومن هذه العيوب الجوهرية بها أن عنوانها بريتانيكوس ولكن دوره في المسرحية يأتي بصورة أقل من دور أجربينا والدة أخيه نيرون ونيرون نفسه كما ان الصراع بين بريتانيكوس وأخيه نيرون على عرش روما وقلب محبوبتهما جيني ليس قويا في المسرحية فنيرون تولى حكم روما منذ عدة سنوات بكيد أمه أجربينا ولم يعد بيد بريتانيكوس سوى أن يحلم بكونه الإمبراطور الشرعي الذي أقصي عن العرش وكذلك نرى جيني تحب بريتانيكوس وهو يحبها ومحاولة نيرون إجبارها على ترك حب أخيه وأن تحبه لا تلقى قبولا منها وحين رأت نيرون قد قتل أخاه بريتانيكوس في نهاية المسرحية تقتل نفسها ويكمن الصراع القوى في هذه المسرحية بين نيرون وأمه أجربينا فلقد إستطاعت أجربينا أن تهيئ له الحكم بدلا من بريتانيكوس إبن زوجها الإمبراطور كلاوديوس بحيل منها ومات كلاوديوس قبل أن يعيد ولاية العهد لإبنه الشرعي بدلا من نيرون إبنه بالتبني ولم تفعل أجربينا هذا من أجل نيرون إبنها بل من أجل نفسها فهي تحب السلطة والحكم وفِي سنوات نيرون الأولى في حكم روما كان لها الأمر من دونه ولكن نيرون حين إشتد عوده وإستمع لنصائح مستشاره نارسيس أبعد أمه عن الحكم وحين رأى تدخلها رغم ذلك في شئون الإمبراطورية أمر بألا تقابله لأنه يتأثر بكلامها حين يلتقي بها ثم أمر حراسا يلزمونها عدم مغادرة جناحها زيادة في التضييق عليها حين رآها تميل لزواج بريتانيكوس من جيني وترغب في إعادة سلطتها على الإمبراطورية الرومانية وكاد نيرون في إجتماع مع أمه أن يستجيب لنصائحها ويعود لخضوعه لسلطانها عليه فيصالح أخاه ويسمح له بالزواج من جيني ويسمح بأن يكون لها رأي في أمور الحكم ولكن نارسيس مستشاره يفسد عليها كل هذا فيحذره من إستمرار حياة بريتانيكوس ومن الخضوع لآراء أمه كما لو كان طفلا فيأمر نيرون بقتل بريتانيكوس وعند ذلك يتنبأ مستشاره بروس بأنه في طريقه لشرور كبيرة وأنه لم يعد نيرون الشاب الحالم كما كان في بداية حكمه لروما وتنتهي المسرحية نهاية مفتوحة فعندما علم نيرون بموت جيني غضب وشعر بعزلته وتألم كثيرا وتنتهي بهذا المسرحية على إعتبار أن ما حدث لنيرون بعد ذلك يعرفه المشاهدون من قراءتهم لكتب التاريخ فقد زاد شره حتى أنه أحرق روما وكان خلال حرقها يضحك ساخرا ومهما يكن الأمر فنهاية المسرحية غير مريحة وليست منبئة بشكل قوي بتحول شخصية نيرون لطاغية وعموما فإن صنعة راسين في تراجيدياته تتجلى بوضوح في هذه المسرحية ففيها حدث واحد وإن تفرعت عنه خيوط ترتبط به وشخصياتها شخصيات قليلة ولا يمكننا إخفاء بعض التشابه بين شخصية نيرون في هذه المسرحية وشخصية ماكبث في مسرحية ماكبث لشكسبير فالشخصان كلاهما كانا حالمين وادعين في بداية شبابهما ثم بإغراء من آخرين يَتفق مع مطامعهما تحولا لقاتلين لا يهمهما كثرة سفكهما للدماء ولكن شكسبير كان أكثر إقناعا من راسين في تصويره لتحول ماكبث لشخص قاتل شرير وأيضا نلاحظ بعض تشابه بين شخصية نارسيس في مسرحية بريتانيكوس وشخصية إياجو في مسرحية عطيل لشكسبير فهما شريران يصنعان ويحيكان المؤامرات ويشعلان الفتن ولكن كان إياجو أبرع في حيله من نارسيس وله مبررات يمكن تفهمها فيما يقوم به من مؤامرات عن شخصية نارسيس الذي لم نستوعب بشكل واضح أسباب هذا الشر الكبير الذي لديه وهناك ملحوظة أخيرة نذكرها وهو وجود تشابه كبير بين رسم راسين لشخصية أجربينا المرأة العاشقة للسلطة وشخصية الخيزران زوجة الخليفة العباسي المهدي التي كانت أيضا تعشق السلطة وإستطاعت أيضا أن تقتل إبنها الهادي كما ورد في كثير من الروايات لكونه حجبها عن مشاركتها في التدخل في شئون الحكم وحجر عليها وحين بويع بالخلافة إبنها هارون الرشيد بعد موت الهادي وكان ما يزال شابا في مقتبل عمره كان لها الحكم الفعلي في البلاد فكان الوزير يحيي بن خالد البرمكي يستشيرها في كل أمور الحكم وإستمر ذلك لمدة ثلاث سنوات حتى ماتت في شهر جمادى الآخرة عام 173 هجرية الموافق شهر نوفمبر عام 789م .

