بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com
شارع عبد العزيز بوسط مدينة القاهرة يعد من أهم الشوارع التجارية في مصر حيث يفد إليه الآلاف كل يوم بسبب الشهرة التي إكتسبها منذ سنين في مجال تجارة الأجهزة الكهربائية وأضيف إليها بعد ذلك تجارة أجهزة التليفون المحمول الجديدة والمستعملة وكذلك مستلزماته ويقع هذا الشارع بين ميدان عابدين سابقا الجمهورية حاليا وبين ميدان العتبة ولايعلم أغلب زوار هذا الشارع تاريخه وأنه كان في الأصل المدفن الرئيسي لسكان القاهرة وعندما أرادت الدولة في عام 1870م في عهد الخديوى إسماعيل شق طريق يصل مابين ميدان عابدين الذى كان وقتها هو مقر قصر الحكم ومابين ميدان العتبة والذى تم تسميته ميدان العتبة الخضراء بعد ذلك نظرا لوجود قصر به خاص بالخديوى عباس حلمي الثاني كان مدخله يحمل اللون الأخضر ثم عاد له إسمه السابق ميدان العتبة فقط بعد إزالته كان الإسم الذى تمت به تسمية الشارع وتم إطلاقه عليه هو شارع عبد العزيز وذلك تكريما وتخليدا لإسم السلطان العثماني الثاني والثلاثون عبد العزيز خان الذى تولي الخلافة العثمانية بعد وفاة شقيقه السلطان عبد المجيد الأول يوم 25 يونيو عام 1861م وبلغت مدة خلافته حوالي 15 سنة حيث تم خلعه من الحكم بواسطة وزرائه وكبار رجال الدولة العثمانية في أواخر شهر مايو عام 1876م وتوفي بعد أيام قليلة وقيل إنه قد إنتحر وقيل إنه قد قتل وقد إمتاز عهده بغنى الدولة بالرجال وبكثير من الإصلاحات كما أن عهده كان عهد سلام مع جيرانه فلم تشارك الدولة العثمانية في أى حروب خارجية طوال مدة حكمه وقد كانت بينه وبين الخديوى إسماعيل علاقات ودية وقد دعاه لزيارة مصر في شهر أبريل عام 1863م بعد ثلاثة شهور فقط من توليه الحكم وأقام بالقاهرة والإسكندرية لمدة 10 أيام وقد إستطاع الخديوى إسماعيل أن يحصل منه علي 3 فرمانات متتابعة أولها في عام 1866م وثانيها في عام 1867م وثالثها في عام 1873م منحت مصر بعض الإستقلال الذاتي بعيدا عن سيطرة وسلطة الدولة العثمانية في الكثير من الأمور كما منحت الولاة المصريين لقب الخديوى وهي كلمة فارسية تعني السيد أو الأمير ولم يتلقب به إلا ولاة مصر فقط دون باقي الولاة العثمانيين في الولايات العثمانية الأخرى مثل الشام والحجاز.. وأخيرا جعلت ولاية العهد محصورة في ذرية الخديوى إسماعيل من بعده .
