الجمعة, 17 أبريل 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

جامع خالد بن الوليد بحمص/5

جامع خالد بن الوليد بحمص/5
عدد : 06-2018
بقلم المهندس / طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com


وفي الشام شارك خالد بن الوليد في العديد من المعارك كان قائدا لبعضها وجنديا في البعض الآخر تحت قيادة سيدنا أبي عبيدة بن الجراح والذى كان يعتمد عليه ويعرف قدره ومدى حنكته وتميزه في ميادين القتال وكان من هذه المعارك معركة إجنادين وفتح دمشق والتي أبلي فيها أعظم البلاء بعد حصار دام حوالي شهرين عندما تسلق أسوارها هو والقعقاع بن عمرو ومذعور بن عدى منتهزا فرصة إنشغال حامية السور بحفل ميلاد إبن بطريرك المدينة وتمكنوا من فتح أبوابها أمام المسلمين علاوة علي فتح قنسرين في أقصي شمال الشام وغيرها وبلا شك كانت أهم معارك الشام معركة اليرموك حيث كان هرقل إمبراطور الروم قد حشد جيشا ضخما من مختلف الولايات البيزنطية منهم فرقة من العرب المسيحيين تقدر بحوالي 12 ألف من الغساسنة ولخم وجذام بِقيادة جبلة بن الأيهم وفرقة من أرمينية تضم أيضا 12 ألف جندى بقيادة جرجة بن توذار وكتب إلى روما عاصمة الإمبراطورية الرومانية الغربية يطلب نجدة عاجلة تساعده على التخلص من موقفه العصيب وكان ذلك في الواقع رغبةً منهُ في تحقيق إنتصارٍ حاسم على المسلمين يعيد إليه هيبته وإلى الإمبراطورية مكانتها وإجلاء أعدائها عن الشام وإستردادها ونزل الروم بين دير أيوب واليرموك وكانوا بِقيادة تذارق كما يسميه العرب أو ثُيودور شقيق هرقل يساعده القائد الأرمني ماهان وعلم أبو عبيدة بن الجراح الذى تولي قيادة جيوش الشام بدلا من خالد بن الوليد حيث كان قد توفي الخليفة أبو بكر الصديق في هذه الأثناء وتولي عمر بن الخطاب الخلافة وقام بعزل خالد من القيادة العامة لجيوش المسلمين في الشام وعين أبو عبيدة بن الجراح بدلا منه بواسطة الجواسيس التي بثَّها بين البيزنطيين بهذا الحشد الضخم فتشاور مع قادته وتقرر أن يغادر المسلمون حمص إلى حدود شبه الجزيرة العربية وأرسل إلي الخليفة عمر بن الخطاب في المدينة المنورة يخبره بذلك فأمده بِقوة عسكرية جديدة بِقيادة سعيد بن عامر الجمحي وعقد قادة جيوش المسلمين إجتماعا قرروا فيه الصمود والمقاومة على أرض الشام وفوض أبو عبيدة في هذه الأثناء سلطاته إلى خالد حيث أنه كان أقدر القادة على تحمل مسؤوليات المهمات الصعبة ووصل المسلمون إلى سهل نهر اليرموك فوجدوا البيزنطيين قد سبقوهم إليه فنزلوا عليهم بحذائهم وعلى طريقهم إذ ليس للبيزنطيين طريق إلا عليهم وبلغت قُوة المسلمين ما بين ستة وثلاثين ألفا إلى أربعين ألفًا مقسمة على أربعة ألوية على رأس كل منها أمير .