وفي عام 1677م عرض راسين مسرحيته فيدرا وهي تراجيديا مكونة من 5 فصول مكتوبة بأبيات من الشعر وتم عرضها بفندق البورجوني تحت عنوان فيدر وهيبوليتوس وتحت هذا العنوان أيضاً نشرت لأول مرة في نفس العام وهذه المسرحية مستوحاة من مسرحية الكاتب اليونانى يوربيدس غير أن الكاتب الفرنسى جان راسين هبط بالمسرحية من عالم الآلهة إلى الأرض ليرسم مسرحية إنسانية ذات طابع نسائي أكثر منها رجالى وإستحوذ تماماً على الموضوع القديم وأحدث فيه تحولات اساسية في الشكل وأيضا في المضمون مما جعل فيدرا لديه إمرأة معاصرة وبطلة تقاوم ما هو مرسوم لها بدلا من ان تخضع أمام ما شاءته لها الأقدار حيث أن فيدرا لدى راسين كما هي في الأساطير القديمة كلها زوجة الملك تيزيوس التي تعترف ذات يوم أمام مربيتها أوينون التي تلح عليها في السؤال حول الأسباب الحقيقية لمرضها ووهنها وإنشغال بالها بأن السبب الحقيقي هو ذلك الحب المحرم والمجرم الذي تحمله للشاب هيبوليتوس إبن زوجها من زوجته الأولى أنيتوب وتصارح فيدرا مربيتها بأن الحب لديها ولد خلال غياب زوجها وأنها ليست من إختار الوقوع في الهوى وكل ما في الأمر أنها تطيع قلبها وقدرها اللذين يدفعانها الى جريمة الحب المحرم غير أن الأمور سرعان ما تبدو أكثر سهولة إذ ترد الأخبار من خارج البلاد حيث سافر تيزيوس في حملة بأن الملك قد مات وهنا تنصح المربية فيدرا بأن تستدعي هيبوليتوس وتصارحه بحبها طالما ان العقبة الكأداء في وجه ذلك الحب قد زالت فتفعل فيدرا وهي كالمنومة مغناطيسيا لكن هيبوليتوس لا يستجيب أبدا لهوى زوجة أبيه ويقوم يصدها بإحتقار وغضب وبعد ذلك يعود تيزيوس ويتبين أن خبر موته كان غير صحيح وما أن تعلم المربية بذلك حتى يصيبها الهلع من أن يسرع هيبوليتوس بإخبار أبيه بمراودة فيدرا له عن نفسه وتطلب من الملكة الإذن بأن تتصرف بسرعة وإذ تأذن لها فيدرا بذلك تتوجه الى الملك لتخبره بأن إبنه الحبيب هيبوليتوس قد سعى الى إيقاع زوجة أبيه في حبائل حب محرم وإذ يدعو الأب غاضبا إبنه إلى مجابهته ينكر هذا كل ما روته المربية بل يزيد بأنه إنما يحب الأميرة الأثينية الحسناء آريسيا غير أن دفاع هيبوليتوس عن نفسه لا يقنع الأب فيدعو على إبنه بالحرمان ثم يطلب من الإله نبتون الذي كان وعده بتحقيق ثلاث أمنيات له بأن يقتص له من إبنه تحقيقا لواحدة من الأمنيات ويستجيب نبتون لذلك معاقبا الشاب وهنا تقرر فيدرا أن تفصح عن كل شئ حفظا للشاب وتكفيرا عن ذنبها لكنها حين تعلم أنه حدث أباه عن غرامه بالأميرة آريسيا تستبد بها غيرة مفاجئة وتقرر السكوت عن كل شئ تاركة هيبوليتوس