وأول ماتم إنشاؤه في هذا الشارع كان مسجد تم تسميته مسجد العظم حيث جمع الأهالي رفات وعظام موتاهم ووضعوها في المكان الذى تم بناء المسجد فيه كما أقاموا به مقاما لأحد الأولياء الذى كان مدفونا بالمنطقة إسمه العارف بالله عبد القادر الدسوقي شقيق الشيخ إبراهيم الدسوقي والموجود مقامه ومسجده في مدينة دسوق بمحافظة كفر الشيخ بدلتا مصر. وكان أول من سكن هذا الشارع بعض الأثرياء والأعيان وذلك نظرا لقربه من قصر الخديوى ومن معالم هذا الشارع دار سينما أوليمبيا والتي تعد أقدم دار سينما في مصر وفي الشرق الأوسط كله ويتعدى عمرها المائة عام وكانت الأرض التي بنيت عليها ملك لمحمد شريف باشا المعروف بإسم أبو الدستور المصرى والذى ترأس النظارة قبل تغيير إسمها إلى الوزارة عدة مرات في عهد الخديوى إسماعيل وفي عهد الخديوى توفيق من بعده ونظرا لحبه الشديد للشيخ سلامة حجازى الذى ذاع صيته كمطرب وملحن في ذلك الوقت فقد أهداه تلك الأرض لتكون مقرا لأول مسرح فني في مصر وفي عام 1904م كان المسرح الوحيد للتمثيل في القاهرة هو هذا المسرح الذى تمت تسميته التياترو المصري ومكانه شارع عبد العزيز وكان الشيخ سلامة حجازي هو مطرب الفرقة التي كان يملكها أحد رواد المسرح السورى في ذلك الوقت إسكندر فرح وصار تياترو شارع عبد العزيز ينتقل من يد ليد ما بين عروض مسرحية وأخرى سينمائية وكان آخرها فرقة تسمي فرقة أولاد عكاشة ولكن بعد إنتشار فن الرسوم المتحركة تحول هذا المسرح إلى سينما وتم عرض أول عرض سينمائي بها في يوم 10 أكتوبر عام 1907م ولكن ظلت أيضا تعرض بها العروض المسرحية وكان هذا الفيلم عبارة عن إسكتش يدور حول رسام عمل ساحرا فكان يرسم الصور على لوحة كبيرة ثم يقدم أعماله السحرية التي لم تتجاوز ألعاب الحاوي الأفرنجي ولما رأى إسكندر فرح الإقبال عظيما على السينما إستحضر فيلما ملونا أعجب المشاهدين الذين كانوا يأتون لمشاهدته أكثر من مشاهدة العرض المسرحي الأصلي الذي كان يعرض معه وكانت سينما أوليمبيا هى أول من أدخل الترجمة العربية على الشاشة وقد إخترعها المسيو ليوبولد فيوريللو الموظف بوزارة الأشغال العمومية بإستخدام ألواح زجاجية يظهرها الفانوس السحري الذى كان يمثل آلة العرض السينمائي حينذاك وقد تحدث نجيب محفوظ، أديب نوبل عن أثر سينما أوليمبيا قائلا إنه عرف الطريق إلى دور السينما القاهرية وأهمها سينما أوليمبيا وذكر أنه دخلها لأول مرة بصحبة أبيه وعندما ظهر القطار على الشاشة آتيا بسرعة رهيبة فصرخ فزعا وفي بداية الخمسينيات وبعد قيام ثورة يوليو عام 1952م تعرضت دار سينما أوليمبيا كما تعرض غيرها من المنشآت وخاصة الأميريكية في مصر لمحاولات إعتداءات من قبل بعض من أبناء الطائفة اليهودية في مصر الذين تم تجنيدهم ضمن شبكة عملاء مدربين تضم أعضاء من مصر ومن خارجها تعمل لحساب إسرائيل بغرض الوقيعة بين مصر والولايات المتحدة الأميريكية لكي تسوء العلاقات بينهما والتي تم ضبطها عام 1954م تلك العملية التي كان إسمها الرمزى في إسرائيل عملية سوزانا والتي عرفت في مصر بإسم فضيحة لافون وقد تم القبض علي جميع أفرادها من اليهود المصريين والذين إعترفوا إعترافات تفصيلية عن تلك الشبكة وحكم علي بعضهم بالإعدام والبعض الآخر بالسجن وكان هذا العمل من أوائل الأعمال التي قام بالكشف عنها جهاز المخابرات العامة المصرية الوليد بالإشتراك مع الشرطة المصرية والذى تم إنشاؤه في ذلك الوقت علي يد زكريا محيي الدين عضو مجلس قيادة الثورة وقد ظلت سينما أوليمبيا تعمل في عرض الأفلام السينمائية حتي وقت قريب إلي أن تم إغلاقها منذ عدة سنوات .