وعندما تواجه الجمعان في سهل فسيح شمال اليرموك يعرف بإسم الواقوصة أدرك خالد بن الوليد أهمية هذه المعركة الفاصلة في حرب الشام وأظهر حنكةً عسكرية عبر محاولته توحيد الألوية الأربعة تحت قيادة واحدة فخطب في الأُمراء داعيا إياههم إلى توحيد إمارة الجيش تحت قيادته لأن هذه المعركة إما أنها ستفتح على المسلمين أبواب الشام على مصراعيها أو لن يفلحوا بعدها أبدا إن هزموا لا قدر الله وهكذا ولى أُمراء الألوية الأربعة عليهم خالد بن الوليد في ذلك اليوم وهم يدركون أن المعركة ستستمر أياما وليالي وهنا أعاد خالد تنظيم الجيش بعد توليه القيادة وقد وجد أن أنسب تشكيل قتالي يخوض به هذه المعركة هو الكراديس مع إنشاء وحدة خيالة متنقلة سريعة تكون مهمتها دعم أى قسم من الجيش يحدث به تراجع تحت ضغط جيش الروم مع تكوين وحدة خيالة إحتياطية للتدخل في القتال عند الحاجة ومن ثم جعل ربع جيش المسلمين من الخيالة وكانوا حوالي 10 آلاف فارس وقسم الجيش إلى كراديس أي كتيبة من المشاة وزعت على أربعة ألوية مشاة وكان قادة الأرباع أبو عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وعلى الميمنة معاذ بن جبل وعلى الميسرة نفاثة بن أسامة الكناني وعلى الرجالة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص وتولي هو قيادة فرقة الخيالة المتحركة بنفسه وكان ضرار بن الأزور ينوب عنه في قيادة هذه الوحدة المتنقلة في حال إنشغال خالد في الأعمال القتالية في المعركة كما كلف خالد قيس بن هبيرة بقيادة فرقة الخيالة التي تلعب دور الوحدات الإحتياطية للتدخل في حال أي تراجع ممكن للألوية الإسلامية وتشكل كل لواء منهم من تسعة سرايا كانت منظمة على أساس التجمع القبلي أو العشائري بحيث يقاتل كل واحد إلى جانب أخيه المسلم من عشيرته أو قبيلته وكان من أمراء الكراديس يومئذ مذعور بن عدي العجلي البكري وعياض بن غنم الفهري القرشي وسهيل بن عمرو العامري القرشي وعكرمة بن أبي جهل المخزومي القرشي وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي القرشي وحبيب بن مسلمة الفهري القرشي وصفوان بن أمية الجمحي القرشي وسعيد بن خالد بن العاص الأموي القرشي وعبد الله بن قيس والزبير بن العوام الأسدي القرشي وجعل خالد لكل لواء مجموعة من الإستطلاع بحيث يتم مراقبة أرض المعركة كاملة وكان خط الجبهة يمتد على طول 18 كيلومترا بحيث يتجه المسلمون غربا في مواجهة الروم وكان إلى الجنوب إلى يمين الجيش الرومي يمر نهر اليرموك وشمالا على بعد أميال بإتجاه الجنوب الغربي هناك طرف وادي يسمي وادى الرقاد .

وقد دامت معركة اليرموك ستة أيام كان المسلمون فيها يردون هجمات الروم في الأربعة أيام الأولي من المعركة حيث كان خالد بن الوليد يستخدم وحدة الخيالة المتحركة السريعة التي يقودها بنفسه ليتحرك بسرعة خاطفة من مكان إلى آخر حيث يكون جيش المسلمين في تراجع تحت ضغط الروم ويعود كل من الجانبين في نهاية النهار إلى صفوفه الأولية قبل القتال أو إلى معسكراته وكانت خسائر الروم خلال هذه الأيام أكبر من خسائر جيش المسلمين وفي اليوم الخامس لم يحدث الشيء الكثير بعد رفض خالد هدنة ثلاثة أيام التي عرضها الروم بقوله المشهور لرسول الروم نحن مستعجلون لإنهاء عملنا هذا وفي اليوم السادس تحولت إستراتيجية خالد من الدفاع إلى الهجوم وتمكن بعبقريته الفذة من شن الهجوم المجازف المباغت على الروم وإستخدام الأسلوب العسكري الفريد من نوعه آنذاك وهو الإستفادة الصحيحة من