الباحثة / داليا الانصارى تكتب
كان نظام الاسرة قائم على اساس الزواج الذي اقرته الاعراف والتقاليد والقوانين وتم توثيقه بالعقود على الواح من الطين وغاية الزواج هو انجاب الاطفال وبناء اسرة مستقرة وان تحديد نظام الزواج استند على الاوضاع الاقتصادية والاحوال الاجتماعية والجوانب الفكرية والدينية في المجتمع العراقي القديم ومن خلال الوثائق والعقود الخاصة بالزواج نجد ان احكامها لاتختلف كثيرا عن احكام الزواج في المجتمعات الشرقية في الوقت الحاضر ، ويتم الزواج على مراسيم خاصة وفق الاعراف والتقاليد والعادات وتختلف العادات والضوابط وفق الثقافة السائدة في المجتمع ويعتمد على الظروف البيئية والتركيب الاجتماعي والثقافي للمجتمع .
مراسيم الزواج
أولا الخطبة
أكدت النصوص المسمارية والقوانين بان الخطبة وشرعية الزواج كانت لا تتم الا بموافقة الوالدين أي والدي الفتى والفتاة ، فكانت موافقة الاهل مهمة كما هو الحال في الوقت الحاضر فان الشاب يختار فتاته المناسبة له وبموافقة ابويه يتقدم الشاب بطلب يد الفتاة من والديها اذ كان بالغا ، وقد يتقدم والد الفتى بطلب يد الفتاة من والدها اذا كان الشاب قاصرا وبعد موافقة كلا الطرفين يتم اعلان الخطبة ويقوم الفتى بتقديم هدية الخطبة وتسمى ( biblum ) في اللغة البابلية القديمة الى والد الفتاة ومن مراسيم الخطبة ان يسكب الفتى الزيت على راس الفتاة وهو جزء من الطقوس التقليدية المتبعة في ذلك الوقت لاعلان الخطبة رسميا وبحضور الاهل والاقرباء والاصدقاء وتقام الحفل في بيت اهل الفتاة .
وان فترة الخطوبة تطول اوتقصر على حسب الظروف الاقتصادية او عمر الشابين اذ كانا قاصرين وبعد اعلان الخطبة وتقديم الهدايا لايحق لاي من الطرفين فسخ الخطبة الا بسبب معقول وان المتسبب بفسخ الخطبة يقوم بتعويض الطرف الاخر بضعف ماجلبه من هدايا وقد وضعت القوانين العراقية القديمة مواد قانونية تحمي الخطيبين من فسخ الخطبة وهذا مانراه في القوانين القديمة من المادة 12 من قانون اورنمو ، اما اذا كان السبب في فسخ الخطبة لخطبة الفتاة الى شخص اخر او لصديقه فان قانون اشنونا المادة 26 وقانون لبت عشتار المادة 29 وقانون حمورابي من المواد 159-161 لا يحق للفتاة او والدها ان يزوجها لاشخص اخر او لصديقه وان يتم ارجاع الهدايا للخطيب مضاعفة ولا يزوج ابنته الى الشخص المتسبب في فسخ الخطبة .
ثانيا المهر
( tirhatumترخاتم )الذي يقدمه العريس الى العروس والتي تتضمن في البدء الحبوب واللحوم والمأكولات والمشروبات ثم اصبحت تدل بعد ذلك على كمية من النقود يدفعها العريس الى العروس مع هدايا الزواج بعد الموافقة على الزواج وقد لعب المهر دوراً كبيراً في نظام الزواج فجعل الزوج يحجم عن تطليق الزوجة لان الزوج قد يدفع (مهراً) لايمكن ان يسترده فضلاً عن دفع مقدار آخر من المال بقدر المهر الذي اعطاه لها كما نصت على ذلك المواد ( 138 ، 139 ، 163 ، 164 ) من قانون حمورابي .