بدأ النشاط التجارى بهذا الشارع عندما أسس كل من ليون أوروزدى وهيرمان باك في القاهرة محل تجارى تم تسميته أوروزدى باك في عام 1856م وهما ضابط مجريان أسسا سلسلة محلات تحمل إسميهما تخطي عددها الثمانين فرعا في عواصم بلاد مختلفة عربية وأوروبية ومابين عام 1905م وعام 1906م تم إنشاء مقر جديد لهذا المتجر مكون من عدد 6 طوابق بشارع عبد العزيز عند تقاطعه مع شارع رشدى باشا صممه المهندس المعمارى راؤول براندن علي الطراز المعروف بإسم الباروك أو الروكوكو وبعد عدة سنوات وتحديدا في عام 1920م إشتراه ثرى مصرى يهودى بعد أن إضطر مالكاه المجريان الجنسية إلي بيعه وذلك نظرا لإضطهاد الإنجليز الذين كانوا يحتلون مصر آنذاك لكل ماهو مجرى أو نمساوى بسبب الحرب العالمية الأولي التي قامت مابين عام 1914م وعام 1918م وكان كل من المجر والنمسا في المعسكر المعادى لبريطانيا وقام المالك الجديد لهذا المتجر بتغيير إسمه إلي عمر أفندى والذى توسع بعد ذلك في تجارته وقام بإفتتاح سلسلة فروع في القاهرة والمحافظات المختلفة ومما يذكر أن هذا المبني كانت تخرج منه أنوار تضيء ليل القاهرة كإعلان عن وجود أوكازيون ليلفت أنظار الناس إلى المحل فيتوافدوا إليه أما عن سبب تسمية المتجر بعمر أفندى والذي أصبح فيما بعد من أشهر العلامات التجارية في الشرق الأوسط، والعالم فيرجح أنه كان نسبة إلي رجل يسمي عمر أرناؤوط وهو من أصول ألبانية كان يعمل في محلات أوروزدي باك حيث كانت مصر تستقبل حينذاك أعدادا كبيرة من الألبان في هذه الحقبة الزمنية وكان يعرف عنهم أمانتهم وصرامتهم وبراعتهم في تنفيذ الأعمال وبالتالي تبوءوا المواقع التنفيذية وعمل الكثير منهم نظَّار عزب كبار ملاك الأراضي الزراعية في مصر وقد سمي عمر أرناوؤط بالأفندي لأنه كان يرتدي ملابس الأفندية آنذاك أي البدلة والطربوش وكان محبوبا ومسوقا وبائعا مبدعا يجذب الزبائن ويتعامل معهم بلباقة ويقنعهم بشراء البضائع المعروضة بمحلات أوروزدى باك وبعد بيع المتجر في عام 1920م كان مالكه الجديد لا يقل دهاءا عن سابقيه إذ غير إسم المتجر إلى عمر أفندي من ناحية ليستغلوا العلاقة الوطيدة التي كونها عمر أفندي مع زبائن المتجر وقيل إنه دخل معهم في شراكة بالإسم التجاري ومن ناحية أخرى تفاديا للبطش الإنجليزي الذي كان يمقت أي شيء له علاقة بالمجر أو النمسا وقد تحول المتجر إلي شركة توسعت بشكل أكبر في جميع أنحاء مصر وإنتشرت فروعها في كل مدينة وبلدة كبيرة في مصر من شمالها إلى جنوبها ومن ثم هيمنت على تجارة البيع بالتجزئة وتميزت منتجاتها بالجودة العالية إذ كانت على أحدث الموضات العالمية وبأسعار معتدلة وكانت تلك بداية النشاط التجارى بشارع عبد العزيز ثم بعد فترة إنتشرت تجارة الأثاث في هذا الشارع وتم إفتتاح عدة محلات أصبحت بعد ذلك من أشهر محلات الأثاث المحلي والمستورد في مصر وكان زبائنها من طبقة الأغنياء والموسرين والقادرين وأصبحت تلك المتاجر قبلة جميع المقدمين علي الزواج وكان منها محلات السبلجي باشا والفرنواني باشا وعلي بك السمرى وكانت تجارة الأثاث هي الغالبة على متاجر شارع عبد العزيز حتى نهاية ثمانينيات القرن العشرين الماضي ومع بداية التسعينيات تغير الحال وأصبحت التجارة الغالبة في الشارع هي تجارة الأجهزة الكهربائية ومع نهاية التسعينيات دخلت تجارة أجهزة التليفون المحمول ومستلزماتها إلى جانب تجارة الأجهزة الكهربائية وتكاد تكون هي التجارة السائدة والغالبة بالشارع في الوقت الحالي وجدير بالذكر أنه قد تم تأميم تلك الشركشركة محلات عمر أفندى عام 1957م في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وتحولت شركة محلات عمر أفندى إلي شركة مساهمة مصرية تتبع الشركة القابضة للتجارة .
|