بقلم المهندس/ طارق بدراوى
موسوعة (كنوزأم الدنيا))
tbadrawy@yahoo.com
الكنفاني هو من يبيع حلويات شهر رمضان المعظم من كنافة وقطايف وخلافه والكنافة تعد من أكثر الحلويات مبيعا في هذا الشهر الكريم نظراُ لخفتها وسهولة طهيها إضافة إلى مذاقها الرائع وفي حقيقة الأمر هي غير قاصرة علي شهر رمضان فقط حيث يشتهيها الجميع طوال أيام العام ويأتي إسم الكنافة من الكنف بمعني الرعاية والرحمة ويرجع البعض إسمها إلى الكلمة الشركسية تشنافة أي لون البلبل وهو اللون الذي تتميز به الكنافة ولكن لا يعرف أحد على وجه الدقة متى بدأت هذه المهنة فيقول البعض إنها بدأت منذ عهد الفاطميين عندما تصادف دخول الخليفة المعز لدين الله الفاطمي القاهرة قادما من تونس وكان ذلك خلال شهر رمضان فإستقبلته الأهالي بعد الإفطار وهم يحملون الهدايا ومن بينها الكنافة بالمكسرات كمظهر من مظاهر الكرم ثم إنها إنتقلت بعد ذلك إلى بلاد الشام عن طريق التجار وقد حرص الفاطميون بعد ذلك علي وضع العديد من الحلويات وعلي رأسها الكنافة والقطايف على مائدة الإفطار الرمضاني كما إعتادوا علي توزيعها على الأطفال في الشوارع خلال هذا الشهر الكريم حتى تحولت إلى أحد مظاهر الإحتفال به ويقول البعض إن تاريخ نشأة الكنافة والذي يبلغ أكثر من ألف عام تقريبا لايعود للعصر الفاطمي بل يعود إلي ماقبل ذلك حيث يعود إلى عهد الخليفة الأموى الأول معاوية بن أبي سفيان حيث صنعها أهل الشام في بداية عصره ويقال إن معاوية هو أول من صنع الكنافة من العرب حتى إن إسمها إرتبط به وأصبحت تعرف بإسم كنافة معاوية وفي رواية أخرى قيل إنها صنعت خصيصاً للخليفة ألأموى السابع سليمان بن عبد الملك وهناك أيضا من يرجع الكنافة إلى عصر المماليك .
وفي البداية إقتصرت الكنافة على موائد الأمراء والملوك في عصر المماليك ومع الوقت أصبح يشتهيها الفقراء حيث كان الملوك والحكام يوزعونها عليهم خلال الشهر الكريم وفي المناسبات وأخذت بعد ذلك في الإنتشار ومن ثم ظهرت مهنة الكنفاني التي كان من يمتهنها لا يتعامل سوى مع علية القوم والأعيان والأغنياء ولكن سرعان ما إنتشرت وتعرف الكثيرون علي سر صناعتها فأصبحت في متناول الجميع وعليه فقد أصبحت الكنافة طعام كل من الفقير والغني في شهر رمضان وكان المطلوب لصنع الكنافة أن يقوم أحد الأفراد ببناء فرن صغير أمام منزله قبل قدوم الشهر الكريم بعدة أيام ويحضر بعض الأدوات المطلوبة لصنع الكنافة ويبدأ عمله قبل الإفطار مباشرة ويستمر حتى السحور وهذا النوع من الكنافة هو ما يطلق عليه الكنافة البلدي والذى كان سائدا في الماضي حيث كان هذا النوع من الكنافة هو المسيطر على سوق الحلويات خلال شهر رمضان ولم تكن الكنافة البلدى تحتاج سوى تكاليف بسيطة ومجهود عادي وغالبا ما كان العمل والنشاط يتركزان خلال الأيام الأولى من شهر رمضان إذ يكون الناس في حالة شوق لتناول حلويات رمضان وقد أصبح هذا النوع من الكنافة حاليا يواجه مشكلة عدم القدرة على الصمود والوقوف أمام الأصناف الأخرى من الكنافة التي يتم تجهيزها داخل الأفران الحديثة وبالطريقة الآلية حيث ظهرت خلال السنوات الماضية وسائل حديثة لصنع الكنافة بدلا من الفرن التقليدي وأقبل عليها المستهلك ولذلك إضطر الكثير من بائعي الكنافة البلدي إلى الإحجام عن تلك المهنة وبالفعل تقلصت أعدادهم بصورة واضحة خلال السنوات الماضية وأصبحت تلك المهنة مهددة بالإنقراض .