والمهر من مستلزمات اتمام الزواج يعطى الى الزوجة ليكون ملكاً لها تتصرف به كيفما تشاء وفي بعض الاحيان يتسلم اب العروس المهر ويمكن القول في ضوء القوانين ان هدية الزواج ليست ثمنا للمراة وليس هناك صفقة بيع اوشراء بين الرجل ووالد الفتاة فهدية الزواج ضمان للزوجة في المستقبل في حالة وفاة الزوج او هجره لها . و يغطي المهر بعض النفقات التي على زوج المستقبل ان يدفعها للتحضير للزواج كما في الوقت الحاضر . واشارت القوانين العراقية الى وجوب دفع المهر ووجوب النص عليه في عقد الزواج والمهر يكون من حق الزوجة او ذويها وأولادها بعد وفاتها ويحق للزوج استرجاع المهر في حالة عدم انجابها الأطفال.
ثالثا عقد الزواج
(riksatum) بالغة البابلية وما ان يكتب عقد الزواج حتى تصبح الفتاة بحكم القانون ( زوجة رجل assat awilim )لها من حقوق وواجبات والتزامات تحددها القوانين والأعراف ، لان رابطة الزواج لا تتم الا بكتابة العقد اذ يتضمن العقد كما تشير الوثائق المسمارية اسم الزوجين وهدية الزواج ( المهر ( خاتمterhatum ) المقدم من قبل الزوج واسماء الشهود وتاريخ تحرير العقد والتعهد المقترن بالقسم على عدم الاخلال بالالتزامات التي تضمنها عقد الزواج والعقوبات في حالة انكار العلاقة الزوجية وختم عقد الزواج بذلك
وبموجب العقد يصبح كل من الفتى والفتاة زوجاً وزوجة (قانوناً) ويتحملان معا مسؤولية ذلك الارتباط وما يترتب عليه من واجبات والالتزامات وحقوق دونت بالعقد . وقد يتعهد الزوج بعدم اخذ زوجة ثانية فان فعل وهجر زوجته الاولى فان زوجته لها الحق بالاستيلاء على حقوله وممتلكاته . فإذا لم يوافق والدي الفتاة ولم يدون العقد فالفتاة لا تعد زوجة شرعية حتى لو عاشت سنة كاملة في بيته
وعند تحديد وقت الزواج يكون والد الفتاة او اخوها ( في حالة وفاة الأب ) وكيلا للعروس في عقد الزواج اذ يأخذ براي العروس في الزوج والزواج كما يشير الى ذلك نص من العصر السومري الحديث ( بان رجلا خطب فتاة من والديها وعندما رفضته خطب اختها الصغرى التي قبلت به واصبحت زوجته )
ويرد في عقود الزواج بان الفتى إذا كان تحت سيادة ابيه اقتصادياً او لصغر سنه، فالأب يكون وكيلاً عنه في عقد الزواج ( عقد القرآن ) ويذكر بجانب الأب ، الام فموافقة الام شرط مهم لاتمام الزواج او يتعاقد الفتى بنفسه إذا كان بالغاً
ويظهر الأب في عقد من العصر السومري الحديث وكيلاً عن ابنه ويقوم باداء القسم بأسم الملك امام القضاة وعدد من الشهود ( عسى ان يتزوج ابني ووريثي من ابنتك … ) اما إذا كان الأبن بالغا وقد استقل عن ابيه فيقوم باداء القسم امام القضاة والشهود قائلا بانه ( سيأخذ [فلانة] … وتصبح زوجة له )
وتكون موافقة الام مهمة عندما تنوب عن زوجها في حالة وفاته فنجد في نص من العصر السومري الحديث ان الام اعترضت وحاولت منع ابنتها من اتمام الزواج بعد كتابة العقد.
ومن الطبيعي ان تعيش الزوجة في بيت والد زوجها فإذا ذهب زوجها بمهمة عسكرية او تجارية او توفى فعلى والد زوجها اعالتها وتوفير مستلزمات المعيشة لها ، اما في حالة استقلال الزوجة والزوج عن ابويهما فعند غياب الزوج تصبح الزوجة المسؤولة عن ادارة شؤون منزلها .