إمكانيات وحدة الفرسان سريعة التنقل ليحول الهزيمة الموشكة للمسلمين إلى نصر مؤزر لهم وتعالوا بنا نستعرض أحداث هذه الأيام الستة ففي اليوم الأول وكان يوم 15 أغسطس عام 636م ومع حلول الفجر إصطف كلا الجيشين للقتال يفصلهما أقل من ميل واحد وقبل أن يبدأ القتال في هذا اليوم إتجه جرجة القائد في فرقة الوسط الأيمن في الجيش البيزنطي إلى جيش المسلمين ودخل في الإسلام وقتل شهيدا في نفس اليوم محاربا إلى جانب المسلمين وكانت البداية بإرسال البيزنطيين أبطالهم مع المبارزين المسلمين في قتال ثنائي وكان المبارزون المسلمون مدربين بشكل خاص على السيوف والرماح لقتل أكبر عدد ممكن من قادة العدو من أجل تثبيط عزيمتهم وفي منتصف النهار وبعد خسارة عدد من القادة في القتال الثنائي أمر ماهان بهجوم محدود من ثلث قوات جيشه من المشاة لكي يمكنه تقدير قوة المسلمين وإذا ما أمكنه إحداث ثغرة في أي منطقة ضعيفة في صفوف المسلمين لكي يقوم الروم بالضغط عليها وإحداث أكبر قدر من الخسائر بها مما سيكون له أثر سئ علي معنويات المسلمين وقد إفتقد الهجوم البيزنطي إلى الإصرار حيث لم يكن الكثير من جنود الجيش الإمبراطوري معتادين على القتال ولم يتمكنوا من ممارسة الضغط على الجنود المسلمين المحنكين وكان القتال بصورة عامة متوازن ومتكافئ بالرغم من أنه في بعض الأماكن كان شديدا ولم يقم ماهان بدعم مشاته المتقدمين بالفرسان وبحلول الغروب كسر كلا الجيشين خطوط التماس بينهما وعاد كل منهما إلي مخيمه إستعدادا للقتال في اليوم التالي .

وفي اليوم الثاني قرر ماهان شن الهجوم المباغت علي جيش المسلمين عند الفجر علي أساس أن جيش المسلمين سيكون غير مستعد في هذا التوقيت لكن خالد كان قد وضع نقاطا دفاعية قوية متقدمة خلال الليل سرا مما أفقد عنصر المفاجأة التي كان يخطط لها البيزنطيون ودارت المعركة وتراجع كل من جانبي الجيش المسلم الميمنة والميسرة فتدخل خالد بفرقته السريعة التنقل مرة في الميمنة ليوقف تقدم الروم وبعدها في الميسرة وقسم خالد هنا وحدته المتنقلة السريعة ليرسل قسما منها بقيادة ضرار بن الأزور إلى قلب جيش الروم من الجهة اليمنى له حيث تمكن ضرار في هذا الهجوم من قتل القائد البيزنطي دريجان رغم أن ألفين من الفرسان الروم البيزنطيين كانوا حوله وفي حراسته وقد ترك مقتل دريجان وفشل خطة ماهان الأثر المدمر على نفسية المقاتلين الروم بينما كان لنجاح خالد بصد الهجوم الأثر الأقوى لتعزيز معنويات الجند المسلمين وفي هذا اليوم وبعد أحداث اليوم السابق ومقتل دريجان أحد كبار قادة الروم تركز في هذا اليوم هجوم الروم على نقطة محددة لفصل الجيش الإسلامي وهي النقطة بين الميمنة التي كانت تحت قيادة عمرو بن العاص يقابله أحد قادة الروم وإسمه قناطر وقلب الجيش الإسلامي من الجانب الأيمن تحت قيادة شرحبيل بن حسنة يقابله ماهان وبدأ الهجوم على لواء عمرو بن العاص الذي إستطاع في البداية الصمود قبل أن يلعب التفوق العددي للروم دوره ليتراجع جنود عمرو بن العاص إلى الوراء بإتجاه معسكرهم كما بدأ جنود شرحبيل في اللواء المجاور بالتراجع وهنا تدخلت سرايا خيالة المسلمين لصد الهجوم بالإلتفاف عن يسار الروم أي من الطرف الشمالي لكل لواء وبعدها تدخل خالد مجددا بمجموعته سريعة التنقل ليهاجم جند ماهان المتقدمين ضد لواء شرحبيل وتم صد الهجوم وتراجع الروم إلى أماكنهم الأصلية كما كانت قبل بداية المعركة في صباح هذا اليوم وجاء المساء لينتهي هذا اليوم بلا حسم للمعركة .