وكما أوضحنا في السطور السابقة تعتبر الكنافة من أبرز الأكلات والحلويات التي ترتبط بشهر رمضان الكريم والذي بمجرد أن تظهر الرؤية كانت تنتشر بالشوارع والمحلات آلات وأفران صناعة الكنافة التي يعشقها الملايين ويبدع الكثيرون في طريقة عملها وحشوها كأحد المظاهر الرئيسية للشهر الكريم
ويتوارث الأبناء مهنة صانعي الكنافة اليدوية من الآباء والأجداد والذين يجدون فيها متعة وتراث على الرغم من أن الكثيرين منهم لا يعملون سوى في شهر رمضان حيث تنتشر تلك الصنعة في أزقة مصر القديمة وفي الأحياء الشعبية القديمة في القاهرة والمحافظات وتصنع الكنافة من الدقيق المخلوط بالماء بالإضافة إلى الشعيرية في بعض الأنواع وتحتوي على سعرات حرارية كبيرة تعوض الجسم عما يفقده خلال فترة الصيام وهي تنقسم إلى ثلاثة أنواع النوع الأول الكنافة الشعر وتسمى بهذا الإسم لخيوطها الرفيعة والنوع الثاني اليدوي والتي تعتمد على الطريقة التقليدية لصناعة الكنافة والنوع الثالث الآلية وتستخدم في صناعتها الماكينات والآلات الخاصة بالكنافة وتختلف طريقة صناعة الكنافة وتناولها من مدينة إلى أخرى ومن بلد إلي أخرى ففي سوريا يفضلونها محشوة بالقشدة ومليئة باللبن أما بالنسبة للسعوديين فيتناولون الكنافة بالجبن الغير مالح وذلك إلي جانب الكنافة المحشوة بالموز أو القرفة أو المكسرات كما توجد أنواع أخرى عرفها أهل الشام منها الكنافة المبرومة والبللورية والعثمالية والمفروكة كما إشتهر أهل بلدة نابلس بفلسطين أيضا بصناعة كنافة الجبن حتى إشتهرت وعرفت بإسم الكنافة النابلسية أما في مصر فيفضلها المصريون محشوة بالمكسرات والياميش خاصة الزبيب والبندق واللوز وعين الجمل أو محشوة بالكريمة المصنوعة من اللبن والقشدة وبذلك أصبح للكنفاني في كل من هذه البلاد شخصيته المستقلة عن الحلواني لأنه يجعل من الشارع محلا له يصنع سلعته ويبيعها متمنيا أن تكون السنة بأكملها رمضان حتي لايكون عمله موسميا فقط حتى يربح أكثر .
وتظهر مهارة الكنفانى فى الكنافة البلدى بداية من عمل العجينة المكونة من مياه ودقيق فقط وصبها وضبط حرارة الفرن البلدى حتى تنضج بصورة كاملة ولذلك فهي تحتاج إلى دقة وإتقان ويبدأ عمل الكنافة البلدى قبل قدوم شهر رمضان بعدة أيام حيث يتم بناء فرن الكنافة بالطوب الأحمر والأسمنت ومن ثم يوضع فوقه صينية الكنافة النحاسية الدائرية ويبدأ العمل بوقوف صانع الكنافة البلدية بزيه التقليدى وهو الجلباب الفضفاض مع وضع طاقية علي رأسه خلف الصينية النحاسية المستديرة التي تعلو الفرن ويمسك في يده اليمنى بكوز الرش الذى يسمي بالجوزة والتي يملأها بالعجين ثم يلف يده بشكل دائري على الصينية الساخنة راسما عليها دوائر متوازية وبعد أقل من دقيقة يجمع الكنافة ليلقيها بجواره لتنتظر زبائنها وكان الناس في الماضي يأخذون له الدقيق بالكمية المراد تصنيعها فيقوم بعملها ويتقاضي أجره عن تصنيع كل كيلو دقيق وكان ذلك طبعا فى خلال شهر رمضان فقط لأن الكنافة فى مصر تكثر صناعتها فى شهر رمضان وتكاد تنعدم تماما إلا عند الحلوانية في غير هذا الشهر الفضيل ثم تطور الوضع بعد ذلك وأصبح الكنفانى يقوم ببيع الكنافة بالكيلو ويتكفل هو بالدقيق اللازم فأصبحت العملية أسهل للمشترى حيت يشترى بالوزن مايريده منها فى أى وقت .
