إندونيسيا بلد كبير فى أقصى الشرق يتكون من عدَّة آلاف من الجزر بين أمواج البحار المتلاطمة والجو المملوء بالأعاصير، وشعبها هادئ الملامح ودود، يحيا بين الطبيعة الخضراء التى تتميز بها معظم الجزر الإندونيسية، وبين الجبال والشواطئ الهائلة المطلة على المحيطين الهادى والهندى، وهى من الدول الإسلامية ذات التأثير السياسى والاقتصادى والثقافى فى منطقة جنوب شرق آسيا، ويرجع ذلك إلى تجربتها في التنمية والتى امتدت إلى أكثر من خمسين عامًا، حيث زخرت بالعديد من التفاعلات المحلية والإقليمية والدولية، وقد تواردت على إندونيسيا عدة تيارات أثرت فى ثقافتها، وكان التيار العربى - الإسلامى هو أقوى التيارات التى تفاعل معها المجتمع الإندونيسى فكريًا وحضاريًا لتصبح إندونيسيا ذات هوية إسلامية، وكلمة إندونيسيا مكونة من شقين : الأول "إندو" وتعنى الهند، والثانى "نيسيا" وتعنى جزر، أى جزر الهند، ولذلك سميت بجزر الهند الشرقية.
وتتميز العلاقات الثنائية بين مصر وإندونيسيا بنوع من الاستقرار يعكسه عمقها التاريخي والتعاون في العديد من المجالات، وتحتضن القاهرة أكثر من ستة آلاف طالب إندونيسي، معظمهم يدرسون في جامعة الأزهر، بالإضافة إلى المنح التى تقدمها وزارة التعليم العالي للدراسة في الجامعات المصرية، وهناك تشابه كبير فى العادات والتقاليد الاجتماعية بالنسبة للمناسبات الدينية في كل من مصر وإندونيسيا، ومن المرجح أن ذلك يرجع لما نقله علماء إندونيسيا الذين جاوروا الأزهر الشريف من مظاهر الاحتفالات المصرية بالمناسبات الدينية سواء في المأكل أو في استقبال هذه المناسبات في رمضان والعيد والسحور وإطعام الصائم وغير ذلك.
وتتعدد مظاهر الاحتفال فى إندونيسيا بهذا الشهر حيث تبدو واضحة في تزيين الشوارع والأحياء بالشعارات الرمضانية والأعلام المكتوب عليها "لا إله إلا الله" وأيضًا الأوراق الملونة والبالونات والمصابيح الخاصة في بعض المناطق، كما تجد على كل باب من أبواب البيوت في إندونيسيا عبارات دينية مكتوبة، مثل الشهادتين أو البسملة أو آية من آيات القرآن الكريم أو قول من أقوال الرسول . ومن المعروف عن الإندونيسيين أنهم يقرعون الطبول الإندونيسية التقليدية المعروفة باسم "البدوق" وهي طبول ضخمة يتم قرعها قبيل آذان المغرب مباشرًة إيذانا بحلول موعد الإفطار في مختلف أقاليم إندونيسيا، وقرع هذه الطبول يماثل مدفع الإفطار في بعض الدول العربية كمصر وسوريا وتونس وغيرها. وتستخدم هذه الطبول الإندونيسية الضخمة "البدوق" أيضا في الاحتفالات باستقبال الشهر الكريم، حيث يجوب الشباب والأطفال الشوارع في العاصمة جاكرتا وفي مختلف مناطق إندونيسيا الأخرى بمجرد الإعلان عن بدء شهر الصوم. وهم يدقون هذه الطبول التي توضع على شاحنات صغيرة مع مكبرات للصوت كمظهر من مظاهر الاحتفال بقدوم رمضان وأيضًا خلال الاحتفال بحلول عيد الفطر في نهاية الشهر.
ومن أشهر الأطعمة الرمضانية التي يفطر عليها مسلمو إندونيسيا طعام يسمى "أبهم" وهو عبارة عن نوع من أنواع الحلوى أشبه ما يكون بـالكعك ويقدم التمر إلى جانبه. وتنتشر موائد الرحمن بإندونيسيا فى شهر رمضان ويُنفق عليها من تبرعات الناس في صناديق النذور بالمساجد طوال العام، وهى تقاليد قديمة ترجع إلى أكثر من مائة عام مضت، بدأها السلطان محمود الرشيد فى جزيرة سومطرة إبان سلطنة ديلى الإسلامية عام 1906م حيث كان القصر السلطاني يقدم الطعام لعابري السبيل، وتمنح المدارس لطلابها إجازة في اليوم الأول لرمضان وكذلك الأسبوع الأخير كما يتم تخفيف المناهج أثناء الشهر مراعاة لعملية التحصيل ويتم إغلاق المقاهي الليلية، وبمجرد الانتهاء من صلاة التراويح يتحول الليل إلى نهار رغم أن الإندونيسيين يغلقون متاجرهم في الثامنة مساءً ولا يسهرون ومع ذلك يصبح شهر رمضان استثناءً لا يقاس عليه. وتتبارى مساجد إندونيسيا في رفع الآذان لدرجة الدخول في حرب مكبرات صوت بين المساجد المتجاورة كنوع من الفرح والسرور بالشهر الكريم، وتشارك النساء في صلاة التراويح، وتنشط دروس العلم الشرعي, وحلقات تلاوة القرآن، حيث تزدحم المساجد بالمصلين وطلبة العلم من أهل البلاد هذا فضلا عما تستضيفه الدولة من بعض أهل العلم من خارج إندونيسيا، ومن المظاهر الرائعة في إندونيسيا في رمضان، تواجد المسلمين في ساحات كبيرة لتلاوة القرآن الكريم وتدارسه في صورة غاية في الروعة، إذ يتجمع المسلمين في حلقات يقرأون القرآن والأذكار والأحاديث، وتقوم الحكومة بحجب أكثر من مليون موقع إباحي خلال الشهر للحفاظ علي روحانيات رمضان وخصوصيته.
إن الشعب الإندونيسى يتمتع بثقافة إسلامية عالية وباهتمامه بالأمة الإسلامية وانتمائه لها، ورغم أن الإسلام لا يعتبر أساسًا لقيام الدولة، إلا أن التدين ظاهرًا فى سلوك الشعب الإندونيسى المسلم، وإندونيسيا تمتلك اليوم اقتصادًا أكثر حداثًة وتطورًا تتحدى به القوى الكبرى، وهى مؤهلة لأن تكون قوة عالمية مؤثرة، كما أنها تتميز بمحافظتها على وحدة أراضيها في كيان متكامل يتبع حكومة واحدة، وبرغم التحديات التى تواجهها إلا أنها مثالًا يحتذى به، ونموذجًا نتمنى تطبيقه فى مصر وفى جميع الدول الإسلامية والعربية.
|