وفي اليوم الرابع تم صد هجوم مماثل على الجهة نفسها بسبب إنهاكها في اليوم السابق كما فكر وخطط ماهان فقد تراجع شرحبيل أمام جيش الأرمن المدعم بشكل قوي من الخيالة العرب المسيحيين بقيادة جبلة بن الأيهم كما تراجع عمرو بن العاص أمام جيش قناطر وتعرض شرحبيل للضغط الشديد وبدأت علامات الإنهاك والإجهاد على جنده وقبل أن يتدخل خالد بفرقته السريعة التنقل ليشارك برد الزحف الرومي أمر أبا عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان ببدء الهجوم على الجيش لإشغاله في القطاعين المقابلين لهما القسم الأيمن من القلب والميمنة الرومية وعدم تمكينهم من القيام بالهجوم الشامل وتمكن خالد بن الوليد من القيام بمناورات ذكية أدت إلى تراجع الأرمن ودام ذلك طوال بعد الظهر وبعد فقدان الدعم الأرمني تراجع كذلك قناطر ليعود الجميع إلى أماكنهم وعلى الجانب الآخر إستعر قتال الروم مع جيشي أبي عبيدة بن الجراح ويزيد وتعرض الجند المسلمين إلى رمي عنيف بالنبال أدى إلى فقدان الكثير لإحدى العينين نتيجة إصاباتهم في عيونهم منهم أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة الثقفي وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص والأشعث بن قيس وعمرو بن معد يكرب الزبيدى وقيس بن المكشوح والأشتر النخعي وسمي ذلك اليوم بيوم خسارة العيون وتراجع الجيشان المسلمان جيش أبي عبيدة وجيش يزيد إلى الخلف ولاحت بوادر هزيمة المسلمين ولكن عكرمة بن أبي جهل نادي المجاهدين للقسم على النصر أو الشهادة فلبى نداءه 400 من المقاتلين المجاهدين وقاتلوا محاولين وقف الروم وبالفعل أوقفوا زحف الروم بعد إستشهادهم جميعا ولكنهم قتلوا عددا أكبر بكثير من 400 مقاتل بيزنطي وأصيب عكرمة وإبنه عمرو إصابة مميتة في هذه الوقعة وعرف عكرمة بنجاح المسلمين بصد الهجوم وحمد الله قبل أن يموت متأثرا بجراحه ليحل الظلام وينتهي ذلك اليوم.


وفي اليوم الخامس رفض خالد عرضا لماهان بوقف القتال بضعة أيام وعرف خالد بن الوليد أن عزيمة الروم على القتال لم تعد كالسابق وكان المسلمون حتى الآن قد إتخذوا إستراتيجية دفاعية في الأعمال القتالية فقرر الآن خالد التحول إلى الهجوم وأجرى تغييرات على وحدة الخيالة فحولها إلي وحدة قتالية موحدة وجعل وحدته السريعة في قلبها وقرر خالد إستخدام هذه الوحدة الجديدة لمهاجمة الفرسان الروم بغرض عزلهم عن مشاتهم بحيث يصبح المشاة الذين يشكلون نواة الجيوش البيزنطية دون أي حماية من الفرسان تقيهم من الهجمات الجانبية والخلفية وفي نفس الوقت خطط لشن هجوم على الميسرة البيزنطية لردها بإتجاه الجرف إلى الغرب .