لمصيره وهنا وفي هذا الصمت تكمن جريمة فيدرا الكبرى بحسب راسين وتكون النتيجة أن يحقق نبتون ما وعد به الملك الأب ويموت هيبوليتوس وأمام هول ما يحدث تتناول فيدرا السم طالبة الموت لكنها وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة تعترف أمام زوجها الملك بكل شئ فيفجع الملك أمام إعترافها ويقرر أن يكرم ذكرى إبنه البرئ عبر تبنيه حبيبته آريسيا وهكذا نجد أن فيدرا قد إنهزمت أخيرا في معركتها ويبدو الأمر في النهاية كما لو ان صراعها كله كان بدون جدوى لكن العبرة بالنسبة إلى راسين لم تكن في النهاية التي تؤول إليها الأحداث ولكن في الأبعاد السيكولوجية وفي السمات الأخلاقية التي حرص على إضفائها على تلك البطلة فالمهم لدى راسين أن فيدرا كانت تدرك حقا ما يحدث لها وتقاوم فهي تعرف أن عاطفتها في طريقها إلى أن تقودها نحو الدمار لذلك تسعى جاهدة إلى التصدي مدركة في الوقت نفسه أن ليس في يدها ان تحدث المعجزة لكن في يدها ان تحاول تخفيف هذه المأساة ومن هنا وعلى عكس ما كان يحدث في الصيغ الإغريقية القديمة للعمل نفسه لم يعد هيبوليتوس إبن زوجها محور العمل ولم يعد هو الضحية التي تسقط بسبب شذوذ عواطفها وأهوائها بل تصبح فيدرا هي الضحية حتى ولو كانت أهواؤها هي السبب فيما يحدث ذلك أن الصراع هنا داخلي بين فيدرا وعواطفها وبين وعيها وقدرها ومن هنا إعتبرت فيدرا مثالا لكثير من النساء اللواتي تفنن المبدعون في تصوير صراعاتهن الداخلية خلال القرنين التاليين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين وهذا بالطبع ما يجعل فيدرا كما صورها راسين إمرأة معاصرة وإمرأة مصارعة تنتصر في هزيمتها وذلك بكل بساطة لأنها تعي صراعها وتعيشه مع ذاتها وهنا بالنسبة الى راسين يكمن الأساس في إدراك حقيقة الصراع حتى وإن لم يؤد هذا الإدراك الى الأهداف المنشودة ومن ناحية الأحداث وتسلسلها والعلاقات بين الشخصيات لا تختلف فيدرا راسين عن المسرحيات القديمة التي كتبت حول الموضوع نفسه وما يختلف فقط هو التفسير وخصوصا الموقع الذي تحتله المرأة فيدرا نفسها في مجرى الأحداث وتوجهها حتى وإن كان راسين آثر أن يخفف من شأن تلك المقدمات التي كان همها ان تعيد فيدرا الى أصولها الأسطورية وأن تعيد الحكاية كلها الى تلك الأصول وإلى جذور الصراعات بين آلهة جبال الأوليمب وكان المهم بالنسبة الى راسين هو إضفاء أكبر قدر من البعد الإنساني على هذه المرأة التي أوقعها سوء طالعها في هوى إبن زوجها وراحت تسعى لكي تصارع ذاتها ضد ذلك الهوى لكن القدر يكون لها دائماً بالمرصاد حتى يودي بها الى النهاية.