والآن أصبح ينافس الكنفاني الماكينات التي تنتج كميات أكبر وبدخولها في أواخر الثمانينيات من القرن العشرين الماضي أثرت على صنعة الكنافة وأدت الى تواري الكنفانية المهرة الذين يحفظون أسرار المهنة وهكذا فمع تطور صناعة الكنافة وظهور الآلات والماكينات التي تعتبر أكثر حرفية وإتقانا وسرعة في صناعتها وأقل سعرا ما جعل الجميع يتجه إليها فتراجعت بالتالي الصناعة اليدوية التي كانت تعطيها مذاقها الخاص ورونقها كتراث رمضاني يجذب إليه الجميع عندما كان يقف الكنفاني يلف شعيرات العجين بالسكر بشكل دائري ومتعاقب ليصنع الكنافة ويلتف حوله الأطفال لمشاهدة مهنة من أقدم المهن التي عرفتها مصر علي مدار تاريخها والإستمتاع بمظاهر رمضانية توشك على الإندثار ومع تقلص عدد صانعي الكنافة مع الوقت والزمن وتطور الصناعة أصبح هناك تخوف وقلق شديدين على هذه المهنة المعرضة للإنقراض وإقتصارها فقط على المصانع ذات الآلات والماكينات .
وهنا يقول أحد صانعي الكنافة إن المهنة في مصر تضيق على أصحابها وأصبح العاملون بها يشعرون بالإحباط مع إنتشار الآلات والكنافة الجاهزة في المحلات مما أدى إلى تراجع الإقبال على الكنافة المصنعة يدويا في ظل إرتفاع أسعارها نتيجة إرتفاع أسعار المواد الخام التي تدخل في صناعتها لافتا النظر إلى أن صناعة الكنافة في مصر أصبحت تعتمد بشكل شبه كامل على الماكينات وهو ما جعل من النادر أن تجد صانعا للكنافة اليدوية فتلك الصناعة لم يعد يدخلها أشخاص جدد في الوقت الحالي وهو ما يهدد بإنقراضها ويضيف أيضا أن طريقة صناعة الكنافة تتلخص في خلط الدقيق بالمياه ليتكون العجين ثم يصفى في أوعية ومنها إلى الماكينة الخاصة ليسوى من خلال 3 شعلات بداخل الطبلية ثم تجمع على صاج لتكون جاهزة للبيع بينما يشترط في صناعة الكنافة البلدي وجود فرن لتسويتها وتلك أصبحت قليلة في شهر رمضان بسبب الفرن الذي تفرض عليه الدولة ضرائب ورسوم تتجاوز الألف جنيه لافتا النظر أيضا إلى أن هناك فرق كبير بين الكنافة البلدي التي تصنع بالسمن واللبن وبين الكنافة الشعر التي تصنع يدويا سواء في طريقة الصنع أو الطعم مشيرا إلى أن عبارة اللي بنى مصر كان في الأصل حلواني يقصد بها تحديدا صانع الكنافة لأنه يتميز بالحنكة والمهارة مع الصبر ومعرفة سر صنع الكنافة الذي لم يخرج خارج أبناء المهنة على مدار قرون وسنوات طويلة .