وجاء اليوم السادس الحاسم فبينما بدأت ميسرة جيش المسلمين بقيادة يزيد بن أبي سفيان والقسم الأيسر من القلب بقيادة أبي عبيدة بن الجراح بالقتال على جبهتيهما هاجم خالد بوحدة الخيالة الموحدة الميمنة البيزنطية وفي الوقت نفسه شطر قِسما من مجموعة الخيالة لمهاجمة الطرف الأيسر من الميسرة البيزنطية بينما قام عمرو بن العاص قائد الميمنة في الوقت نفسه بشن الهجوم على الميسرة الرومية البيزنطية التي كانت بقيادة قناطر وقد صمدت الميسرة البيزنطية بقيادة قناطر أمام الهجومين من الأمام ومن اليسار ولكن بفقدان الدعم من فرق الخيالة البيزنطيين الذين إنشغلوا بصد هجوم فرسان المسلمين تراجعت قوات قناطر بإتجاه القسم الأيسر من قلب الجيش الرومي حيث يقاتل الأرمن بقيادة ماهان وبعد رؤية هذا التحول إستغل عمرو بن العاص قائد الميمنة الإسلامية تلك اللحظات ليشن هجوما مباغتا على الجانب الأيسر من قلب جيش الروم من جهته اليسرى فأصاب القسم الأيسر من قلب الجيش البيزنطي إختلال في التوازن بسبب الجنود المتراجعين وفي الوقت نفسه شدد شرحبيل بن حسنة قائد القسم الأيمن من قلب الجيش الإسلامي من هجومه على القلب البيزنطي من الأمام وهنا تقهقر الجناح الأيسر للجيش البيزنطي وراح المسلمون يستغلون ذلك ويتابعون تقدمهم وأوعز خالد للفرسان بترك القتال الرئيسي الدائر والعودة إلى الوحدة الرئيسية لعزل الخيالة البيزنطيين عن مشاتهم وإبعادهم عن الجيش البيزنطي بشكل كامل بإتجاه الشمال وعندما رأى ماهان ذلك دعا كافة الخيالة الروم للتجمع خلف قلب الجيش البيزنطي لتنظيم هجوم معاكس ضد الخيالة المسلمين ولكن ماهان لم يكن سريعا بالشكل الكافي فقد تقدم خالد سريعا لمهاجمة الخيالة أثناء تجمعهم وذلك من الجهتين الأمامية والجانبية بينما كانوا في مناورات التحضير للهجوم المعاكس وكان الفرسان المسلمين المسلحين بشكل خفيف مؤهلين أكثر بل متفوقين من حيث سرعة التحرك والمناورة حيث كانوا يستطيعون الهجوم والتراجع بسرعة والعودة للهجوم مرة أخرى وسارع الخيالة البيزنطيون إلى الهرب بإتجاه الشمال في حالة من الفوضى والعشوائية تاركين المشاة لمصيرهم وكان بينهم كذلك قوات جبلة الراكبة حيث تفرقت بإتجاه دمشق وبعد تشتت فرق الخيالة البيزنطيين تحول خالد إلى نواة جيش الروم البيزنطيين الأرمن بقيادة ماهان لمهاجمتهم من الخلف وكان الأرمن من المقاتلين الأشداء الذين كانوا على وشك النصر على المسلمين قبل يومين عندما قاموا بإختراق جيش المسلمين ولكن تحت ضغط الهجمات من إتجاهات ثلاثة في آن واحد فرقة الخيالة بقيادة خالد من جهة الخلف وجنود عمرو من اليسار وجنود شرحبيل من الأمام وبدون دعم من الفرسان الروم إضافة إلى الإختلال الذي أحدثته في صفوفهم جنود قناطر المتراجعة فلم يكن للأرمن أي فرصة بالصمود فهزموا شر هزيمة .

