بقلم الدكتور/ عمر محمد الشربف
لا تستهويني حفلات الزفاف في مصر، بداية من الزفة وانتهاءاً بأغنية سهر الليالي للفنانة فيروز، والحسنة الوحيدة التي أراها في تلك الحفلات هو تواجد "أم علي" على قائمة طعام البوفية، بحكم أني من أنصار الحلويات بأنواعها الشرقية والغربية، وما ظهر منها على وجه الأرض، وذات ليلة راودنى هذا السؤال البسيط، وأنا غارقاً في طبق الأم علي: لماذا سميت بأم علي؟!.
تعود بداية الحكاية إلى فتاة هامت على وجهها هرباً من زحف الغول، قادمة من بلاد العجم، ضاعت وسط غبار الحروب، وانتهى بها المطاف جارية في قصر ملك مصر الصالح نجم الدين الأيوبي (المتوفى٦٤٧هـ)، فاقت أترابها بحسنها وجمالها الفاتن وسرعة بديهتها، عُرفت بشجرة الدر، فصار الملك الصالح أسيراً لحبها.
دخلت شجرة الدر قلب سيدها ولم تخرج منه حتى توفي مريضاً في معسكره بالمنصورة، كان الملك يستعد لمواجهة غزو لويس التاسع ملك فرنسا والذي استولى على دمياط، فدبرت شجرة الدر أمور الدولة والجيش من بعده، واخفت خبر وفاة زوجها، وتصرفت بحنكة وذكاء سياسي في ذلك الوقت العصيب، فلك أن تتصور وقع الخبر على الجند وقادة الجيش.
واستدعت توران شاه وهو ولد الملك الصالح من زوجة أخرى، وسلمته السلطة ومقاليد الأمور، حتى نجحوا في دحر الغزو الفرنسي، فتم أسر لويس التاسع وكثيراً من جنده في دار إبراهيم ابن لقمان قاضي المنصورة.
رأى توران شاه أن المماليك قد عظم أمرهم، وأصبحوا خطراً على دولته الأيوبية، وبينما يفكر في طريقة للخلاص منهم، قتله المماليك شر قتله قرب فارسكور، لينفتح الباب على مصراعيه لشجرة الدر لتولي عرش السلطنة، فبايعها أمراء المماليك لتصبح أول امرأة تتولى الملك في الإسلام، فخطب لها على المنابر، وقبضت على زمام الحكم بيد من حديد ونقشت إسمها على النقود، فكتبت: "المستعصمية الصالحية، ملكة المسلمين، والدة المنصور خليل"، وكان المنصور خليل ابنها من الملك الصالح توفي في حياة أبيه، وينسب لها ابتكار الأحتفال بالمحمل الشريف لحظة خروجه إلى الحجاز.
لم تنعم شجرة الدر بحكم مصر، فأرسل الخليفة العباسي في بغداد برسالة تأنيب إلى أمراء المماليك يقول فيها: "إعلمونا إن كان ما بقي في مصر عندكم من الرجال من يصلح للسلطنة، فنحن نرسل إليكم من يصلح لها".
فعلت الرسالة مفعولها، واستجاب الأمراء الماليك لضغوط الخليفة العباسي، وبعد ٨٠ يوم من توليها عرش السلطنة تنازلت شجرة الدر عن عرشها، وفكرت في حل يمكنها من خلاله الاستمرار في الحكم، فقررت الزواج من الأمير عز الدين أيبك التركماني الصالحي، بعد أن اختارته بعناية من بين الأمراء المماليك لتحافظ على مكانتها، وطلبت منه أن يطلق زوجته "أم علي"، فقبل بذلك وتزوج شجرة الدر، كان جلوسه على العرش عام ٦٤٨هـ، وانتقل الحكم رسمياً من البيت الأيوبي إلى المماليك، وحكم مصر في عام واحدة أربعة حكام هم؛ الملك الصالح، توران شاه، شجرة الدر، وعز الدين أيبك.
أقدم عز الدين أيبك على خطوة جريئة، وأراد الزواج بطليقته "أم على"، ولم تتوقع شجرة الدر من أيبك تلك الخطوة، فخططت لقتله، وبينما كان أيبك يهم بالدخول إلى الحمام في مخدع شجرة الدر، تكالب عليه غلمان السلطانة بالسيوف، وساعدتهم في قتله بقبابها، ليلقى أول سلاطيين المماليك مصرعه.
لقيت شجرة الدر حتفها، بنفس السلاح الذي قتلت به زوجها، على يد ضرتها "أم علي"، فأمرت غلمانها وجواريها أن يضربنها بالقباقيب حتى ماتت، ثم ألقيت من فوق أسوار القلعة، كما احتفلت "أم علي" بقتل ضرتها بأن أعدت إناء كبيراً أطعمت منه المصريين، كان هذا الإناء يحتوي على لبن وسكر ومخبوزات ومكسرات، ومن هنا ظهرت أكلة "أم علي" المعروفة، ودخلت قائمة أطباق الحلوى المصرية.
وبعد ثلاثة أيام من إلقاء السلطانة شجرة الدر من فوق أسوار القلعة، تطوع البعض بجمع ما تبقى من رفاة شجرة الدر، ودفنوه في المقبرة التي أقامتها لنفسها بالقرب من ضريح السيدة نفيسة بالقاهرة المعزية، لتنتهي سيرة سلطانة لم تفلح عظمة الملك والسلطان في أن تنسيها أنها امرأة، فقتلتها الغيرة.
|