ومن أشهر صانعي الكنافة المعروفين في مصر عرفة الكنفاني والذى يعد أشهر صانع وبائع كنافة في مصر حيث تتوارث عائلته المهنة جيلا بعد جيل فعرفة الكبير بدأ العمل في مهنة الكنفاني منذ أكثر من مائة وخمسين عام حيث كان يعمل تاجرا للدقيق وفي إحدى زياراته الى الشام خلال عام 1870م جذبته طريقة تصنيع الكنافة اليدوية فعاد إلى مصر وإفتتح محلا للكنافة بحي السيدة زينب لا يزال موجودا حتى اليوم وليصبح أول وأشهر صانع كنافة يدوية في مصر ثم ورث المهنة ولده صالح الذي طورها ولما توفى تولى إدارة العمل أبناؤه الثلاثة علي وعتريس وإبراهيم ويقول عتريس عرفة إن جده الثالث عرفة هو الذي أعاد الكنافة إلى مصر مرة أخرى بعد ان إندثرت بإنتهاء الدولة الفاطمية ومع وصول أسرة محمد على باشا لحكم مصر بدأت تعود صنعة الكنافة على يد جده وكانت المهنة في البداية عبارة عن أقماع بدائية يتسلل منها العجين على قطعة مسطحة من الصاج وكانت أكثر سمكا من الوضع الحالي وكان الناس يذهبون الى صانع الكنافة ليعدها لهم ثم تطورت طريقة تكوين العجين والأدوات المستخدمة وقال نبدأ الإستعداد لشهر رمضان قبل قدومه بأسبوعين وكنا نشاهد والدنا يصنع عجين الكنافة بنفسه وتعلمنا منه أصول المهنة ولكننا طورناها وأدخلنا الماكينات في نهاية الثمانينيات من القرن العشرين الماضي وأضافت الماكينات للكنافة الكثير من حيث الكمية وتوفير المجهود خاصة أننا نملك سر الصنعة ونلتزم بالمواصفات والمعايير مع إنتاجية وجودة أعلى ويؤكد أن الإقبال يزداد على الكنافة اليدوية والآلية طوال شهر رمضان المعظم حيث يزيد الإنتاج نتيجة زيادة الطلب ونعمل ليلا ونهارا طوال اليوم والأساس هو جودة الصنعة وجودة الدقيق المستخدم والكنافة الجيدة هي التي تتمتع بالعجين المضبوط والتي يجب أن تبقى في ماكينة العجين ساعتين على الأقل بالإضافة الى النضج الجيد على الصينية وأشار عتريس الى ان الكنافة اليدوية هي الأصل ولكن ضغط العمل وكثرة الطلب جعلنا نلجأ الى التطوير وإدخال الماكينات وفق معايير وضوابط نراعيها حرصا على الزبائن المستمرين معنا منذ عشرات السنين .
ويضيف إبراهيم عرفة إنه يرفض تماما أن يفتتح فروعا أخرى للمحل في المحافظات كما يرفض بيع إسمه التجاري مثلما يفعل كبار المصنعين ويرفض كذلك أن تباع كنافة عرفة في غير اللفافة المخصصة لها التي تحمل إسم عرفة على ورق أبيض فاخر ويطلبها الناس بالإسم لدرجة أن الجاليات المصرية في الخارج يطلبون من ذويهم شراء كنافة عرفة وإرسالها لهم في طرود غذائية مخصصة كما أكد إبراهيم عرفة قيام مشاهير الفن والرياضة والشخصيات العامة بشراء الكنافة من محل عرفة ويقول أيضا إن المكسب الحقيقي في الزبون القطاعي وليس في البيع للفنادق أو القرى السياحية وغيرها مؤكدا أنهم في محل عرفة لا يسعون لفتح محلات لبيع الحلويات مستغلين في ذلك إسم عرفة وهو في ذلك يستشهد بالمثل المصري الشهير صاحب بالين كداب ويتابع قائلا إن شهرة محل عرفة قد جاءت من تصنيع الكنافة وليس من أى شيء آخر ونود أن نحافظ على ذلك جيلا بعد جيل وإن رمضان بدون كنافة عرفة لايكون له طعم ولم ينس إبراهيم عرفة أن يذكر أن الجد عرفة الكبير عندما أعاد صناعة الكنافة إلي مصر أعاد معها صناعة القطايف ورغم أن زبائنها أقل من زبائن الكنافة إلا أن الطلب عليها يزداد في شهر رمضان ويقل كثيرا في باقي شهور السنة بعكس الكنافة التي يشتريها الناس طوال السنة .
|