وبهزيمة الأرمن هزمت كافة الجيوش البيزنطية فتشتت البعض بشكل عشوائي مرعوبين والبعض تراجع بإنتظام بإتجاه الغرب نحو وادي الرقاد ولكن عندما وصلت قوات البيزنطيين إلى المعبر الضيق على نهر اليرموك كانت مجموعة من فرسان المسلمين بقيادة ضرار بن الأزور بإنتظارهم كجزء من خطة خالد الذي كان قد أرسل في الليلة السابقة سرية من الخيالة تقدر بحوالي 500 رجل لسد المعبر الضيق الذي يبلغ عرضه 500 متر فقط وفي الحقيقة فقد كان هذا الطريق هو الذي كان يرغب خالد بن الوليد للروم أن يسلكوه في تراجعهم في حال نجحت خطته وفي هذا الوقت أخذ جنود المشاة المسلمون يتقدمون من الشرق وفرسان خالد بن الوليد يتقدمون من جهة الشمال ليصلوا إلى وحدة خيالة المسلمين التي تراقب المعبر الضيق من جهته الغربية وإلى الجنوب كان هناك الجرف العميق التابع لنهر اليرموك والتي تراجعت إليه القوات البيزنطية وبدأ الإنحصار والمرحلة النهائية من المعركة عندما إندحر القسم الأكبر من القوات البيزنطية بإتجاه الجرف تحت تأثير القتال من جهة الأمام بينما كانوا يتراجعون بإتجاه المركز نتيجة الهجوم من الجانب حيث نجم عن ذلك إختلال التوازن تماما في جيش الروم وكان نتيجة ذلك أن فقد الجيش البيزنطي المتحالف كل فرص النصر أو حتي التراجع المنظم ووصل إلى النقطة التي يتجنبها كل القواد العسكريين وهي أن تتفرق قواتهم بشكل عشوائي وتصبح وحداتهم عبارة عن حطام فقد إنحصر الجيش البيزنطي بشكل لم يعد يستطيع فيه الجنود إستخدام سلاحهم بشكل طبيعي ولذلك فقد هزموا بسرعة محاولين إيجاد طريق للهرب عبر الجرف دون جدوى فهوى بعضهم في الجرف بينما سقط الآخرون قتلى أو أسروا لتنتهي بذلك معركة اليرموك بنصر ساحق علي الروم ولاحظ المسلمون عدم وجود خالد بن الوليد مساء هذا اليوم في معسكرهم بعد إحراز النصر وإنتهاء المعركة ولم يشاهد إلا في مساء اليوم التالي حيث كان قد تابع وفريقه فلول ماهان المتجهة إلى دمشق وإشتبك معهم ليقتل ماهان على يد أحد المقاتلين المسلمين فقد قطع رأسه وصرخ والله لقد قتلت ماهان وكانت العادة السائدة آنذاك أن المعركة تنتهي بهرب الجيش المنكسر ولذلك فكان آخر ما توقعه ماهان وجنوده المنهزمون هو متابعة خالد لهم والذى كان دائما يطارد فلول الجند المنهزمين في أى معركة حيث يكونون في أضعف حالاتهم ومن ثم تكون خسائرهم عالية مما يفقد أعدائه روحهم المعنوية من ناحية كما أنه كان يدرك أن هؤلاء الفارين سيتم تجميعهم مرة أخرى وحشدهم ضد جيوش المسلمين وقد حظا حظوه جميع قادة المسلمين الذين قادوا المعارك بعد اليرموك مثل المثني بن حارثة الشيباني وسعد بن أبي وقاص وعياض بن غنم الفهرى والنعمان بن المقرن المزني وغيرهم ونستطيع في هذا المقام أن نقول إنه كان حقا مدرسة تخرج منها الكثيرون حتي الذين تربوا من الناحية العسكرية بعيدا عنه لكن بلا شك أنهم عندما زاملوه وقاتلوا معه جنبا إلي جنب قد أضاف ذلك إلي خبراتهم وتجاربهم وكان أولهم القعقاع بن عمرو التميمي وعاصم بن عمرو التميمي والمثني بن حارثة الشيباني والمعني بن حارثة الشيباني وغيرهم .