وبعد فيدرا قل الإنتاج الفني والمسرحي لراسين حيث إنشغل بواجباته كمؤرخ ملكي حيث كان يرافق الملك لويس الرابع عشر في حملاته ليسجل الأحداث تسجيلاً دقيقا وفيما عدا ذلك كان يلزم داره شاغلاً نفسه بتربية ولديه وبناته الخمس وكان يود أحيانا وسط صخبهم وضجيجهم لو أنه كان راهبا وما كان ليكتب أي مسرحية أخرى لولا أن مدام دمانتون لجأت إليه في أن يكتب مسرحية دينية بريئة من كل ما يتصل بالغرام تمثلها الفتيات اللائى جمعتهن في أكاديمية سان سير وكانت أندروماك قد مثلت هناك من قبل ولكن دمانتون الفاضلة لاحظت أن الفتيات إستمتعن بالفقرات الغرامية الحارة ورغبة في ردهن إلى التقوى كتب راسين مسرحيته إستير وهي مكونة من 3 فصول ولم يكن قد إقتبس موضوعا من الكتاب المقدس من قبل ولكنه كان قد درسه سابقا وأحاط بكل التاريخ المدون في العهد القديم وقام هو نفسه بتدريب الفتيات على أدوارهن وتبرع الملك بمائة ألف فرنك لتوفير الملابس الفارسية المطلوبة فلما أخرجت في يوم 25 يناير عام 1689م كان لويس أحد الرجال القليلين الذين شاهدوها ومن ثم إشتد الطلب على مشاهدتها من الكهنة أولا ثم من الحاشية وعرضتها أكاديمية سان سير 12 مرة أخرى ولم تصل إستير إلى جماهير المتفرجين إلا عام 1721م بعد موت الملك بست سنين وعندها بعد أن فقد الدين الرعاية الملكية لم تلقَ إلا نجاحا متوسطا وبعدها وفي يوم 5 يناير عام 1691م أخرجت سان سير أحدث وآخر مسرحيات راسين وهي أتاليا وهي مكونة من 5 فصول وأتاليا هي ملكة شريرة ظلت سنوات تقود يهودا كثيرين إلى عبادة البعل الوثنية حتى عزلتها ثورة قام بها الكهان وجعل راسين من القصة مسرحية لا يشعر بقوتها غير أولئك الذين يشاهدونها وهم على علم بقصة الكتاب المقدس ويدفئ صدورهم الإيمان اليهودي أو المسيحي الأصيل أما غيرهم فسيجدون أحاديثها الطويلة وروحها القاتمة مثبطة لهم وقد بدا أن التمثيلية صفقت لإنتصار الكهنوت الكاثوليكي ولكنها من جهة أخرى حوت إنذار من رئيس الكهنة للملك الشاب في صورة تنديد قويً بالحكم المطلق ولم ير الملك لويس بهذه المسرحية بأسا وواصل إستقبال راسين في القصر الملكي رغم ما عرف عنه من تعاطف مع البور رويال ولكن في عام 1798م حجب الملك رضاءه عن راسين ذلك أنه بناءا على طلب مدام دمانتون وضع بياناً بألوان العذاب التي إبتلى بها الشعب الفرنسي في أواخر عهد الملك وفاجئها الملك وهي تقرأ الوثيقة وأخذها منها وإنتزع منها إسم كاتبها وأخذته ثورة الغضب وقال ألكونه شاعرا فحلاً يحسب أنه يعرف كل شئ ألا أنه شاعر كبير ويريد أن يكون وزيرا أيضاً أما دمانتون فقد أكدت لراسين وهي تفيض في الإعتذار له أن الزوبعة ستمر سريعاً ولقد مرت فعلا وما لبث راسين أن عاد إلى البلاط الملكي وإستقبل إستقبالا كريما وإن بدا له أقل حرارة من ذي قبل .