وهناك حالات ينتقل بها الزوج للعيش في بيت والد زوجته ، وقد افترض بعض الباحثين بان بقاء الزوجة في بيت ابيها ، له علاقة بالزواج المبكر ، طالما القوانين الاشورية نصت على زواج الأولاد من عمر عشر سنوات ، ففي الزواج المبكر تعيش الزوجة في بيت ابيها حتى بلوغها سن الزواج وبعدها تذهب الى بيت زوجها
وهو يعتقد بان الزواج لا يدون على رقيم الا في حالات خاصة يتوجب تدوينه ، كأن يكون لأحد الزوجين أطفال من زواج سابق اوعلى الزوج الآخر ان يتبنى أولاد زوجته ، او عندما تكون الزوجة كاهنة ولها مركز اجتماعي او عندما تكون الزوجة من عائلة ميسورة الحال وبائنتها ثمينة فعندئذ يدون عقد لحماية البائنة من استيلاء الزوج ، وان عقد الزواج يدون للفتاة التي تتزوج لاول مرة اما عن الارملة تستطيع ان تتزوج من رجل آخر وتعاشره دون عقد وتعد زوجة شرعية.
رابعا حفل الزواج
بعد موافقة الاهل على الزواج يقوم العريس بجلب الهدايا التي عرفت عند السومريين( Ni-de-a ) وعند البابليين بـ(biblu ) اماالاشوريين فعرفوها بـ(zubullu) وهي عبارة عن مواد غذائية تحمل الى بيت العروس باطباق كبيرة تعرف (hurruppate ) . وفي الوقت نفسه تقدم قطع من الحلي الثمينة وتعد الحلي ملك العروس حتى وفاة زوجها ، وبعدها يقام حفل الزفاف( الزواج) ويقدم العريس الاطعمة والمشروبات لضيوفه أي يتكفل العريس بمصاريف حفل الزفاف ، فالحفل اعلان رسمي للزواج كما هو الان في الوقت الحالي ، ثم يقوم والد الفتاة بتقديم هدية لابنته ( seriktum ) عند زفافها وهي نصيبها ( zittum ) من ارث ابيها، وقد يقـدم الزوج الى زوجته بعد الزواج فضلاً عن المهر الذي قدمه بعض الهدايا والاموال بمثابة عطايا او هبة ( nudunnum ) لضمان مستقبل الزوجة.
وتأتي الاحتفالات الخاصة بالزواج كما نصت القوانين فمن اهم الطقوس التي ذكرتها، قيام الزوج بسكب الزيت على راس عروسه من اقدم الطقوس المتعبة في العراق القديم .
ولم تذكر القوانين القديمة عادة سكب الزيت عدا القوانين الاشورية فنصت المادة (42) من هذه القوانين على انه ( إذا سكب رجل الزيت على راس امرأة حرة في يوم الاغتسال او جلب هدايا العرس في ذلك اليوم ، لايمكن استرجاع[ الهدايا ] من بعد ذلك ). وتشير النصوص بان الاغتسال كان من طقوس الزواج ( ولايزال هذا الموروث معمولاً به في بعض العوائل حالياً بان تؤخذ العروس الى الحمام ) وتصف النصوص المسمارية بان العروس تغتسل بالماء والصابون وتطيب جسمها بالدهان والعطور وفمها بالعنبر وتزين عينيها بالكحل ثم ترتدي الثياب الغالية وتلبس الاساور والخواتم والقلائد المصنوعة من الذهب والاحجار الكريمة، استعداد لاستقبال العريس . وفي يوم الزفاف كانت تقام وليمة ( kirrum ) ، تقدم فيها المأكولات والمشروبات التي جلبها العريس الى بيت العروس ( Bilblum ) وكان يحضر حفل الزفاف الأصدقاء و أقارب العريسين . |