وكانت معركة اليرموك بحق من أعظم المعارك الإسلامية وأبعدها أثرا في حركة الفتح الإسلامي فقد لقي جيش الروم أقوى جيوش العالم يومئذ هزيمة قاسية وفقد زهرة جنده وقد أدرك هرقل الذي كان في حمص في ذلك الوقت حجم الكارثة التي حلت به وبدولته فغادر سوريا نهائيا وقلبه ينفطر حزنا وهو يقول سلام عليك ياسوريا سلام لا لقاء بعده وقد ترتب على هذا النصر العظيم أن إستقر المسلمون في بلاد الشام وإستكملوا فتح مدنه جميعا ثم واصلوا مسيرة الفتح إلى الشمال الأفريقي ومن باب تقييم هذه المعركة فيمكن النظر إلىها كمثال في التاريخ العسكري عندما تستطيع قوة عسكرية صغيرة تحت قيادة حكيمة محنكة التغلب على قوة عسكرية تفوقها عددا وعدة كما أن قادة الروم قد سمحوا لعدوهم بإختيار أرض المعركة التي يريدها وحتى ذلك الحين لم يكن لديهم ضعف تكتيكي كبير إلا أن عبقرى الحرب خالد بن الوليد أدرك منذ البداية بأنه أمام قوة كبيرة جدا وحتى اليوم الأخير من المعركة أدار خطة دفاعية فعالة ملائمة لإمكانياته البشرية المحدودة نسبيا وعندما قرر الهجوم في اليوم الأخير من المعركة فقد قام بذلك معتمدا علي درجة من التخيل وبعد النظر والشجاعة الأمر الذي لم يتصوره أي من القادة البيزنطيين وبالرغم من أنه قاد قوة صغيرة عدديا وكان بأمس الحاجة إلى كل الرجال الذين يمكن جمعهم فقد كانت لديه الجرأة وبعد النظر لشطر فرقة من خيالته في الليلة التي سبقت هجومه لتأمين الطريق الحيوي الذى يريد أن يسلكه الروم في إنسحابهم لكي يقعوا في هاوية الواقوصة وحقا فقد كان خالد بن الوليد واحدا من أجود وأبرع وأمهر قادة الفرسان في التاريخ وتفوق علي الإسكندر الأكبر وهانيبال كما كان من أبرع القواد في حروب الصحراء ويقول ثعلب الصحراء القائد الألماني الفذ إرفين روميل إن أستاذه في حروب الصحراء هو خالد بن الوليد حيث أظهر إستخدامه للقوة الراكبة طوال المعركة مدى فهمه لإمكانيات وقوة جنود الفرسان حيث قامت فرقة خيالته المتحركة بتحركات سريعة من نقطة إلى أخرى محولةً دائما مجرى الأحداث في المكان الذي تقدم عليه ثم تعدو بسرعة إلى مكان آخر من أرض المعركة لتغير بشكل فعال المسار الذي تذهب إليه المعركة وهكذا كما أن ماهان ولا قادته العسكريين تعاملوا أبدا بشكل فعال مع قوة الفرسان حيث لم تلعب فرق خيالتهم أي دور مهم في المعركة بل حفظت كقوة إحتياطية ساكنة معظم أيام المعركة ولم يدفع البيزنطيون أبدا بهجوم حاسم حتى عندما حققوا ما كان ممكن أن يكون إختراقا حاسما لصفوف المسلمين في اليوم الرابع من المعركة قد فشلوا في إستغلاله وقد ظهر جليا إفتقاد جميع القادة البيزنطيين القدرة على إيجاد الحلول ويعود السبب في ذلك إلى الخلافات الداخلية فيما بينهم والتي أوجدث صعوبات في القدرة على قيادة الجيش وأكثر من ذلك فإن كثير من جنود القوات العربية المسيحية المساندة في الجيش البيزنطي كانوا قد جندوا كعمل بديل عن دفع الضرائب بينما كان الجيش العربي الإسلامي مكونا في الجزء الأكبر منه من مقاتلين شجعان متمرسين جيدى التدريب ويجيدون إستخدام أسلحة عصرهم .