وفي العام الأخير من حياة راسين بدأ يشعر بآلام في بطنه وتبين أنه قد أصيب بخراجً في الكبد وأجريت له جراحة وخف ألمه فترة ولكنه لم يكن واهماً حين قال لقد أرسل الموت إلى كشف حسابه وجاء الناقد بوالو وراسين يشكو المرض ليلازم صديقه العليل وقال راسين إني مغتبط لأنه سمح لي أن أموت قبلك وكتب وصية بسيطة كان أهم فقرة فيها هذا الرجاء إلى البور رويال أود أن تحمل جثتي إلى البور رويال وأن ادفن في مقبرتها إنني بكل تواضع ألتمس من الأم الرئيسة والراهبات أن يمنحنني هذا الشرف وإن كنت عليماً بأنني لا أستحقه سواء لما شاب حياتي الماضية من مخازٍ أو لتقصيري في الإفادة من ذلك التعليم الممتاز الذي تلقيته من قبل في ذلك الدير وما رأيت فيه من مثل رائعة في التقوى والتوبة ولذا فأنا في أمس الحاجة لصلوات هذه الجماعة العظيمة الورعة ومات راسين في يوم 21 أبريل عام 1699م عن عمر يناهز 60 عاما وأجرى الملك معاشاً على أرملته وأبناءه حتى مات أخرهم ولا يفوتنا هنا أن نذكر أن فرنسا تضع راسين في صف أعظم شعرائها حيث مثل راسين أرقى ما وصلت إليه الدراما الكلاسيكية الحديثة من تطور حيث بلغت أشعاره قمة التركيز الذىً لا يبارى للوجدان والقوة من خلال عمل واحد يقع في مكان واحد ويكتمل في يوم واحد متجنبا تطفل الحبكات الثانوية وكل مزج بين المأساة والملهاة منقيا لغته من كل الألفاظ التي قد تعد نابية في الصالونات أو البلاط أو تكون محل إستنكار في الأكاديميات الفرنسية وكان هدفه دائما هو بلوغ أسلوب يعكس في الأدب حديث الأرستقراطية الفرنسية وعاداتها وقد حدت هذه القيود من مجال راسين وكانت كل درامة له قبل إستير على شاكلة سابقاتها وفي كل منها كانت العواطف واحدة ولم تنقطع شهرة راسين على مدى الزمن وما يزال مسرحياته تقدم بإستمرار في فرنسا وخارجها أيضا وبمنظور جديد كل مرة ويتنافس كبار الممثلين والممثلات على أداء أدوار مسرحياته وإلقاء المقاطع الشعرية التي تميز هذه النصوص لغوياً وتمنح الممثل فرصة كبيرة لإثبات قدراته وجدير بالذكر أن هذه مسرحية فيدرا قدمت في مصر عام 1886م وقدمتها شركة التياترو الوطنية لصاحبها سليمان القرداحي وكان بطل العرض الشيخ سلامة حجازي ثم منذ عدة سنوات قام المسرح القومي المصرى بإنتاجها مرة أخرى وقامت ببطولتها الممثلتان الكبيرتان سميحة أيوب الملقبة بسيدة المسرح وأمينة رزق وشاركهما البطولة الفنان القدير عبدالله غيث والفنان محمد العربي والفنان حسن عبد الحميد والفنانة فردوس عبد الحميد والفنانة تريز دميان وعلاوة علي ذلك فإن مسرحية فيدرا مقررة على جميع السنوات الدراسية في معاهد الفنون المسرحية على مستوى الوطن العربي وثمة كلمة أخيرة في هذا المقال ففي الواقع كانت حياة جان راسين مليئة بالتناقضات فقد كان معجبا جدا بالملك لويس الرابع عشر إلى درجة أنه أصبح مؤرخه الخاص والشاعر الذي يلهج بمدحه في قصائد رائعة ولكنه في ذات الوقت كان من أتباع أعدائه ولكن سرا كما كان راسين قد تربى على أيدي المسيحيين الأصوليين المتزمتين جدا والذين كانوا يكرهون فن المسرح ويعتبرونه رجس وحرام وعمل غير مشروع يأثم من يمتهنه لأنه خارج على الدين في نظرهم ولكن ذلك لم يمنعه من كتابة أروع المسرحيات الكبرى التي إشتهر بها وأوصلته إلى القمة ويفسر المؤرخون هذا التناقض بأن راسين قد إضطر إلى سلوك هذا الطريق المضاد للمبادئ الدينية التي تربى عليها وتعلمها لأنه لم يكن يملك وسيلة أخرى للوصول إلى ما يبتغيه فموهبته الشعرية والمسرحية كانت ضخمة ومسيطرة علي وجدانه وبالتالي فما كان قادرا على مقاومة إغراءاتها .
 
 
الصور :