وفد على مصر أثناء دولة الفاطميين عالم فارسي جليل ورحالة ترك لنا وصفا دقيقا لرحلته في مصر وحضارتها في عصر الخليفة المستنصر بالله، هو ناصـر خسرو (1002 -1061م) وكان قد أقام بمصر ثلاث سنوات وثلاثة أشهر (1047-1050م)، ودّون مشاهدة بدقة وإسهاب، ووصف مدينتي "الفسطاط" ،"القاهرة"، وأماكن أخرى ،كما وصف الحياة العقلية ،وتحدث عن الأزهر ،ودار الحكمة وجامع عمرو بن العاص، كما تكلم عن الخليفة الفاطمي والفقهاء والدعاة الفاطميين، كما درس الحياة الاجتماعية عن كثب وأطنب على ثروة مصر ورخائها اقتصاديا، وصف القاهرة وصفا شائقاً وأسهب على أحوالها وجوامعها وبيوتها وحدائقها وقصورها وأسواقها وحرفها، كما أنه أشار إلى صناعة الخزف الفاطمي ومميزاتها.
ومدينة مصر (الفسطاط - القاهرة) ممتدة على شاطىء النيل الذي بنيت عليه القصور والمناظر بحيث إذا احتاجوا إلى الماء رفعوه بالحبال من النيل، أما ماء المدينة فيجلبه السقاؤون من النيل على ظهور الدواب أو على ظهورهم. وأمام مصر جزيرة وسط النيل (الروضة) كان عليها مدينة في وقت ما والجزيرة غرب المدينة، وبها مسجد وحدائق، وأقيم بين الجزيرة والمدينة (الفسطاط)جسر مؤلف من ست وثلاثين سفينة.
ويقع جزء من مدينة مصر على جانب النيل الأخير وبيسمونه الجيزة وبها مسجد لصلاة الجمعة. وتجار مصر يصدقون في كل ما يبيعونه، وإذا كذب أحدهم على مشتر فانه يوضع على جمل، ويعطى جرسا بيده، ويطوف به في المدينة وهو يدق الجرس وينادى قائلا: "قد كذبت وها أنا أعاقب ،وكل من يقول الكذب فجزاؤه العقاب"،وفى ختام كتاباته ذكر انه رأى أموالا يملكها بعض المصريين ،ولو ذكرتها أو وصفتها لما صدقني الناس في بلاد فارس، فإنى لا أستطيع أن أحدد أموالهم أو أحصرها. أما الأمن الذي عاينته هناك فأنى لم أره في بلد من قبل.
هذا ما وصفه الرحالة الفارسى "ناصـر خسرو"، ونحن نشاهد عن كثب كل ما تم انجازه فى القاهرة الفاطمية يعد مفخرة لابد أن نشيد بها.. لكن القضية ليست مجرد إنجاز فقط بل فى كيفية أن نحافظ ونسوق وننشر هذه الثقافة بين المصريين ليقدموها أمام العالم لكى تكون جاذبة للسياحة، فمصر لديها من المقومات الأساسية وتمتلك من القوة الناعمة المتمثلة فى الأماكن التراثية الحضارية الشديدة ما يجعلها شديدة الخصوصية والأهمية بين الكثير من دول العالم.
|