وفي النهاية يجدر بنا أن نذكر لحظة وفاة هذا البطل الفذ من أبطال الإسلام سيدنا خالد بن الوليد وكان يقيم في حمص في السنوات الأربعة الأخيرة من حياته ثم قُبضت روحه وهو على فراشه فكانت وفاته وفاة طبيعية وهو من كان يتمني الشهادة في سبيل الله وقد تم دفنه في حمص وكان ذلك في شهر رمضان من عام واحد وعشرين للهجرة وقد ورد عنه أنه قال قبل وفاته لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في بدني موضع شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح وها أنا ذا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء قاصدا أنه لماذا يجبن الناس في ميادين القتال علما بأن آجالهم محددة وأعمارهم بيد الله وقد حزن المسلمون على موته وقال عمر بن الخطاب لما سمع النساء يبكينه على مثله تبكي البواكي وقد كان له من الأولاد أربعين ماتوا جميعهم في طاعون عمواس الذى ضرب بلاد الشام في عام 18 هجرية وتوفي خلاله الكثير من الصحابة منهم أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل ولم ينج منه إلا إثنين من أبنائه هما المهاجر وعبد الرحمن وقد جاءت بعض الأقوال التي تفيد بأن حكمة الله عز وجل قضت أن لا يستشهد خالد بن الوليد في أية معركة فالرسول صلي الله عليه وسلم سماه سيف الله المسلول ومن ثم لا يمكن قتله من قبل أعداء الله عز وجل فمن ذا الذى يستطيع قتل سيف الله وكلمة أخيرة لابد من ذكرها هنا وهي أن بطلنا خالد بن الوليد قد أثبت التاريخ أنه لم يتخذ أى قرار خلال معاركه الحربية وأصابه الخطأ وهو الذى كان يتعرض في كل يوم بل في كل ساعة لموقف يستوجب أن يتخذ فيه قرارا علي وجه السرعة وقد أدى ذلك إلي أنه قد نما لديه تدريجيا الشعور بحرية التصرف وإتخاذ القرار دون إستئذان الخليفة فنجده قد إنصرف للحج بعد معركة الفراض والتي كانت في شهر ذى القعدة عام 12 هجرية بدون أن يستئذن سيدنا أبي بكر الصديق وقد إنتقد البعض هذا التصرف منه ولكن خالد وهو يفعل ذلك كان علي ثقة أن وراءه رجال قد إكتسبوا الحنكة والخبرة وتعلموا منه الكثير واصقلتهم التجارب وأصبح كل منهم مؤهلا للقيادة وكان علي ثقة تامة أنهم سيحسنون التصرف في غيابه لو تعرضوا لموقف مفاجئ يستوجب إتخاذ قرار سريع كان منهم القعقاع بن عمرو التميمي نائبه والذى يقول عنه سيدنا أبو بكر إنه بألف رجل وشقيقه عاصم بن عمرو التميمي وضرار بن الأزور الأسدى وضرار بن الخطاب الفهرى وعياض بن غنم الفهرى وضرار بن المقرن المزني والمثني بن حارثة الشيباني وشقيقه المعني بن حارثة الشيباني وعدى بن حاتم الطائي وبسر بن أبي رهم الجهني وسعيد بن مرة العجلي قائدا جناحي كمين الولجة ودليله رافع بن عميرة الطائي ومذعور بن عدى وشجرة بن الأعز وبالفعل فقد غاب قبل رحلة حجه عن الحيرة والعراق حوالي شهر كامل عندما توجه لفتح دومة الجندل وفك حصار عياض بن غنم الفهرى وهو مطمئن تماما ثقة منه في حسن صرف وصواب قرار نائبه القعقاع بن عمرو التميمي إذا واجته أى ظروف وفي الحقيقة كان خالد بن الوليد مدرسة عسكرية متكاملة الأركان تخرج منها كل هؤلاء القادة الكبار بإمتياز مع مرتبة الشرف حيث كان خالد حريصا علي نقل خبراته وتجاربه إليهم فلم يكن لديه هاجس أو تخوف أنهم من الممكن أن يتفوقوا عليه ومن ثم يكون هناك إحتمال أن يزيحوه عن منصبه القيادى وكان مؤمنا بأنه إذا لم يكن هناك رجال يمثلون الصف الثاني من بعده فمعني هذا أنه كصف أول قد فشل فشلا ذريعا ولذلك فقد كان جميع القادة يحترمونه ويوقرونه ويعلمون مكانته وقدره وفطنته في مجال الحرب ويحبون أن يعملوا معه ويتعلموا منه ورحم الله بطلنا الذى سيأتي يوم القيامة بإذن الله وجروحه العديدة التي تكلم عنها لونها بلون الدم ورائحتها برائحة المسك كما يخبرنا نبينا محمد صلي الله عليه وسلم في حديثه بما معناه أنه مامن جريح يجرح في سبيل الله إلا ويأتي يوم القيامة بجروحه لونها كلون الدم ورائحتها برائحة المسك .